أحمد الناصر شاعر معروف غني عن التعريف به ، له قصائد عديدة سواء في النظم وفي أغراض عدة أو في الرد والقلطة .ولعلي هنا أقتطع من الكم الكبير من قصائده واحدة من روائع ما قال وفي القصيدة هذه من الوضوح ما يغني عن مزيد من التعليق ولعلي أعرج على صورة أو اثنتين تستوقف المطلع وإن كانت القصيدة كلها تستحق أن نتوقف عند معظمها ، لكن حتى لا يطول الموضوع نكتفي بالقليل من التعليق.
يقول الشاعر :
الا يالله بنو الخير لا تجزا حمام ناح
يزيد الهم بأصواته و روحاته وجياته
يذكرني زمان قد مضى كله طرب وأفراح
زمان العام و الا اليوم لا وده و لا هاته
والا واعزتي للي جزت عينه وسده باح
ولا يبغى العرب يدرون باسراره وغاياته
ولا تقضي هواجيسه و لا يقعد و لا يرتاح
تغير وانشتغل فكره و هي ما هي بعاداته
على اللي تل قلبي من عروقه في يديه وراح
طلع درب مثل طلعة كرى صعبه ملفاته
توافقنا على بير طويل مثل بير رماح
وانا فيه اتفرج لين غلق كل حاجاته
و انا عودت يم البير مثل اللي يويق و طاح
تكسر به ثمان ضلوع و ذراعه و تركاته
و ربعه ما لقوا حبل طويل و لا بهم سباح
وهو في قاعة البير الطويل يجر وناته
هذاك الحين أوادم ما تشكك و القلوب صحاح
وتالِ الوقت كل شانت ظنونه و نياته
فأحمد الناصر لا يكتفي بصورة واحدة لمعنى بل يسترسل في سرد عدد من الصور لتبيان معنى يبالغ فيه حتى لا يبقى للمتلقي مجال يتمنى لو أن الشاعر ذكره. لدى الشاعر هنا خيال واسع استطاع من خلاله أن يعدد فيه تشبيه حاله بعدة مواقف وكلها ضرب من المعاناة ، وفي الوقت نفسه لم يجعل معاناته مكشوفة أو مباشرة لقارئ القصيدة وسامعها.
ليست قوة القصيدة في أوزانها وجزالة ألفاظها فحسب بل في ارتقاء الشاعر بالكلمات والمعاني بحيث ينتقي مواقف تبدو مكررة في الحياة الاجتماعية هي عادة مصدر المعاناة لكنه هنا يوظفها لتقريب الأحاسيس التي يريد البوح بها من خلال تلك المعاني.
لنقرأ هذا البيت :
على اللي تل قلبي من عروقه في يديه وراح
طلع درب مثل طلعة كرى صعبه ملفاته
ونلاحظ التشبيه من حيث الصعوبة والصعود والحيرة وعدم الوصول إلى نهاية ، والأخذ من الحاضر الطبيعي شبيه للمعاناة المعنوية الغائبة عن المشهد .كذلك في هذين البيتين التاليين أيضا لا تقل تشبيها و توفيقا في رسم الإحساس بصورة المحسوس وطبع الصورة في ثنايا الكلمات التي تجسد المشهد وهو في كل ذلك لا يبتعد عن طبيعة المجتمع وما يدور فيه من حياة طبيعية ، كما يستمد من قاموسه عباراته:
و انا عودت يم البير مثل اللي يويق و طاح
تكسر به ثمان ضلوع و ذراعه و تركاته
و ربعه ما لقوا حبل طويل و لا بهم سباح
وهو في قاعة البير الطويل يجر وناته
ولنقرأ أيضا البيت الذي يعطينا صورة كاملة لسلامة الأمس ومقارنته باليوم ، وكيف أنه يريد أن يستجلب من الذاكرة طبيعة الأمس وكيف كانت حيث البساطة والنوايا الحسنة ، بل وأن قصيدته تحمل أيضا النوايا الطيبة والأهداف العالية النظيفة .
هذاك الحين أوادم ما تشكك و القلوب صحاح
وتالِ الوقت كل شانت ظنونه و نياته
لقد اختصر الشاعر كلمات وشرح طويل وركزها في أجود معاني للشعر ضمنها تلك القصيدة التي بحق ترقى لمستوى رفيع من حيث الجودة والسبك واكتمال المعنى فهي بحق تستحق أن نقول عنها بأنها قصيدة رائعة.