بين عرب الداخل والخارج نماذج من الهجرة والتهجير، والقتل بكل الصفات، حتى إن استحداث أساليب الخلاف، ودفعها إلى الموت العام، صورة لا تتكرر إلا عندنا، فمَن كان يتصور أن من تسعى إسرائيل إلى إبادتهم من الفلسطينيين يقومون هم بالتصفيات فيما بينهم بالنيابة عنها، لتحقيق أهدافها، وعندما نعيد الصورة بألوانها السوداء نجد العراقيين أشد دموية، ويلحق بهم السودانيون والصوماليون، وأصحاب السبق في الثقافة والتطبيق الديموقراطي في لبنان عندما يتم تحويل الخلاف إلى شكل آخر بتقسيم البلد إلى (كانتونات) يحكمها متحزبون بعمائم، وطرابيش، وربطات عنق..
لا ندري ماذا يستجد غداً في عالم المفاجآت العربية الحادة، فقد تخلصنا من "مارشات" الفجر التي تعلنها الإذاعات مع الانقلابات، ومعها تصفيات (الخونة الجبناء) ليتلوها زوار الفجر الآخر في الاعتقالات والتغييب التام، والمحظوظ هو من يغادر الحدود إلى أرض سلام ولو مؤقتاً لتطارده مراسم الدخول وفحص الهوية والأسباب التي دفعته لمغادرة بلده إلى المهجر، وفيما إذا يحصل على بطاقة دخول، ومن ثم عضوية اللاجئ السياسي، وبنفس الوقت مطارَد تعاوده الكوابيس في صحوه ومنامه من القابعين في سلطة وطنه.
على الأراضي الأجنبية يتساكن العرب مع العديد من شعوب العالم، بعضهم يتمتع بمواطنة كاملة، كما في تركيا، وقد تصل في بعضهم إنكار الأرومة والهوية القومية، لأنه لا يريد أن يكسب صفة أمة لا ترقى بأن تعلن اتفاقاً للعيش بسلام، وعرب فلسطين بقوا لاجئين في وطنهم، غير أن منظر الأخوة في غزة والضفة الغربية عزز وجودهم ولو بنصف مواطنة بدون حروب وخلافات على كراسي السلطة في المنفى الداخلي طالما يحققون سلامتهم وأمن أسرهم وأطفالهم، كذلك اللبنانيون في مواقعهم المختلفة بأفريقيا، وأستراليا، وكندا، وغيرها، حصلوا على مواطنة غير منقوصة وآثروا الإقامة في وطن جديد منحهم إنسانيتهم، والاعتراف بقدراتهم مما هيأ لهم الوظائف، والنجاح..
وحتى من ذهبوا إلى أندونيسيا وبلدان آسيوية أخرى، استطاعوا الاندماج وخرجوا من أسءر التاريخ إلى فضاء وطن جديد غرسوا فيه قيمهم وعدالة دينهم، ولم يطاردهم إلا الرئيس سوكارنو في لحظة عدم توازن مشاعره باعتبار عرب اليمن هم من سيطر على التجارة والمناصب، ومع ذلك انتهى ذلك السيناريو وبقوا على امتيازاتهم، وقد حصل بعضهم على وظائف قيادية لم يحصل عليها عربي في بلده بدون محسوبيات أو وساطات..
هناك مهاجرون في أوروبا، غالبيتهم من الشمال الأفريقي، ومع انهم يناضلون للحصول على ذات الحقوق للمواطنين الأصليين، إلا أن بعضهم، ذهب ومعه مرض العزلة الثقافية والنفور السياسي كتقليد عربي وقد أثر ذلك حتى على المواقف الخاصة ومنها الدينية عندما انخرط البعض في استعارة الخلافات في البلد الأصلي، ليواصل بنفس الطبيعة معالجة أوضاعه بذات السلوك، وصار الإرهاب جزءاً من صدام دائم بين المهاجر وسلطة دولة المأوى، ومع ذلك فغالباً ما ينصفه القانون في أي حالة تجاوز للمألوف، أو على الأقل يحافظ على سلامته النفسية من أوضاع العرب داخل بلدانهم..
نعرف أن الكثيرين ممن ضُمت أجزاء من وطنهم الأصلي، وألحقت بآخر، أو من فُرض عليهم الخروج القسري تبعاً لتغيير الأنظمة، لا تتغير مشاعرهم، إلا بعد أجيال، ومع ذلك هناك من فضل المهجر أو التوطين على العودة إلى المنابت الوطنية الأساسية، طالما الأمان هوسيد المواقف وتلك هي الحقيقة..