نتحدث كثيرا عن خطابات مختلفة في المجتمع فنفهم مدلول الخطاب الثقافي وندرك أبعاده من خلال معرفتنا بالثقافة التي نتعاطاها، كما نفهم مدلول الخطاب الديني أيضا ونتحدث عنه بتفاصيل دقيقة، هذا بالإضافة إلى كم هائل من الخطابات التي تشكل في النهاية شخصيتنا الاجتماعية. بين تلك الخطابات خطاب مفقود في التعريف الدقيق وليس في الوجود، فالخطاب الاجتماعي موجود ولكن كيفية فهمه وتعريفه وتحديد مساره هي معضلة كثير من المجتمعات. الخطاب الاجتماعي هو محور يومي لحياتنا ولكننا نفتقد تعريفا دقيقا لهذا الخطاب الذي يتشتت بين النقد والتبرير فنجد أنفسنا إما مبررين لهذا الخطاب أو ضده بحسب مهامنا وموقفنا الاجتماعي.
الخطاب الاجتماعي هو لغة المجتمع فهو انعكاس لقيم المجتمع وثقافته حيث يستطيع الفرد في الحالة الطبيعية أن يدرك تلك القيم ويتذكرها بشكل مباشر ويحافظ عليها. فعلى سبيل المثال عندما يقال عن مجتمع بعينه بأنه مجتمع متدين فتلك قيمة اجتماعية تميز خطابه الاجتماعي وتؤثر في توجهاته ونمطيته، ونحن بهذا الفهم لمدلول واحد من مدلولات الخطاب الاجتماعي نقترب من تحديد مهارات فهم الخطاب الاجتماعي التي تتطلب ربطا بين مكونات المجتمع وبنائه الفكري والتنظيمي واكتشاف العلاقة بين تلك المقومات. في كل خطاب اجتماعي متزن نرى أن مدلولات وقيما أساسية مثل: الوطنية والانتماء إلى الأرض هي منطلق حقيقي لتشكيل ثقافة المجتمع والذي غالبا ما يتكون من عناصر أخرى مثل خطاب ديني أو فكري يكون ظاهرا ومحركا للمجتمع أو متسترا في الحياة الاجتماعية كلها. احد العناصر المهمة في تشكيل الخطاب الاجتماعي يعتمد كليا على فهم الفرد لدوره في المجتمع وكيف يؤديه..؟ وما هي ابرز الوسائل التي يعبّر فيها عن ذلك الدور..؟ فمثلا عندما يتميز المجتمع بإدراكه لقيمة العمل كجزء من ثقافته الاجتماعية يصبح الإنتاج قيمة ثقافية أساسية في ذلك المجتمع يمارسها جميع الأفراد ويضعونها عنوانا لحياتهم.
الفكرة التي أحاول مناقشتها حول الخطاب الاجتماعي هي استدلال لكشف طريقة تمكننا من فهم الاتجاه الذي يجب أن نسير به لتشكيل ذلك الخطاب بمنهجية تخدم المجتمع في تكريس الوعي ودعم التنوير وليس تقويضه. اعتدنا في مجتمعاتنا على تكريس الأفكار النقدية وأصبحت حياتنا كماً متراكماً من الثقافة النقدية وأصبح كل منا يستطيع أن يقدم قائمة نقدية في كل قضية بل كل فكرة يراها في المجتمع مما يعكس وعيا نقديا مفتعلا لا يسير بالاتجاه الصحيح. تساؤلنا الحقيقي لفهم الواقع الاجتماعي يتعلق بمكونات خطابنا الاجتماعي وعناصره والذي يبنى في كل المجتمعات على قيم محددة يصعب نسيانها والتنازل عنها بل تصبح شعارا متأصلا في الحياة الاجتماعية حيث تشكل هذه القيم سمات ذلك المجتمع وتحدد مساره بل ومستقبله. في مجتمعاتنا وصلت الحالة التي تشكّل فيها خطابنا إلى استمراء النقد من جانب فلم يعد النقد الذي يفترض أن يؤدي دورا ايجابيا سوى سيمفونية تتكرر على مسامعنا وأبصارنا، وهذا مؤشر لفقدنا الفهم المكتمل لحقيقتنا الاجتماعية بل انه مؤشر يوحي بأنه لازال أمامنا طريق ليس سهلا للاتفاق على قيم اجتماعية تتجاوز بنا تلك الاجتهادات التي نطرحها على شكل نقد متواصل للواقع تختلط فيه الحقائق مع الفرضيات، لذلك تجد أن الوصف الحقيقي لواقعنا الاجتماعي غالبا ما يتميز بعدم الدقة في تحليل الواقع وليس وصفه.
على سبيل المثال ما خلفته حلقة المسلسل السعودي (طاش) حول الليبرالية ومفهومها الاجتماعي عكس قصورا في فهم الكيفية التي تتفاعل بها أطراف المجتمع، فالحالة التي تم الاستناد إليها في وصف فئة متخيلة من المجتمع بصورتها التي وردت لا يعكس سوى شرح لفكرة الأضداد المتنافرة كما تم تصويرها، لذلك ظهرت فكرة نقد المختلفين وكأنها المطلب الذي يبحث عنه المجتمع لتأكيد عدل خطابه النقدي الذي اعتاد على نقد الفئات المختلفة لصالح بعضها وليس لصالح المجتمع.
قضية تعبيرنا عن واقعنا الاجتماعي هي إشكاليتنا الحقيقية بدون منازع فعندما تتميز المجتمعات بطغيان مفاهيم النقد المطلق على جميع مستوياته فهذا مؤشر على فقدان فهم الواقع وقصور في فهم أساليب التصحيح والتنوير في المجتمع. كثير منا يعتقد أن النقد بجميع أشكاله هو تعبير عن مصداقية ذاتية وننسى بنفس الوقت أننا جزء من المجتمع الذي تحول فيه دورنا إلى تكرار سلبيات نحن في الحقيقة سبب في وجود الكثير منها. نحن نتجاوز كثيرا بل نبالغ في تحديد سقف النقد وكيفيته وهذه الفكرة ليست تحاملا ضد النقد ولكنها تحديد دقيق لواقعية النقد وطرقه ومنهجيته وخاصة عندما يبتعد كثيرا عن مضمونه.
النقد بجميع صوره المفرطة والمتحفظة أصبح بحق جزءا من خطابنا الاجتماعي الذي نتميز به فصورتنا الإعلامية ومن يمثلها من أفراد أو مؤسسات إعلامية تنضج تحت ضوء النقد. في اغلب الأحيان تكبر قيمة الفرد أو المؤسسة عبر تماديها بكميات النقد بينما نفتقد كثيرا إلى منهجيات التنوير وطرح الأسئلة الإصلاحية، وهذا مؤشر يعكس عجزنا مرة أخرى عن تحديد الكيفية التي ننتمي بها إلى واقعنا. نحن نرى الواقع وكأنه جزء منفصل عنا كمجتمع أو أفراد لذلك نفرط في نقده بينما الحقيقة أننا نحن المسؤولون عن هذا الواقع فهو نتيجة طبيعية لمساهمتنا سواء الفكرية أو الاجتماعية .
المتصفح لواقعنا الاجتماعي يدرك أن ثقافة النقد هي اكبر الثقافات المسيطرة على الواقع الاجتماعي والإعلامي حتى أصبحنا لا نضع اعتبارا لثقافة تنويرية أو إصلاحية تحليلية فما هو خارج ثقافة النقد أصبح لا يهم سواء المثقف أو المواطن بل تحول إلى فلسفة وغناء خارج المجتمع. بمعنى آخر نحن نصفق لثقافة النقد حتى وإن وصلت بالفرد إلى نقد نفسه ومحيط مهنته دون أن يدرك انه جزء من الخلل الذي كان سببا في تكريس عمليات النقد الاجتماعي، فقد ولدت بيننا فئات مثقفة أصبحت تمارس النقد وتستخدمه في مزاد لتحقيق أهداف فردية وليست اجتماعية.
خطابنا الاجتماعي يجب أن لا يظل خطاباً يشكل فيه النقد المفرط جوهر الحياة الاجتماعية، كما أننا يجب أن نغير من ذلك الخطاب ونبحث عن وسائل إصلاحية وتنويرية تتجاوز مسألة ترتيب النواقص والهفوات في فكرة تنموية أو تطويرية أو قضية ثقافية. نحن بحاجة إلى أن ندرك أننا مهما تطاولنا على الواقع وانتقدناه فنحن جزء منه شئنا أم أبينا، فإشكالية الفهم للواقع الاجتماعي جعلتنا نتجاوز كثيرا ونتجاهل أن النقد بالطرق التي يتداولها المجتمع لا تعبر عن حالة وعي بالواقع الاجتماعي. علينا أن نبحث عن أساليب تعيدنا إلى فهم واقعنا الاجتماعي لندرك انه مهما ابتعدنا وتعالينا عليه بالنقد فنحن جزء منه وصلاح ذلك الواقع يمس كل فرد منا لذلك يبقى علينا التفكير الدقيق بما يستطيع كل فرد منا أن يقدمه لمجتمعه على طبق من التنوير والتوجيه وليس طبقا من مساءلات نقدية مخيبة للأمل.
1
إقتباس
خطابنا الاجتماعي يجب أن لا يظل خطاباً يشكل فيه النقد المفرط جوهر الحياة الاجتماعية،
كما أننا يجب أن نغير من ذلك الخطاب ونبحث عن وسائل إصلاحية وتنويرية تتجاوز مسألة ترتيب النواقص والهفوات في فكرة تنموية أو تطويرية أو قضية ثقافية.
نحن بحاجة إلى أن ندرك أننا مهما تطاولنا على الواقع وانتقدناه فنحن جزء منه شئنا أم أبينا، فإشكالية الفهم للواقع الاجتماعي جعلتنا نتجاوز كثيرا ونتجاهل أن النقد بالطرق التي يتداولها المجتمع لا تعبر عن حالة وعي بالواقع الاجتماعي.
علينا أن نبحث عن أساليب تعيدنا إلى فهم واقعنا الاجتماعي لندرك انه مهما ابتعدنا وتعالينا عليه بالنقد فنحن جزء منه وصلاح ذلك الواقع يمس كل فرد منا
لذلك يبقى علينا التفكير الدقيق بما يستطيع كل فرد منا أن يقدمه لمجتمعه على طبق من التنوير والتوجيه وليس طبقا من مساءلات نقدية مخيبة للأمل.
تعقيب
مما يعين على العمل بهذه التوجيهات القيمة, أن يقوم المشرفون و رؤساء التحرير في المجلات والصحف و مشرفي المواقع النتية على ضبط عملية النشر.
عليهم أن يعيدوا سياسة كنترولهم.
عليهم أن يخصصوا مساحة للنقد قدرها ثمن ما ينشر في صحفهم, وسبعة أثمان لنشر
المقالات التي توجه نحو العمل,
مقالات البناء و التطوير,
مقالات التفائل و بناء الذات,
مقالات طارحة للحلول فقد شبع المجتمع من التشخيص
مقالات الحلول العملية
مقالات تذليل العقبات لمشروع معين
د. يوسف محمد السعيد - زائر
06:33 صباحاً 2007/10/29
2
قتباس
خطابنا الاجتماعي يجب أن لا يظل خطاباً يشكل فيه النقد المفرط جوهر الحياة الاجتماعية،
كما أننا يجب أن نغير من ذلك الخطاب ونبحث عن وسائل إصلاحية وتنويرية تتجاوز مسألة ترتيب النواقص والهفوات في فكرة تنموية أو تطويرية أو قضية ثقافية.
نحن بحاجة إلى أن ندرك أننا مهما تطاولنا على الواقع وانتقدناه فنحن جزء منه شئنا أم أبينا،
فإشكالية الفهم للواقع الاجتماعي جعلتنا نتجاوز كثيرا ونتجاهل أن النقد بالطرق التي يتداولها المجتمع لا تعبر عن حالة وعي بالواقع الاجتماعي.
علينا أن نبحث عن أساليب تعيدنا إلى فهم واقعنا الاجتماعي لندرك انه مهما ابتعدنا وتعالينا عليه بالنقد فنحن جزء منه وصلاح ذلك الواقع يمس كل فرد منا
لذلك يبقى علينا التفكير الدقيق بما يستطيع كل فرد منا أن يقدمه لمجتمعه على طبق من التنوير والتوجيه وليس طبقا من مساءلات نقدية مخيبة للأمل
تعليق
مما يساعد على تفعيل تلك التوجيهات القيمة. أن يقوم رؤوساء تحرير الصحف و المجلات الدورية ومشرفي المواقع الإلكترونية, بتغير سياسة النشر لديهم. بحيث يعطوا مساحة أكبر لتلك المقالات والأطروحات التي تطرح الحلول , وتذلل العقبات لمشروع عملي ما, تلك المقالات التي تعتني ببناء الذات, وتبعث روح العمل و الإنتاج في القارئ, تلك المقالات التي تصف المخارج من الأزمات بأنواعها, تلك المقالات المتفائلة.
و تعمل على تصغير مساحة المقالات النقدية التي أشار إليها الكاتب.
مع الزمن نرجوا ان يتحول الناس إلى فاعلين في مجتمعاتهم بدلا من متأففين ويائسين وقلقين و غير عمليين.
د. يوسف السعيد - زائر
10:41 صباحاً 2007/10/29
3
نحن مجتمع لديه قدره غريبه على إدانة الغير و قدره أغرب على تصنيف الناس إلى فئات لهم نفس الأخلاق و يمارسون نفس السلوكيات و بذلك يجردهم من إنسانيتهم و ينفي عنهم صفة الذاتيه و ما تتميز به كل شخصيه عموماً نحن لا نخب و لا نتقبل إلا أنفسنا و الفئات التي تمثلنا
منى - زائر
09:38 مساءً 2007/10/29
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة