الجمال.. لحظة مسروقة من الزمن..
لما رأى الماء ينسدل مترقرقاً من قمة الجبل إلى بطن أحد أودية جازان، محاطاً بخيوط من الخضرة والجمال، وبريق الأزهار، لم يتمالك نفسه من شدة التأثر فأجهش بالبكاء تلذذاً بهذه اللوحة الإلهية البديعة.. كان يبكي وحيداً رغم أن أصحابه يحيطون به، فلم يتأثروا كما تأثر، ولم يروا ما رآه من جمال الطبيعة وحسنها، كان هو الوحيد، لأنه رسام سعودي وهبه الله القدرة على تحسس مكامن الجمال وتقدير الجميل والاهتزاز له طرباً. وهذا هو حال الفنان دائماً.. إنه يرى ما لا يراه بقية البشر، ويدرك الجمال الكامن خلف تلك التفاصيل الصغيرة التي نمر عليها مرور الكرام باعتبارها أشياء هامشية لا قيمة لها. الفنان يمسك بهذه التفاصيل، ويقبض على اللحظة الجميلة، وعلى الصورة الجميلة، ليعمل على توثيقها في قصيدة أو رواية أو مقطوعة موسيقية أو ينقشها على لوحةٍ تعلق على جدار التاريخ والخلود.
فعندما ترى لوحة، أو تستمع لموسيقى، أو عندما تقرأ رواية مدهشة في بنائها ومضمونها، فأنت هنا قد غصت في هذه (اللحظة) الجميلة التي برع في اقتناصها الفنان وصورها بأجمل ما يكون التصوير. وطبيعة عمل الفنان، أو آلية عمله الإبداعي، تدور حول هذه (اللحظة) التي يلتقطها من الطبيعة، ويسحبها من تيار الزمن المتدفق، فيمسك بها، ويعمل على تجميدها، وتثبيتها، ليبعث بها من جديد في عمله الإبداعي، ويجعل لها حياتها وزمنها الخاصين، بعيداً عن حركة الواقع وحركة الزمن الطبيعي. إن أي عمل فني خالد هو قطعة صغيرة سرقت من تيار الزمن، قطعة من التاريخ، ولحظة سريعة تجلى فيها الجمال المدهش أمام عين الفنان الحساس الذي استغرق في تأملها ثم عبر عنها بشكل موحٍ ومؤثر. وعن هذه اللحظة تحديداً يتحدث المخرج البريطاني الشاب (شون إليس) في فيلمه الرائع والمختلف (كاش باك-CashBack).
فيلم (CashBack) يقدم رؤية مختلفة للجمال وبأسلوب مختلف لا يقل جمالاً عن الجمال نفسه!. حكايته تتحدث عن رسام شاب يصاب بالأرق بعد تعرضه لصدمة عاطفية سببها صديقته التي قررت تركه. وفي الأيام التي أعقبت الانفصال، ومع ساعات الأرق الطويلة، يقرر العمل بائعاً في إحدى محلات السوبرماركت، ومن هناك يبدأ في نثر تأملاته حول الجمال المطلق والمقدس، انطلاقاً من كونه فنانا تشكيليا له نظرته الخاصة في العالم. الفيلم هو أول أفلام المخرج (شون إليس) الطويلة، صنعه في العام 2006، وهو تطوير لفيلم قصير كان قد قدمه عام 2004بنفس الاسم ونفس الفكرة أيضاً وحصد بسببه جوائز عديدة منها الترشح لأوسكار أفضل فيلم قصير. وليس هناك من فرق بين النسختين بل يمكن اعتبار الفيلم القصير إعلاناً للفيلم الطويل.. ومن شاهد الطويل فكأنما شاهد النسخة الأولى القصيرة.
النظرية التي يقدمها الفيلم هي أن الفنان ينظر للحياة بشكل مختلف، وخاص جداً، وعينهُ الحساسة تطرب للجمال وتبحث عنه في مضانه، وهذا يتجلى في تفاعل الرسام الشاب مع ما يحيط به في السوبرماركت الذي يعمل فيه، إنه ينظر للزبائن ولمحتويات المحل من زاوية جمالية خالصة، ويفلسف ما يراه ليتوافق مع معتقداته كفنان، وهو لا يستعجل الوصول إلى نتيجة، بل نراه يعمل على إيقاف مجرى الزمن، وتجميد الزبائن، ليتجول بينهم بحرية وهدوء، متأملاً تفاصيل أجسادهم الجميلة. وعملية إيقاف الزمن مجازية؛ القصد منها أن الفنان ينظر إلى الحياة من الخارج، فهو يقف هناك في البعيد ينظر إلى الناس وإلى حركتهم، ويتأمل الطبيعة، من دون احتكاك مباشر، ويرى دائرة الحياة بشكلها الكامل، ما يعطيه الفرصة على التقاط ما يريد ومن الزاوية التي يريد.
الفيلم ينظر للحياة من زاوية هذا الفنان المحبط، فكل ما يراه المتفرج هو عين ما تراه الشخصية الرئيسية، ليصبح الأمر كأنما هو غوص في عقل الفنان ورسم لآلية عمله. والجميل هنا أن مخرج الفيلم (شون إليس) قد تبنى هذه النظرية قلباً وقالباً، حيث سرد حكاية الفنان وقدم موضوعه بقالب جميل وبناء مختلف وبنفس الطريقة التي يرى بها الفنان للحياة التي تجري في السوبرماركت. حتى أصبح المخرج عند صناعته للفيلم في نفس موقع الرسام الشاب عند تأمله للجمال الذي يسري بين ممرات المحل.. وكل واحد منهما يؤكد حقيقة واحدة.. أن الجمال ليس إلا لحظة مسروقة.. سرقها فنان مبدع
rja@alriyadh.com