صقلية.. تنتفض في وجه "مافيا الأتاوات"
عندما حاول رجال المافيا في جزيرة صقلية الايطالية في باديء الأمر ابتزاز صاحب المطعم فينتشنزو كونتشيلو واجباره على دفع اتاوة شهرية قدرها 500يورو في الشهر نقل الرجل عن جدته ارميليندا قولها له آنذاك "لا تقدم على دفع هذه الاتاوة والا أصبحت خادما دائما لهم. لن تصبح رجلا حر الارادة." واقتنع صاحب المطعم بحجة جدته الراحلة بالا يدفع الاتاوة وهي عادة شائعة في جنوب ايطاليا يطلقون عليها اسم (بيتسو) ويدفعها ثمانية من بين كل عشرة من رجال الاعمال في صقلية. واضطر ذلك رجال المافيا الى الرد بتوجيه تهديدات بالقتل واعلان اتاوات جديدة وصلت الى 50الف يورو ( 70الف دولار). ينتمي كونتشيلو للجيل الخامس من أسرة تدير مؤسسة انتيكا فوكاشيرا سان فرانسيسكو في باليرمو. ومثل الرجل البالغ من العمر 48عاما امام محكمة واشار باصبعه الى رجال قال انهم كانوا يحاولون ارغامه على دفع الاتاوة. وقال كونتشيلو وهو واحد من قلة قليلة من رجال الاعمال ممن تصدوا للمافيا واستلهموا جزئيا توجهات من حركات شبان لمكافحة التجارة غير المشروعة منها جماعة (آديو بيتسو دوت اورج) أي وداعا للاتاوة "لو كنت دفعت لهم الاتاوة لتقلبت جدتي في قبرها." وليس لجهود هذه القلة أثر يذكر على العائدات التي تجنيها المافيا اذ تشير تقديرات الى ان عصابات الجريمة في ايطاليا وأبرزها جماعة كوستا نوسترا وكامورا في نابولي وندرانجيتا في كالابريا تجمع 75مليار يورو سنويا من أنشطة الاتاوات وعصابات الحماية والنصب والاحتيال. الا ان هذه القلة تأمل في ان تجتذب اليها آخرين لتحرم عصابات المافيا في نهاية المطاف من الموارد النقدية السهلة للكسب غير المشروع. وقال تانجو جراسو الذي أسس اول جماعة لمكافحة النصب عام 1990بعد ان رفض دفع الاتاوة عن شركة الملابس التي يملكها "سبب استمرار وجود المافيا ان أنشطة الاعمال تدفع لها." ويدفع البعض ثمنا باهظا لرفض دفع الاتاوة وليس أدل على هذا من حادثة ليبيرو جراس وهو أحد تجار باليرمو الذي قتل بالرصاص عام 1991.أما كونتشيلو فقد ظلت ترافقه قوة حراسة من الشرطة فيما ابتلي آخرون بتفجير او باحراق منازلهم ومقار اعمالهم ومنهم مقاول البناء اندريا فيكيو الذي شهد اربع هجمات بقنابل حارقة خلال اربعة ايام. ويقول خبراء مكافحة انشطة المافيا ان الثورة الحالية على عصابات الجريمة تتزامن مع حالة من فراغ القيادات داخل صفوف المافيا وذلك منذ اعتقال برناردو بروفنتسانو الذي يلقب باسم (زعيم زعماء المافيا) عام 2005فيما يسعى رجال المافيا ممن يحلمون بالزعامة الى الترويج لانفسهم من خلال فرض الاتاوات.
وقال جراسو رئيس حركة مكافحة الاتاوات (انتيراكت آي تي) من نابولي حيث يشن حملة على عصابات الكامورا "تشيع في صقلية درجة عدوانية جديدة من رد فعل المافيا بسبب فراغ القيادات وايضا نظرا لاحتياجهم للمال." وقال لرويترز "ليس بوسعي ان اتوقع ما سيحدث الا اننا يجب ان نكون قلقين للغاية." واشارت تقديرات تضمنتها دراسة اعدها مكتب (اس او اس امبريزا) لمكافحة الجريمة التابع لرابطة تجار التجزئة الى ان عصابات المافيا تنتزع 200مليون يورو يوميا من انشطة الاعمال من خلال الاتاوات والاحتيال في الوقت الذي يدفع فيه اصحاب المتاجر وحدهم 80مليون يورو في اليوم الواحد. ويرى لينو بوزا رئيس مكتب (اس او اس امبريزا) لمكافحة الجريمة التابع لرابطة تجار التجزئة ان بعض أنشطة الاعمال بدأت تتمرد على الاتاوات "ويرجع ذلك جزئيا الى ان حملة المافيا لجمع اموال تفاقمت وبدأ رجال المافيا يستخدمون القنابل." وقال جراسو ان المافيا ترى انه يمكن تقنين الاتاوات على انشطة اعمال بوصفها تضاهي الضرائب مثلا. وتدرك الشركات التي تفوز بتعاقدات مجزية للاشغال العامة ان عليها ان تدفع مرغمة نسبة محددة تتراوح بين 2و 3في المئة من قيمة العقد كاتاوة. ومنذ عام 2000اصبحت مؤسسة انتيكا فوكاشيرا سان فرانسيسكو في باليرمو ضحية لنجاحها اذ قام كونتشيلو بالترويج لمطعمه في الخارج مما ادى الى اتساع نشاط المنشأة وسال بالتالي لعاب المافيا بغية الاستحواذ على قسط من العائدات وليس مجرد الاتاوة. وقال كونتشيلو لرويترز فيما تعالت اصوات نداءات الزبائن الى الندل في مطعمه الفخم الكائن في روما الذي يرتاده الدبلوماسيون وكبار الشخصيات "علاوة على ذلك يخرج العاملون بالمطعم الى الخارج ويقولون للناس ان المنشأة تدفع اجورا مجزية وهو ما يخلق الحقد." وفي اطار حماسة بعض الساسة المحليين للنهوض بالسياحة في صقلية يشكون من ان الضجة الحالية بشأن المافيا تمثل واجهة غير مواتية ويقولون انه "يجب اعلان انتهاء ازمة المافيا."
وعلى خلاف ما كان يحدث في الماضي عندما كانت قيادات قطاع الاعمال تقول بمنطق رجال المال والاعمال "ادفع للمافيا حتى تقلل من خسائرك" فان جماعة الموظفين كونفياندستريا تهدد الان بفصل من يدفعون الاتاوات. وتطالب بينا ارملة جراسي بمقاضاة اولئك الذي يدفعون اتاوات للمافيا. وقالت بينا في الاونة الاخيرة بمناسبة الذكرى السنوية لزوجها الراحل "لكن لا يمكن التصديق على مثل هذا القانون." واضافت "ان مكافحة الجريمة سترتكز دوما على شجاعة القلة." ولايزال هؤلاء قلة قليلة. وقال كونتشيلو "في صقلية هناك 123الف شركة تقريبا الا ان 12منها تتخذ موقفا مناهضا للمافيا." واضاف "لو كنا 100او الف بدلا من 12فربما كان لذلك اثره." ومضى يقول "لكن اصطياد رجل اعمال واحد امر بسيط. انني هدف سهل حتى رغم ان اثنين من رجال الشرطة يرافقوني."
وكانت تصريحات كاتب صقلية الايطالي اندريا كاميليري الخاصة بان ايطاليا ستجهز جيشا لمحاربة المافيا قد احتلت العناوين الرئيسية للصحف. وتبنى بعض رؤساء البلديات المحليين هذه الدعوة الا ان انصار هذه الحملة اختلفوا في الرأي قائلين بان القوات المسلحة ليست مؤهلة للعمل الشرطي. ويرى جراسو ان التكتيكات الامثل تتلخص في اقناع مزيد من الناس فيما ستقوم المافيا بترويع انصار الحملة. وقال جراسو "الجيش لن يفيدنا. الأمر الذي نحن في امس الحاجة اليه هو جيش من اصحاب المتاجر ممن يشجبون الجريمة علانية." وقال كونتشيلو إنه من اجل تحقيق ذلك فان الأمر يتطلب تغيير العقلية على جزيرة فيها "حتى الكلاب من اعضاء المافيا".