الرئيسية > مقالات اليوم

تحقيق الكفايات.. نظرة في مسألة السكن والمساكن!!


عبدالله القفاري

خلال عامين برزت على السطح مؤشرات غير إيجابية، عنوانها: التضخم وانخفاض القدرة الشرائية للريال، ارتفاع متواصل لأسعار السلع الاستهلاكية الأساسية، قفزات سعرية لمواد البناء تصل إلى الضعف، ارتفاع أسعار العقارات الى حدود تتجاوز 50%. وهي مؤشرات سلبية تطال شرائح واسعة من المجتمع، وستلقي بظلالها على تحقيق الكفايات، التي هي أهم بند في ميزانية أي أسرة سعودية اليوم. هنا الحديث ليس عن كماليات. هنا المسألة تصل إلى حد توازن فئة اجتماعية عريضة تريد تحقيق الكفايات لا سواها وكرامة اليومي لا فائض الحاجة.

هناك مسائل يمكن أن تنتظر وربما تكون حلولها بعيدة المدى، ربما تتحمل نتائج الانتظار إذا كانت البرامج الزمنية كفيلة بتقديم حلول يمكن الرضا عن نتائجها، لكن في مسألة الكفايات اليومية تتطلب المسألة نظرة جادة وسريعة وحلولا متعددة وفعالة.

أعتقد أن ما يحدث على سبيل المثال في مسألة السكن والمساكن اليوم جدير بأن يستعيد حلولا مختلفة تتجاوز ما هو سائد وتقليدي وربما كان مناسباً في مرحلة لكنه عاجز عن مواجهة حاجات مرحلة جديدة.

في مجتمع ينمو سنويا بحدود 4%، وتقذف كل عام الاف الخريجين الذين عليهم أن يتدبروا حياتهم القادمة، بين البحث عن عمل وبين ترتيب حياة قادمة لتكوين نواة أسرة، تظهر مشكلة المساكن جلية واضحة ومقلقة. يعيش الكثيرون اليوم على مكتسبات مرحلة لكن في لحظة تصبح مسألة الاستقلالية مسألة حتمية. عندما يصدم أي شاب بقصة تكلفة إيجار تأكل نصف دخله الشهري. ماذا يتبقى لإعاشة أسرة تتزايد متطلباتها يوميا.

تقدر مشروعات كثيرة اليوم لإقامة مساكن خيرية لفئات مستحقة اجتماعيا هذه المساكن في مناطق متعددة من المملكة. لكن هذا لن يكون حلاً متأتياً أو مناسباً لشرائح أخرى لا يمكن تصنيفها ضمن الفئات المستحقة والفقيرة والمعدمة لدرجة أن تصل لمرحلة البحث عن مسكن خيري.

تمدد مدننا بطريقة لا يمكن تحمل كلفة خدماتها على المدى المنظور ناهيك على المدى البعيد. يرتفع سعر متر الأرض في الأطراف لتصل إلى مبالغ لا يمكن قبولها أو القدرة عليها من قبل فئات وشرائح اجتماعية كثيرة. تتآكل الطبقة الوسطى لصالح فئات تقترب من حافة الفقر وتحلق طبقة ضيقة في عالم مختلف.. مما يخلق جزرا معزولة اجتماعيا وقلق داخلي مربك وحالة من عدم التوازن الاجتماعي.

الحل اليوم لن يكون من خلال دعم صندوق التنمية العقارية وحده لأنه أداة قديمة وبيروقراطية.. ومهما فعل لن يحقق الكفايات في المستقبل المنظور. علينا أن نفتح أبواباً أخرى تضمن فكرة سكن مقبولة وممكنة مع كلفة أقل وضمن شروط تضمن حياة مستقرة لشرائح اجتماعية تنمو وتشكل عمادا للطبقة الوسطى في أي مجتمع.

الحل في نظري اليوم يجب أن يُستلهم من جانبين، أولهما ثقافة السكن التي عليها أن تؤسس لمفهوم مختلف عن مساكن الماضي (الوحدات الكبيرة والمعزولة). وجانب يقدم تسهيلات عملية تسقط كلفة الأرض من الحساب وتركز على قيمة وكلفة بناء اقتصادي ولكن يحقق الكفايات و يستجيب لحاجات أي اسرة تطمح للاستقرار.

التخلي عن فكر منح الأراضي اليوم باتت ضرورة، لأنها لا تعني أكثر من الانتظار البعيد إن كانت لذوي الدخل المحدود مع عدم توفر إمكانية البناء إما لبعدها عن نطاق الخدمات أو لعدم قدرة مالكها على بنائها. وهي لا تعني في نفس الوقت من خلال منحها لغير مستحقيها سوى مضاعفة سعرها أضعافاً أضعافاً ومراكمة الثروة في أيدي القلة على حساب الكثرة.. لتصل إلى محتاج السكن بكلفة مرهقة ربما سرقة العمر قبل أن يحلم بامتلاك قطعة أرض مناسبة.

أعتقد أن إنشاء هيئة حكومية مستقلة باسم هيئة المساكن، هي الخطوة الأكثر امكانية للسيطرة على فكرة تحقيق مشروع أكثر اقترابا للعدالة في تحقيق فرص السكن المناسب والعملي لشريحة عريضة من المواطنين وأكثر كفاءة في تحقيق الاستقرار الاجتماعي على المدى البعيد. الفكرة تتبلور حول هيئة حكومية تقدم الأراضي المناسبة للسكن والتي يتوفر فيها كل الخدمات الضرورية للبناء وفي مواقع مناسبة في المدن، وتقديمها لشركات كبرى لبناء مجمعات سكنية تتوفر على كل الخدمات التعليمية والصحية والترفيهية وهي وحدات تعتمد البناء العامودي والوحدات السكنية الصغيرة (الشقق) التي توفر مساكن مناسبة لكنها ليست باهظة الكلفة وتعمل مع البنوك المحلية على تمويل البناء ويتحمل المالك الشراء عبر أقساط يمكن تسديدها من خلال دخله الشهري.

تتحمل الهيئة الحكومة تهيئة الأرض وتوفير الخدمات بكل أنواعها ويتحمل المالك دفع أقساط تناسب إمكاناته ليحصل بعد فترة زمنية خلال سنتين أو ثلاث على وحدة تحقق له كفاياته في السكن. ويمكن تمويل هذه الهيئة من مصادر كثيرة سواء من خلال التمويل الحكومي المباشر أو الرسوم التي يجب أن تفرض على الأراضي الكبيرة المعدة للمتاجرة.

إنه تصور عملي وفعال يتطلب أولاً التخلي عن ثقافة السكن التي لا ترى له و جوداً سوى بامتلاك الوحدات الكبيرة التي تقصم كلفتها اليوم أي قادر على البناء فما بالنا بالذين يخطون سنواتهم الأولى في حياتهم العملية وفي تكوين أسرة تحتاج لمعنى الاستقرار أكثر من حاجتها لأحلام الرفاه التي لا تتحقق. الأمر الآخر يتطلب عقلاً إبداعياً يرسم ملامح وحدات لها قدرة على تحقيق الكفايات مع توفر كل الخدمات التي تجعلها فعلا وحدات فعالة ومتميزة وفي قلب المدن. هذه المجمعات لها أيضا نتائج إيجابية على الكلفة العامة على خزينة الدولة في ملاحقة الخدمات وفي اطراف المدن.. هذه الوحدات ترتبط فيما بينها باتحادات لها علاقة بالصيانة والخدمات - فيما بعد - مما يجعل هناك نواة لقوى اجتماعية مدينية تتدبر أمر مساكنها على المدى المنظور والبعيد.

التجربة لم تتبلور حتى يمكن الحكم على فعاليتها، لأنها إما أنها كانت مبتورة في وقت ما عن سياق ثقافة اجتماعية لا تتصور أنها ستعود للسكن الدائم في شقق ووحدات صغيرة وإما لأن الخدمات لم تكن تتوفر والبيئة السكنية المناسبة لم تكن تتوفر في مثل هذه المشروعات.

ان يكون عدد السعوديين الذين يملكون مساكنهم الخاصة لا تتجاوز 30% مشكلة كبيرة يجب أن تدق ناقوس الخطر، وتحفز الأفكار الملهمة للبحث عن حلول أكثر جدوى وعملية ومواكبة للتحولات في بنية المجتمع الاقتصادية والثقافية.

كلفة التمدد الأفقي في المدن أثّر كثيراً على علاقات المدينة بسكانها وخلق منها جزرا معزولة وترتب عليه كلفة باهظة للبحث في توفير الخدمات في مناطق لا ترتبط بنسق المدن وأضعف قيمة ومعنى المواصلات العامة وبدد ثروات صغيرة في بناء مساكن تحتاج صيانة بعد عدة سنوات لظروف الطقس وكفاءة البناء.

هذا النسق من التفكير ليس جديداً، وهو معمول به في اماكن كثيرة في بلدان العالم. المهم استلهامه لتكييفه وفق ظروف أسرة سعودية تريد تحقيق الكفايات.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 10

  • 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبرطاته
    قبل 28سنه تضخمة الاسعاروارتفع العقاروصل اجار الشقه الى 40 ألف واجهة الدوله رعاها الله المشكله بحلول سريعه منها توزيع اراضي لذوي الدخل المحدود
    ودعم الصندوق العقاري لدرجة انك تقدم اليوم وفي اسوء الاحوال تاخذالقرض بعد6أشهروفي خلال سنتين الي كانوا ياجرون الشقه باربعين يدورون 6الاف إذآ
    إذا اردنا الحل فالحل موجودوسبق ان مرت علينا المشكله

    علي الشهري - زائر

    07:04 صباحاً 2007/10/29


  • 2
    اخي الكاتب اشكرك على مقالك ولقد كتب كثير من الكتاب من سنين طويله خلت عن موضوع المساكن والحاجه الماسه والضروريه لها ولكن لافائده0ولان ذهبنا الى المقابر ونادينا اصحابها هل كان لديكم او تملكتم سكن لكان الجواب بما لايقل عن 90% منهم لا0فالحقيقه التي يجب ان تقال بان تملك السكن اصبح مستحيلا 0

    nasser - زائر

    07:27 صباحاً 2007/10/29


  • 3
    بسم الله الرحمن الرحيم
    اشكر الاستاذ / عبدالله القفاري على طرح هذا الموضوع الحيوي والمهم في حياة شريحة كبيرة من ابناء هذا البلد المعطى. انا معك فيما يتعلق بانشاء هيئة حكومية مستقلة تختص بانشاء وحدات سكنية للطبقة المتوسطة، وعدم اعطاء المساحات الشاسعة من الاراضي لفئة من التجار يستغلون حاجة المواطن للسكن، انما الحل يكون مثل ما تطرقت الى انشاء هيئة مشتركة حكومية وقطاع خاص يتم من خلال هذه الهيئة ببناء مساكن مناسبة في المساحة والمواد والمواقع وباسعار في متناول الجميع إما اقساط سنوية او بيع مباشر. ولكم في دولة الكويت المثال.. حيث تتولى الدولة بناء المساكن واعطاءها لمواطنية.
    ودمتم..
    احمد

    احمد - زائر

    07:35 صباحاً 2007/10/29


  • 4
    أن القرار بعدم السماح بتعدد الأدوار في المناطق السكنية هو السبب الرئيسي في المشكلة 0عندما يستطيع المواطن من بناء مسكن من ثلاثة أو أربعة أدوار يحتوي على ستة وحدات سكنية سوف يتمكن الأبناء من الحصول علي سكن وبتالي نعيد الأسرة الممتده التي قضينا عليها بالمساكن الكبيرة الحالية0
    لتسمح لنا الدولة ممثلة في البلديات بتعدد الأدوار كما سمح لشركة الأركان البناء
    خمسة أدوار في مخطط القصر0

    عبدالله الغامدي (موظف متقاعد) - زائر

    10:39 صباحاً 2007/10/29


  • 5
    اشكر الكاتب عبدالله القفاري على هذا الطرح الجميل والافكار الرائعة.
    ولكن السؤال هل يرى هذا الطرح النور ؟.
    الدولة حماها الله ماقصرت زادت الرواتب واصبح الموظف يتنعم براتب جيد ؛ ولكن المشكلة تكمن في السكن فمالفائدة براتب كبير يذهب بالايجار وبكماليات وغيرها لايستفيد منها المواطن.
    انا اقول خذو ثلث راتبي بل نصفه كل شهر وأمنو لي بيت لأولادي.
    أفكر كثيراً كيف احصل على قطعة ارض ب 150ألف على اقل تقدير. ثم أفكر لو حصلت على قطعة الارض كيف اجمع 350ألف لابنيها ببناء متواضع لأولادي.
    صراحة مشكلة كبيرة يعاني منها كل رب اسرة.وارجو ان تحل سريعا.

    ابو أحمد - زائر

    01:10 مساءً 2007/10/29


  • 6
    تحيه طيبه نطمئنكم الى ان شركات التطوير العقاري ولا سيما شركه موطن وضعت يدها على الجرح وستعلن عن مشروعها الاول قريبا وكذالك شركات العقار الاخرى والمخططات للاراضي جاهزه من سنوات ولاتحتاج الىتطوير بل بناء فقط

    ابو عبدالاله - زائر

    01:19 مساءً 2007/10/29


  • 7
    شكرا على موضوعك استاذنا
    انا تقدمت على الصندوق بطلب قرض من عام 1417 واستبشرت خيرا لما طلع لي القرض قبل سبعة اشهر
    طلع القرض وبدأت بالبحث عن منزل في الرياض ولم اجد لان اصغر فله تنطبق عليها الشروط اسعارها تبدأ من 650 الف وفوق
    فكرت اني اشتري ارض وابنيها دور واحد وانصدمت من اسعار الاراضي يبغالي قرض ثاني اشتري فيه ارض
    فكرت اني ابني في ديرتي وهي الغاط لرخص الاراضي هناك واشتريت ارض ب30 الف ريال وظلعت المخطط وعرضته على المقاولين فوجدت ان اقل مقاول سيبني لي منزل من دور ارضي يكلف 350الف وقيمة القرض في المحافظات الصغيره 250الف
    والان لي سبعة شهور وانا ماسويت حاجه بالقرض وغيري كثير نفس طريقتي قيمة القرض لاتكفي لبناء منزل من دور ارضي ولا تكفي لشراء ابيضا
    وفيه ملاحظه بسيطه انني لو كنت قد جمعت مبلغ مالي اظافي لقيمة القرض وحصلت بيت مثلا ب700 الف البنك مايعطوني القرض الا لمن اجيب لهم الصك باسمي
    طيب : اذا افترضنا ان معاي نص المبلغ من بيبيعني بيته بنص المبلغ ويحول صك البيت باسمي
    ليش مايكون في اتفاقيه بين البنك وصاحب المنزل بحيث ان البنك يضمن بازراق رسميه انه يسدد لصاحب البيت المباع قيمة القرض عشان يسهل عملية الشراء للبيوت

    عبدالعزيز - زائر

    03:17 مساءً 2007/10/29


  • 8
    تعدد الأدوار حل يرضي الفقير ويغضب الغني فلذلك لن يرى النور الا اذا استطاع الفقراء ان يحبون اكواعهم.

    عبدالرحمن - زائر

    08:36 مساءً 2007/10/29


  • 9
    * قبل توفير السكن للفقراء وفروا السكينة لعصافير بطونهم !
    * بعض المانشتات الصحفية مجرد (مسكنات) !
    * كان يبحث عن فندق أكثر عدد من النجوم فاستلقى على قارعة الطريق والتحف السماء ونام !
    * ينظر نزيل سجن الخمس نجوم إلى من هم خارجه بتأثر بالغ على أحوالهم السيئة !
    * المحكوم عليهم بالإعدام يمكن (دمجهم) بساكنى القبور عن طريق حانوتى محترف ! * لم يتحقق أمله فى أن يصبح مذيعاً فأنشأ إذاعة محلية بشقته السكنية !
    * عندما تنام زوجتى يهدأ البركان و(تسكن) العاصفة !
    * السكن إما سَكينة (بفتح السين) وإما سِكينة (بكسرها) !

    مجدى شلبى - زائر

    08:50 مساءً 2007/10/29


  • 10
    قضية عدم توفر السكن للمواطن امر شائع على مستوى العالم وليس من مهام اي دولة ان توفره لشعبها، لكن ممكن ان تساعد على تيسير امر بناءه او شراءه. لاننا نجد في جميع انحاء العالم بنايات متعددة الادوار، وهذا يعني ان هناك مالك ومستأجر، إذا الامر طبيعي.
    كما نعلم العمل التجاري لا يعترف بالعلاقات الانسانية، وبما ان تجارة مواد البناء والمقاولات وامتلاك الارض هي عملية تجارية بحتة، فعلينا ألا نستغرب وجود تجار ومستهلكين وبين قوسين (ملاك ومستأجرين) لان الاقتصاد في النهاية مركبة هيكلها العقار.

    عبدالله علي الغامدي - زائر

    10:42 مساءً 2007/10/29



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة