الرئيسية > مقالات اليوم

مكة المكرمة في حلم عميق ( 2- 2)


د. أحمد بن محمد العيسى

تمت الاستفادة من كافة المباني المحيطة بالحرم، حيث خصص معظمها كنزل وسكن لضيوف الحرم المكي وبأسعار متفاوتة يحصل فيها كل زائر على رغبته ووفق مستوى معيشته، فقد تم تحويل تلك الأبنية التاريخية القديمة إلى نزل مفروشة وراقية وأعيد بناء الأزقة والممرات وتمت إضاءتها ورصفها بشكل جميل

؟ في اليوم الثاني لزيارتنا لمكة المكرمة كان مشوار الصلاة إلى الحرم سهلاً وميسوراً حيث قال لنا الموظف الأنيق في الاستقبال بأن علينا أن نحرص على الصلاة في المصليات الجميلة المحيطة بالمسجد الحرام، لقربها من السكن وللبعد عما قد يضايق المعتمرين داخل الحرم الشريف. وأشار إلى أهمية اصطحاب الأطفال إلى المصليات وتعليمهم احترام الصلاة والمكان وعدم تركهم في الفندق أو الساحات المحيطة بالحرم لما قد يحدثونه من إزعاج ومضايقة للمصلين والمعتمرين. حرصنا على الصلاة في أقرب مصلى من تلك المصليات وكانت تحيط بنا الأشجار من كل جانب فلم نكن نشعر بحركة المشاة في تلك الممرات التي تؤدي إلى داخل الحرم، وفيما عدا الأذان والإقامة كانت مكبرات الصوت تسمع فقط في تلك المصليات وفي داخل الحرم المكي الشريف وكان صوت الإمام في الصلوات الجهرية وهدوء المكان وتنظيمه جعل المسلم أكثر خشوعاً عندما يقف بين يدي الله فلا أحد يقطع صلاته ولا ضوضاء تنبعث في كل اتجاه.

بعد صلاة التراويح مباشرة كان موعدنا مع رحلة سياحية في أرجاء مكة المكرمة، كنا نتشوق لمعرفة تاريخ هذه المدينة ومعالمها التي حظيت باهتمام المؤمنين والموحدين منذ بناء الكعبة المشرفة على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى يومنا. ولهذا حرصنا على أن نستفيد من وقتنا في زيارة البلد العتيق ونكمل الفائدة الدينية المتمثلة في العمرة والصلاة في المسجد الحرام بفائدة دنيوية قوامها الاستمتاع بالمعرفة والعلم بالتاريخ والثقافة بأهم مدينة سياحية على وجه البسيطة. كانت تذاكر الرحلة السياحية قد وصلت إلى مكتب الرحلات من الفندق وعند مجمع تنظيم الرحلات السياحية كان الموظف ينتظرنا ليدلنا على العربة المخصصة لنا ولعشرات من الزائرين.

صعدنا إلى العربة السياحية التي تقل حوالي خمسين راكباً فانطلقت بنا في موعدها المحدد تسير ببطء من خلال خط مرسوم ومخصص للعربات السياحية، وما أن تحركت حتى بدأ المذياع الداخلي في العربة بصوت رخيم ومؤثر يقدم تاريخاً مختصراً للسيرة النبوية الشريفة منذ مولده صلى الله عليه وسلم إلى هجرته إلى المدينة المنورة، فمثلت لنا درساً عميقاً في السيرة، حيث كان السرد يتوقف عند كل معلم تاريخي نصل إليه ليعلن لنا بعد وقفة قصيرة أن هذا المكان ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهذه دار الأرقم بن أبي الأرقم البيت الذي كان يجتمع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهذه كانت دار أبي طالب عم النبي الذي آواه ونصره بعد البعثة، وهذه دار أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وتلك دار أبي سفيان التي جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح مكاناً آمناً، وتلك دار الندوة حيث كان يجتمع زعماء قريش ليتدبروا إدارة البلاد وأمور القبيلة وشؤون الحرم والحج وأحلاف القبيلة مع القبائل الأخرى. كانت تلك البيوتات قد أعيد بناؤها وفق مخيلة معماريين موهوبين قرؤوا التاريخ وفنون العمارة القديمة وأحوال السكان في ذلك الزمان. وكان تنظيم الرحلات السياحية يقضي بأن يبقى الزائرون في عرباتهم ولا ينزلون منها حيث وضعت اللوحات الإرشادية تؤكد على أهمية احترام تلك الأماكن مع منع كل مظاهر التبرك بها أو تقديسها.

طافت بنا تلك الرحلة السياحية أماكن كثيرة في حدود الحرم واستغرقت حوالي ساعتين من المتعة والمعرفة. وحلقت بنا في جنبات الزمان والتاريخ، وفي إحدى مراحل الرحلة السياحية دخلنا إلى متحف الحرم المكي الشريف الذي وجدنا فيه شرحاً وافياً عن عمارة المسجد الحرام بالصورة والمجسمات عبر التاريخ إلى يومنا هذا مع شرح لفنون العمارة وتفاصيل البناء.

ونحن في طريق العودة بالعربة السياحية عاد المرشد السياحي الإلكتروني ليشرح لنا أن عملية إعادة بناء مكة المكرمة وتنظيمها استغرق حوالي عشر سنين من العمل الجاد والمنظم بإشراف خادم الحرمين الشريفين على كل تفاصيل المشروع. وقال: "كما ترون أن المنطقة المركزية للحرم وضعت الكعبة المشرفة في نقطة الوسط ثم رسمت دائرة حول تلك النقطة بمسافة خمسة كيلومترات من كل اتجاه حيث تم منع كافة السيارات من دخول تلك المنطقة، وأنشئت خمس محطات للنقل العام خارج حدود مكة المكرمة بها كافة الخدمات ومن ذلك مواقف للسيارات مظللة وامينة للقادمين إلى مكة بطريق البر، والحركة الوحيدة المتوفرة للنقل في المنطقة المحيطة بالحرم هي القطارات الأرضية أو العربات الصغيرة كعربتنا السياحية هذه أو الممرات التي تسير آلياً بالناس.

وكما ترون لقد أعيد الاعتبار للشعيرة الدينية في هذه البقاع المقدسة واعطيت الأولوية لتنظيم حركة الحجاج والمعتمرين والمصلين ووضع نظام دقيق لحركة ضيوف بيت الله الحرام منذ وصولهم عبر السيارات أو السفن إلى ميناء جدة أو عبر الطائرات في مطاري مكة المكرمة وجدة. ولذلك منعت كافة أنواع التجارة والبيع والشراء والمطاعم والمقاهي في منطقة الحرم.

حيث نقلت الحركة التجارية بكل تلك الخدمات إلى خارج منطقة الحرم من خلال إنشاء أربعة مراكز تجارية ضخمة في الجهات الأربع للمدينة المقدسة، يصلها الناس عبر القطارات في رحلات لا تستغرق أكثر من عشر دقائق من الحرم، وقد تم تصميم تلك المراكز التجارية لتعكس عراقة الحضارة العربية الإسلامية وتنوعها فهناك مركز تجاري على نموذج الأسواق الحجازية والشامية القديمة، وهناك مركز تجاري على نموذج الأسواق التركية القديمة، وهناك مركز تجاري على نموذج الأسواق الفارسية والعراقية القديمة، وهناك مركز تجاري على النموذج الأندلسي والمغاربي العريق. ويوجد في تلك المراكز المطاعم والمقاهي وصالات لألعاب الأطفال، وكل ما تحتاجه الأسرة ويحتاجه ضيوف بيت الله في مقامهم أو أثناء عودتهم لبلادهم. وقد نشأت بجانب تلك الأسواق مصانع محلية تصنع التحف والهدايا والملابس والأحذية التي تعكس تراث المنطقة والمناطق الإسلامية الأخرى وتمثل مورداً اقتصادياً هاماً لأبناء مكة المكرمة والمدن المجاورة لها.

وكما ترون فقد تمت الاستفادة من كافة المباني المحيطة بالحرم، حيث خصص معظمها كنزل وسكن لضيوف الحرم المكي وبأسعار متفاوتة يحصل فيها كل زائر على رغبته ووفق مستوى معيشته، فقد تم تحويل تلك الأبنية التاريخية القديمة إلى نزل مفروشة وراقية وأعيد بناء الأزقة والممرات وتمت إضاءتها ورصفها بشكل جميل، وقامت المؤسسات الخيرية باستثمار بعض الأبنية وأعادت تأثيثها وتؤجرها بأسعار زهيدة للفقراء والمساكين ولأولئك الذين يرغبون في سكن مؤقت لسويعات قليلة لزيارة البيت الحرام. وساهمت المؤسسات الاستثمارية الكبيرة التي تمتلك الفنادق والشقق المفروشة بجزء كبير من أرباحها في عملية التشغيل والصيانة للمرافق المحيطة بالحرم حيث تم تأسيس صندوق ضخم يقوم بتمويل كل أعمال التحسينات والتطوير في محيط الحرم المكي والمناطق المجاورة له.

عدنا إلى الفندق عند منتصف الليل تقريباً، وبعد أن أمضينا وقتاً لترتيب أمتعتنا لرحلة العودة من تلك البقاع المقدسة في صباح اليوم التالي، وجدنا بطاقات صعود الطائرة قد وضعت في مظروف خاص ووضعت في غرفة الفندق مع رسالة تفيد بأن رحلة الطائرة من مطار مكة المكرمة إلى الرياض ستتأخر لمدة عشر دقائق، وأنه من الأفضل لنا أن نأخذ قطار الساعة العاشرة صباحاً حيث ستستقبلنا عربة تنقلنا من محطة القطار إلى بوابة الطائرة مباشرة، وأن علينا ترك أمتعتنا قبل ساعة من الإقلاع في بهو الفندق حيث سيتم شحنها مباشرة من الفندق إلى المطار.

قالت ابنتي عندما تفقدت عدد بطاقات صعود الطائرة، هل سنركب يا بابا بالدرجة الأولى أما بالسياحية، قلت لها: ألا تعلمين أن جميع الطائرات التي تنزل في مطار مكة المكرمة لا تحمل سوى درجة واحدة لجميع المسافرين، وأن القطارات والصالات لا تحمل سوى درجة واحدة هي الأفضل لكافة المسافرين، وفيما عدا الفنادق فإن الخدمات العامة تقدم للجميع بنفس المستوى لأن للمسلمين الحقوق نفسها في العبادة والحقوق نفسها في أم القرى، هذه البلاد التي أعزها الله منذ فجر التاريخ وجعلها حرماً آمناً يجبى إليه الثمرات من كل مكان فرزقها عباداً يقدرون قيمتها ويمنحونها الاحتفاء الذي تستحقه والاهتمام الذي تنشده والتميز الذي يجعلها تختلف عن بقية القرى في أنحاء المعمورة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    فعلا أحلام أستاذي...
    لا نريدها كلها ولا حتى نصفها نريد ما يتمكن المسؤولون منه بلا عشوائية كما هو حاصل

    أبو سهل - زائر

    06:44 صباحاً 2007/10/08


  • 2
    عمره مقبوله يادكتور
    عيشتنا في احلام معاك
    الله يسامحك الحين كيف بشيل هالصوره من بالي كل مااروح لمكه بنصدم بعد احلامك الورديه
    اعتقد ان وجودك داخل مباني الكليه الفاخره اثر عليك شوي

    عبدالعزيز - زائر

    01:11 مساءً 2007/10/08


  • 3
    مقالات رائعة وإن كانت بعيدة المنال والذي لايمكن حدوثة إلا في مدن الاحلام. نأمل أن يتحقق ذلك.والحقيقة أن خادم الحرمين الشريفين وفقه الله لاتغيب عن ذهنه مثل هذه التطلعات.

    ابوعبدالعزيز - زائر

    01:14 مساءً 2007/10/08


  • 4
    ماكل مايتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لاتشتهي السفن
    ربما ماحلمت به يتحقق عام2200م اتمنى ذلك.

    ابومحمد - زائر

    04:09 مساءً 2007/10/08


  • 5
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    اخي الكاتب احمد
    شكرا لك
    حكومه الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظها الله ورعاها
    قدمت للمسلمين اشياء اكبر من ذلك
    فهناك المصاحف متعددة اللغات
    وهناك العساكر بكل مكان ينظمون الصفوف مع وجود الكشافة ( كعمل متطوع )
    وهناك ماء زمزم ياتي باردا ليسقي افواه المصلين والمعتمرين
    وهناك اللوحات الإرشادية
    وهناك كتيبات ( تحكي قصص مكه المكرمه )
    وهناك كتيبات ( تحكي قصص المدينة المنورة )
    وهناك كتيبات ( تحكي عما تفعله في العمره ومايستحب فيها )
    واول ماتاتي إلى مكه المكرمه ستقف في مواقف وياخذك التاكسي إلى مكه تمام عند الباب سترى جموع المسلمين في مكه فهذا يصلي وهذا يؤدي مناسك العمره وهذا يدعو وهذا يوزع الرطب ( التمر ) لاخوانه
    هذا ماشاهدته بام عيني حينما ذهبت لمكة المكرمة
    اضف إلى ذلك :-
    توسيع الجمرات + وتوسيع الصفا والمروه
    كلها كلفت ملايين وملايين
    اما بخصوص كلامك
    جميع مواطن يطمح لهذا الشي بالاخير طبعا
    ولكن دولتنا حفظها الله ورعاها لاتتطلع إلا لراحة المسلم اولا واخيرا وهذا المهم
    وبكل امانه ووضوح
    من يريد ان يتعرف على الاثار الإسلامية
    فهناك التكاسي وهناك الباصات ولكن ياترى هل صحيح يريد ان يتعرف على الاثار الإسلامية ومشتاق لها !!
    ام فقط كلام !!؟
    تحياتي

    إبراهيم المحمدي - زائر

    04:36 مساءً 2007/10/08


  • 6
    خيال خصب من الكاتب حبذا لو يرسم كلوحة وخارطة فربما امكن تحقيقة لان جميع الاعمال الجبارة في هذا الكون كانت احلام
    وليس هناك شئ مستحيل جميع ماذكرت من الممكن ان توضع لة خطط قصيرة وطويلة الاجل وتتكاتف الجهود ورؤوس الاموال على تحقيقة. لاان تتكاتف رؤوس الاموال على تحقيق المكاسب الشخصية والارباح الدنيوية، ان مايصرف من اموال على مدينة مكة لهو شئ خيالي بلاضافة الى انها مدين غنية منذ ان خلق الله البشرية ولكن من يرى وضع مكة ومبانيها كانها مدينة خرجت من حرب اهلية. الان وبعد بناء الابراج السكنية المحيطة بالحرم اصبحت مدينة طاردة بدلا من ان تكون مدينة جذب ديني خصوصا لمن لايملك المال ليسكن في هذة الابرج..من المفروض ان تحدد الاسعار وان تكون بمتناول المسلمين على مختلف شرائحهم المادية.

    مضاوي سليمان - زائر

    05:08 مساءً 2007/10/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة