الرئيسية > مقالات اليوم

فكرة عودة الحرب الباردة


د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

أعتقد أن بوتين يلعب لعبة بسيطة لا يمكن للشعب الروسي قبولها ،لا يمكن لروسيا وحلفائها الضعاف أن يشكلوا منظمة لحرب باردة ، الحرب الباردة تحتاج لمخصصات مالية عالية تصرف على السلاح وتطويره وهذه عقدة لا يمكن لبوتين من تجاوزها .

؟ تابعت في الآونة الأخيرة فكرة عودة الحرب الباردة بين الولايات الأمريكية والاتحاد الروسي. وهي فكرة نشطت في الإعلام الغربي، ولكنها أكثر نشاطاً في الصحف الروسية. ولعل زيارة الرئيس فلاديمير بوتين الأخيرة لحضور مؤتمر قمة بلدان بحر الخزر وراء عودة تلك الفكرة أكثر نشاطاً وحيوية ولا أظن أن الفكرة صحيحة، ولكنها على كل حال تستحق الوقوف عندها. ولا أظن أن الدوائر السياسية في واشنطن تعير تلك الفكرة اهتماماً واضحاً، لأن أمريكا تعرف اليوم عن الوضع الروسي أكثر مما يتوقع الروس أنفسهم. وأمريكا ليست قلقة من إمكانية عودة محتملة للحرب الباردة.

كانت إيران وستظل تملك موقعاً إستراتيجياً في أية مواجهة أمريكية روسية. أو في أية حرب قد تشنها الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط وما فعله بوتين وما تحدث به لوسائل الإعلام إنما هو يحذو ما فعله سلفه جوزيف ستالين الذي زار إيران قبل ستين سنة وتزيد لقد اختار ستالين أن يعلن مواجهة باردة مع أمريكا والغرب ويعلن ذلك من إيران لكن حال الواقع يقول: ما أبعد الرجلين وإن تشابهت الظروف الجيوسياسية. روسيا الآن ليست الاتحاد السوفييتي وبوتين ليس ستالين والظرف التاريخي ليس هو الظرف التاريخي.

كان زعيم بريطانيا السمين تشرشل هو من أعلن بدء الحرب الباردة رسمياً بتاريخ 1945/3/5في محاضرة له في كلية ويستمنستر في ولاية ميسوري الأمريكية وكان يقف إلى جواره الرئيس الأمريكي ترومان لكن بوتين لا يملك المقومات المطلوبة لإعلان حرب باردة جديدة لقد تم الأمر للغرب وسيطروا سيطرة شبه كاملة على مجريات الأمور في منطقة شرق أوروبا، بل في داخل روسيا. ولم يعد لبوتين أو غيره من قوة أو منعة أو تأثير يستحق معه بداية حرب باردة، روسيا اليوم لا تشكل قطباً ذا بال في منظومة العالم ،وأزيد أن انهيار جدار برلين (الستار الحديدي) هو البداية الحقيقة لانهيار المشروع السوفييتي برمته وخرجت روسيا منذ عام 1990تلملم نفسها ولا زالت.

أعتقد أن بوتين يلعب لعبة بسيطة لا يمكن للشعب الروسي قبولها لا يمكن لروسيا وحلفائها الضعاف أن يشكلوا منظمة لحرب باردة الحرب الباردة تحتاج لمخصصات مالية عالية تصرف على السلاح وتطويره وهذه عقدة لا يمكن لبوتين من تجاوزها فأولاً روسيا لا تملك المال اللازم وثانياً تكون لدى الشعب الروسي مساحة من الديمقراطية لا يستطيع بوتين عن طريقها أن يقنع الشعب بشد البطون من أجل الصرف على سلاح جديد، أو تجديد السلاح القديم روسيا تعاني من مشكلات اقتصادية ومعيشية طاحنة أفكار وأحلام إمبراطيورية روسية واسعة وممتدة انتهى إلى غير رجعة وأصدقاء روسيا اليوم يعرفون أن روسيا ليست موثوقة بما فيه الكفاية، مهما تكن درجة العداء الذي يكنونه لأمريكا.

الحزب الحاكم في واشنطن يرتكب أخطاء فادحة تجاه روسيا وربما من يتعاطف معها في المنطقة وربما من يكره أمريكا في المنطقة وقمة دول بحر الخزر الأخيرة عنوان بارز في هذا الحلف الهش . أخطاء واشنطن قد تقود إلى تقوية الحلف الهش ولكنها لن تقود إلى حرب باردة .ما أخطاء واشنطن الأخيرة التي تعتبرها موسكو تهديداً مباشراً لها بل تعدها في بعض الأحيان إعلان حرب هي:

غزت واشنطن العراق وتخطط للبقاء فيه مدة طويلة غزت واشنطن أفغانستان وتخطط للبقاء فيه مدة طويلة تخطط واشنطن بجدية لضرب إيران وقد تسقط الحكومة الإسلامية وتقيم حكومة موالية لها توجه أمريكا تحذيرات متتالية لتركيا الحليفة التاريخية لها مثل تمرير تصريحات رسمية بواسطة الكونجرس الأمريكي عن شأن تركي تاريخي بحت. طموحات أمريكية واسعة لبناء شبكة صاروخية في بولندا .كم فرغت واشنطن من بناء قاعدة عسكرية ضخمة في طاجيكستان .تم ضم جورجيا إلى شبكة الصداقة الأمريكية وتسعى واشنطن لضم أذريبجان.. تخطط واشنطن مع حلفائها الغربيين لنقل بترول بحر قزوين إلى السواق الغربية.

هذا بعض ما تقوم به واشنطن في الخارج الروسي أما ما تقوم به في داخل روسيا فأمر لا يمكن قبوله مثل: التغلغل في مؤسسات المجتمع المدني الروسية شراء بعض الشركات الروسية الكبرى. إشاعة ضربين من الفلسفة الرأسمالية ألحقت ضرراً بالغاً بروسيا وهما: تصفية القطاع العام ونشر ثقافة الديمقراطية على النمط الأمريكي لقد تسبب كل ذلك في بروز طبقة غنية جدا وبقاء معظم الشعب الروسي قريبا من خط الفقر إن لم يكن تحته. سيطرة الإعلام الأمريكي على الذهنية الروسية مما جعل فئات من الشعب الروسي لا تهتم كثيراً بعودة روسيا إلى سابق عهدها.

بوتين لا يستطيع أن يفعل كثيراً صحيح أنه جاء من ثقافة سوفييتية سابقة وجاء من دائرة المخابرات لكنه مكبل في لقاء جمع بين بوش وبوين في مزرعة الأول وذلك بعد هجمات 11(سبتمبر) قال بوش: أنا أثق ببوتين لكن القضية لم تكن الثقة القضية أن بوتين ليس بوسعه الوقوف في وجه بوش لنرى بعض الحالات التي عارضت موسكو واشنطن ولكنها لم تفعل شيئاً.

عارضت موسكو غزو العراق وعارضت فكرة نشر الديمقراطية في العراق أو في الشرق الأوسط بقوة السلاح وهما عذران أمريكيان لتبرير الحرب في المنطقة بعد أن سقط عذر حيازة العراق لسلاح دمار شامل ،عارضت روسيا تنامي الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط وعارضت فكرة غزو سورية صديقتها وحليفتها التاريخية وتعارض فكرة ضرب إيران التي تشكل لها قلقاً تاريخياً مستمراً وعارضت موسكو أطماع واشنطن في بلدان مطلة على بحر الخزر، وهي بلدان مجاورة لها وتعدها من مناطق نفوذها أعلن بوش أكثر من مرة أن من أهدافه حماية الديمقراطية في روسيا وهذا تدخل سافر وتهديد محتمل لروسيا بجانب ملف حقوق الإنسان الذي ترفعه واشنطن في وجه موسكو.

ماذا فعلت موسكو تجاه الأخطاء الأمريكية لا شيء يستحق الذكر سوى أمرين: الأول ألغت روسيا اتفاقية سابقة مع واشنطن تهدف إلى التخلص من منظومة الصواريخ المضادة والثاني سافر بوتين إلى إيران وأعلن أنه لن يسمح بأن تتعرض بلدان بحر قزوين إلى غزو خارجي في إشارة إلى معارضته لضرب إيران المحتمل من قبل واشنطن هذا لا يكفي طبعاً أمريكا تعرف أن روسيا لن تعمل أو حتى تقف ضد قرار عسكري أمريكي لضرب إيران، مثلما أنها لم تقف ضد غزو أفغانستان والعراق الأولى مجاورة لها والثانية حليفتها التاريخية.

ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي لم تستطع روسيا أن تقف في موقف مساند لأي صديق أو حليف هي خذلتهم الواحد بعد الآخر ، روسيا الآن لا تستطيع أن تكون نداً لأمريكا ولا تملك المقومات لبدء حرب باردة مع أمريكا أو الغرب والتاريخ لا يكرر نفسه بهذه الصورة وأقولها بصراحة على إيران أن تستمع إلى أصوات العقلاء من شعبها مثل: رفسنجاني وخاتمي ولاريجاني، وتصرف النظر عن تصريحات بوتين فموسكو تريد من تصريحاتها الأخيرة حلحلة قضايا تخصها مع أمريكا لا نصرة جار أو حليف وإن لم تفعل إيران ستجد نفسها في موقف لا تحسد عليه وقد يتكرر سيناريو العراق ولو بصورة مختلفة قد تقود أمريكا ضربات جوية موجعة تضع إيران في زمن مختلف. وربما تقود ضربات أمريكية موجعة إلى ثورة إيرانية شعبية تطيح بالحكومة الإسلامية لكن ضربة أمريكية محتملة لن تجلب روسيا إلى حلبة الصراع ولن تجعل الشارع الإيراني أو الإسلامي يقف مع طهران كما تتخيل الحكومة الحالية في طهران.

لن تعود الحرب الباردة ، ولن تجد إيران خيارات متاحة تنفذ واشنطن تهديداتها وخططها .تستطيع إيران أن تفعل الشيء نفسه الذي فعلته كوريا الشمالية وتجنب نفسها والمنطقة متاعب لا قبل بالجميع على تبعاتها. والله أعلم.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    لا أعتقد أن بوتين يبحث عن حرب باردة، الصحيح بوتين يريد أن يجنب شعبه تبعة حرب اقتصادية مخفية أعلنت على شعبه من قبل عهد البروستريكا، وازدادت ضراوة في عهد يلتسين الذي قام فعلياً بتسليم موارد روسيا الاقتصادية الضخمة لشركات عملاقة غربية مشبوهة والتي بدأت بمد أذرع أخطبوطية وإجرامية ساهمت في تجويع الشعب الروسي وإفقاره، أما بوتين فقد قام بالتخلص من اغلب الشركات المشبوهة ومقاضاتها وتغريمها واجبرها على دفع ماسرقته من أموال، والمبالغ كانت خيالية، لقد سعت الشركات الغربية مدعومة من قبل السياسين الغربيين ( وربما يكون العكس أصح) إلى شراء الضمائر على مستويات عليا في السلطات التنفيذية الروسية، ويعلم المتابع البسيط للأمور الروسية أعداد كبار الموظفين الذين تم تجريمهم في روسيا، الوضع يكاد يكون مفروضاً على بوتين، غما الفقر والجوع لشعبه والذي يملك اكبر موارد اقتصادية في العالم وإما استحقاق مايجب استحقاقه.ز في ايام الرئيس يلتسين كانت رواتب الموظفين مهزلة كبرى... بضع دولارات فقط.. أم الآن.. فإن اقل راتب يدفع لسكرتيرة مبتدئة في موسكو فهو 350 دولار.. لدى الشركات الصغيرة.ز أما مجمل الرواتب فهي 700 - 3000 دولار، مع العلم ان قيمة آجار الشقة ( غرفة واحدة في الحزام الثالث) يعادل 500 دولار..
    إضافة لهذا تقوم اليوم الشركات الوطنية الروسية بتعهدات ضخمة في البلدان العربية، ففي سوريا تبلغ قيمة المشاريع المعهدة للشركات الروسية أكثر من ملياري دولار. بدون ذكر المفاوضات التي تجريها حاليا شركة فوس أغرو لبناء معامل أسمدة كيماوية في سوريا بقيمة مليار دولار..
    بات الغرب يخشى بوتين، ويخشى التقدم الروسي الاقتصادي الذي حققته إدارته.. فمن الطبيعي أن يلعب الغرب على نغمة الحرب الباردة... مع ملاحظة أن تصدي الروس للمشاريع الأمريكية يأتي دوماً من وجهة نظر قانونية دولية قبل ان يكون للروس مصلحة أقتصادية حصرية فيها.. على عكس الأمريكيين، الذين إذا فقدوا المصلحة الاقتصادية في بلد، انقلبوا عليه سياسياً. أو استعملوا السياسة ليحصلوا منه على مكاسب اقتصادية.. الحرب أولا هي اقتصادية.أم تراكم قد نسيتوا أن أحد رجالات أمريكا قد صرح ذات مرة منذ أعوام قليلة بأنه ليس لروسيا الحق في التمتع بثروات سيبيريا لوحدها، وأن عليها أن تشارك العالم في ثرواتها.. فهل بعد هذا من وقاحة أمريكية؟؟

    نزار بقجه جي - زائر

    07:20 مساءً 2007/10/25



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة