
في هذا الزمن المتطور والمتجدد ومع انتشار الكاميرات الرقمية الصغيرة والتصوير الرقمي داخل الهاتف المتنقل وحتى أجهزة الكمبيوتر الشخصي، نتساءل عن التصوير الفوتوغرافي كيف كانت بدايته؟، ومن وراء وجود هذه التقنية التي غيرت وجه التاريخ وساهمت في تطوير وتنمية مختلف مجالات الحياة كونها ساهمت في خدمة البشرية.
وهنا يجدر بنا السؤال كيف استطاع رسام مغمور حط رحاله في مدينة باريس قادما من بلدة (كوربي) الصغيرة ان يغير بعد سنوات وجه العصر! بل ان يواجه التحديات والنقد من الصحافة المعاصرة له! أنه "لويس داجير" والذي ظل طوال سنوات حياته يرسم الطبيعة والريف الفرنسي ويتجول هنا وهناك لينقل من خلال خطوطه والوانه جوانب من الحياة المحيطة به كأن هناك شيئا ما يشغله ودائما يفكر فيه وكيفية الوصول الى كنهه وكيف يستطيع ان ينقل ما يشاهده بدون أن يرسمه، ونظرا لوجوده في العصر التاسع عشر وما حواه من تقدم وتطور في العديد من مجالات الحياة خصوصا في مجالات الابتكار والبحث، راح "داجير" يتساءل اليس هناك طريقة تنقل جمال الطبيعة نقلا دقيقا غير الفرشاة!، وصادف أن حضر "داجير" معرضا كان يعتبر جديدا ومبتكرا حيث قام الفنان بعرض لوحاته (بانوراميا) لجمال الطبيعة وقد عمد الفنان الذي رسم اللوحات بوصلها بعضها ببعض حتى اصبحت شريطا طويلا لفه حول اسطوانة اخرى وجعل بين الاسطوانتين بعدا يسمح بظهور لوحة واحدة، ثم راح الفنان يجذب الشريط من الاسطوانه التي لف حولها اللوحات من جديد حول الاسطوانة الاخرى وفي كل جذبة تتاح رؤية لوحة واحدة، وأعجب "داجير" بالفكرة واتجه تفكيره الى ادخال تعديل جديد عليه وانتهى بمعاونة زميله الفنان "بوتون" الى ابتكار (الديوراما) وهي عبارة عن لوحة تمثل منظرا طبيعيا رسوما على جانبي اللوحة بحيث تستطيع ان تنظر خلالها حتى يتصور لك انها لوحة ذات ابعاد ثلاثة.
وترجع محاولات داجير للاهتداء الى تقنية التصويرالفوتغرافي الى اهتمامه الشديد بالضوء وقد قدر انه اذا كان الضوء يوجه الى اللوحة المرسومة ليضفي على الرسم اشراقا، لعل الضوء يمكن أن يوجه او يستخدم لرسم صورة.
وشرع في تجربة هذه الفكرة وأيقن أن ثمة شيئين لابد منهما لاجراء التجربة الاول سطح مستو كلوح من المعدن مثلا يغطى بمادة كيميائية حساسة للضوء توضع داخل صندوق مقفل من جميع جوانبه الا من فتحة صغيرة يدخل من خلالها الضوء "الفكرة الاولى لتقنية الكاميرا"، والثاني مادة كيميائية اخرى يوضع بها اللوح المعدني بعد اخراجه من "الكاميرا"، وهكذا راح "داجير" يجري تجاربه ويخفق في العديد منها وبعد شهور من التجارب الفاشلة استطاع التقاط صورة غير واضحة المعالم على لوح من الفضة معالج ببخار اليود.
وكان لويس داجير يبتاع الالواح المعدنية والصناديق المعدنية التي يستخدمها في تجاربه من رجل يصنع النظارات يدعى "شيفاليه" الذي اشار عليه بان يتصل بفنان اخر من عملائه يجرب استخدام الشمس في التصوير هو "جوزيف نيبس"، وقام داجير على الفور بكتابة خطاب لجوزيف شرح فيها فكرته وتجاربه وسرعان ما تعارفا وتوطدت بينهما علاقة كبيرة كان لها اثر كبير في الاهتداء الى تقنية التصوير الفوتوغرافي وكان "نيبس" قد تقدم على "داجير" في تجاربه خطوة باهتدائه الى طريقة للتثبيت وكانت باستخدام الواح معدنية مغطاة بطبقة من مادة "البيتومين" فاذا انطبعت الصورة على اللوح أخرجه ووضعه في زيت عطري من خصائصه أن يذيب مادة "البيتومين" من اجزاء اللوح التي لم تتعرض للشمس وتبقى الاجزاء التي عرضت للشمس أي الصورة ولبث الصديقان يجريان التجارب ويبذلان المحاولات مدة اربع سنوات توفي في نهايتها "نيس" وترك "داجير" محتاراً امام معضلة معقدة هي انه لم يكن يحصل ابدا على صورة واضحة مهما يطل فترة تعريض اللوح المعدني لها، وذات يوم وبعد سلسلة من التجارب والمحاولات الفاشلة ايضا اخرج اللوح المعدني من الكاميرا بعد تعريضه فترة وجيزة فلم يجد عليه صورة اطلاقا، وأصبح في ضيق شديد فألقى اللوح في دولاب حتى يعيد طلاءه بالمادة الحساسة، وفي اليوم التالي اخرج اللوح ودهش حين وجد عليه صورة واضحة جدا، وعمد الى المواد الكيماوية الموجودة بالدولاب بفحصها لعله يكتشف السر، ولكن عبثا وفي ذلك اليوم عرض لوحا آخر فترة وجيزة واخرجه وليس عليه اية صورة والقى به في الدولاب وفي اليوم التالي وجد عليه صورة واضحة أيضا ومرة اخرى راح يفحص المواد الكيماوية الموجودة في الدولاب ولفت نظره في هذه المرة طبق صغير به شيء من الزئبق كان قد اهمله في ركن من الدولاب، واخرج عندئذ من الكاميرا لوحا ورفعه فوق طبق الزئبق فاذا الصورة تتضح رويدا وانكشف له السر: "ان اجزاء اللوح المعرضة للضوء قد اتضحت عندما امتصت الزئبق"، ولكن هذا الاكتشاف الذي اهتدى اليه "داجير" لم يكن كافيا فهو لم يسفر الا عن صورة مؤقتة لابد ان يحتفظ بها دائما في الظلام وظلت المشكلة قائمة "كيف يعالج اللوح بحيث ترتسم عليه الصورة ثابتة دائمة لا تمحى اذا ما اخرجت الى النور؟".
وبعد محاولات وتجارب اخرى اهتدى "داجير" الى الاجابة على السؤال اخيرا عندما وقع على مادة "هايبو سلفات الصوديوم"، اذ وجد في هذه المادة وسيلة فعالة لمحو الاجزاء المعرضة للضوء من اللوح بحيث تبقى وحدها واضحة تماما وكانت تلك هي الخطوة الاولى النهائية في اكتشاف "تقنية التصوير الفوتوغرافي" والذي يعرف باسم "داجير بوتيب" وهو ليس التصوير الفوتوغرافي الحديث الذي يقوم على انطباع الصورة على ورق حساس بطريقة معينة حيث كان العالم الانجليزي (فوكس تاليوت) أول من ابتكرها اما تقنية داجير فهي طبع الصورة على لوح معدني، والمثير ان ابتكار داجير قد احدث دويا عندما اعلنه على الملأ وحين عرض أول مجموعة من صوره في قصر "مازران" عام 1839م حيث تدافع الناس لمشاهدتها وداسوا بعضهم بعضا!، والعجيب ان البعض قد اختلف حول هذه المعجزة ووصفتها احدى الصحف "ليبزج" بانها منافية للدين اذ كتبت تقول "لقد خلق الله الانسان على صورته فلا يصح أن يسجن داخل صندوق أسود مظلم".
1
مقال جميل ,, وقصه جميله
شكرا لك اخت اسماء على هذا التقرير الرائع
ياسر سعد - زائر
05:11 صباحاً 2007/10/01
2
شكراً على هذا التقرير يأ خت أسماء، كنت فعلاً أحتاج إلى معلومة حول بداية التصوير الفوتوغرافي.
musaadalhinti - زائر
06:42 صباحاً 2007/10/01
3
أشكرك يا أستاذة أسماء على المعلومات القيمه
العالم مليئ بالشخصيات الذين غيروا وجه التاريخ
فاسحاق نيوتن اكتشف قانون الجاذبيه واجاب للسؤال المحير لماذا تسقط الاشياء
من الاعلى الى الاسفل وبدأ اهتمامه لهذه النقطه بالصدفه
وكذلك العالم الامريكي صاحب اكثر من ألف اختراع الذي أذهل العالم باختراعاته
من الكهرباء والأضاءه ومشاركته في اختراع السينما ( توماس أديسون)
وجرهام بل أبو الاتصالات
وغيرهم الكثير
رحم الله من غيروا وجه التاريخ
يعرب - زائر
12:23 مساءً 2007/10/01
4
كلام جميل ومعلومات قيمة.. ولكن لا ننسى أن أول من اكتشف أساسيات فكرة التصوير هو العالم المسلم الحسن بن الهيثم الذي أسس علم البصريات و فسر انكسار الضوء و انعكاسه وأطلق عليها اسم نظرية "القمرة" و منها جاءت كلمة كاميرا Camera التي نستخدمها اليوم دون أن نعرف أن أصلها عربي !!
وحتى يتضح فضل السبق لعلمائنا نوضح التسلسل التاريخي :
- بدأت فكره التصوير الضوئي عند رؤية صوره مقلوبة على لوح أو جدار عن طريق مرور الضوء من خلال ثقب ضيق في سقف أو جدار حجرة مظلمة نوعا ما.
- العالم العربي أبو الحسين بن الهيثم وصف هذه الظاهر في القرن الحادي عشر للميلاد.
- بدأت الفكرة تطبق فعليا في القرن السادس عشر للميلاد حيث عرفت ( القمره المظلمة ) وهي عبارة عن حجره مظلمة يدخل إليها الضوء عبر ثقب موجود على السقف أو إحدى الجدران وتكون الصورة مقلوبة في الجهة المقابلة للثقب أو الفتحة.
- كان الفنانون يستغلون القمره المظلمة في إسقاط صور المناظر ومن بينهم الفنان ليونارد دفينشي.
- الفنان لويس داغير استعمل لوح من الفضة وبخار الزئبق ثم استعمل ثيوسولفات الصوديوم وهي المبادئ الأولية لعمليه التصوير الفوتوغرافي.
- الغرفة المظلمة صغرت حجمها وأصبحت آله التصوير وفي القرن السادس عشر وضعت العدسة أمامها واكتشفت فتحه العدسة مما سهل عمليه التصوير كثيرا.
- توالت التطورات في القرن السابع عشر وأدخلت تعديلات جوهرية في آله التصوير وبتصغير حجمها واستخدام أنواع مختلفة من العدسات المثبتة داخل اسطوانات نحاسيه بدل العدسات البسيطة واستعمل الزجاج المسنفر لاستقبال الصور.
- وبعد ذلك تم صنع أول كاميرا حقيقية في القرن التاسع عشر للميلاد وكانت أجزاؤها المعدنية من ماده الزنك ولها منفاخ مثل الاوكرديون، كما صنعت الكاميرا المعروفة باسم المنظور الكامل View Camera.
- في عام 1889 أنتج جورج ايستمان ( مؤسس مصانع كوداك ) الأفلام الملفوفة ومدعومة بنيترات السيليولوز مما أدى إلى تصغير حجم الكاميرا كثيرا وصنعت أول اله تصوير صغيره عام 1890 بواسطة شركه كوداك.
- استمر التطوير والتحسين للصناعات الألمانية ثم انتقلت إلى الصناعية اليابانية ولا تزال حتى الآن المنتج الأول لآلات التصوير والعدسات والأفلام.
أبو ريان - زائر
04:51 مساءً 2007/10/01
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة