الرئيسية > مقالات اليوم

مكة المكرمة في حلم عميق ( 1- 2)


د. أحمد بن محمد العيسى

دخلنا مباشرة الى الحرم من خلال جسور معلقة تسير آليا وتنقل المصلين والمعتمرين بطريقة منتظمة الى باحة الحرم الداخلية المخصصة بالكامل للطواف حول الكعبة المشرفة بعد ان سقف حوالي نصف الباحة الداخلية وخصصت للمصلين بعد نهاية الطواف، بينما منعت الصلوات داخل الباحة الداخلية للحرم

؟وصلت الطائرة إلى مطار مكة المكرمة الضخم والأنيق في موعدها المحدد، كانت حركة المسافرين تسير بانسيابية تامة لا ضجيج ولا صراخ ولا افتراش في صالات المطار، كانت اللوحات الالكترونية تعمل بانتظام وبصمت وكنت أبحث عن الممر الطويل الذي يوصلني إلى صالة قطار الانفاق الذي سينقلنا في عشرين دقيقة إلى الساحة الجميلة المحيطة بالحرم المكي الشريف، بحثت عن تذكرة القطار التي استلمتها من موظف شركة الطيران في الرياض، وبسبب تبديل ملابس الاحرام في الطائرة وضعت التذاكر في مكان ما، مما أمضيت وقتا لا بأس به وبعد أن وجدتها وجدت أن حركة عائلتي لا تعين على الوصول الى رصيف القطار في الموعد المحدد، قالت ابنتي الصغيرة لا ترهقنا يابابا بالسرعة في المشي فقد تركب واحد من هذه العربات المتحركة في المطار، ثم أن حركة القطارات لا تهدأ فهناك قطار إلى الحرم كل عشر دقائق، فلم الاستعجال؟!

كانت صالة المسافرين بمحطة القطار لا تختلف عن صالات السفر بالطائرات فالهدوء والديكورات الجميلة والإضاءات الطبيعية والأشجار تحيط بك من كل جانب، الموظفون يعملون بصمت وبإنسانية يحسدون عليها، وعندما وصلنا الى الرصيف كانت اللوحة الالكترونية تشير الى مواعيد رحلات القطار إلى المحطات السبع المحيطة بالحرم المكي وكانت أول رحلات القطار تبدأ بعد دقيقتين فقط، تفقدت رقم المحطة التي ستنقلنا الى أجياد حيث سأسكن في أحد فنادقها القريبة من ساحة الحرم، وقفنا في صفوف أمام الإشارات التي توضح مكان بوابات القطار وكان أمامنا حوالي سبعة أشخاص، فانتظرنا خروج المسافرين من القطار ثم دلفنا جميعنا خلال دقيقة واحدة الى عربة القطار لأن الوقت من ذهب في هذه المدينة المقدسة.

وصلنا إلى محطة أجياد وهي المحطة الرئيسة الخاصة في سلسلة سبع محطات تحيط بالحرم المكي الشريف ومنها تتفرع خطوط شبكة الانفاق الأرضية إلى كل ارجاء مكة المكرمة والمشاعر المقدسة في عرفات ومزدلفة ومنى، وعند صولنا إلى المحطة وجدنا كاونتر الاستقبال للفندق الذي حجزنا فيه في محطة القطار، استلم الموظف تذاكر الحجز وأشار الى الموظف الآخر في الكاونتر المجاور، فسلمه المفاتيح الالكترونية وبطاقات الفطور والسحور، وقبل أن ننطلق الى غرفنا في الدور الرابع والعشرين اشار الموظف إلى ممر في الجهة المقابلة وقال ان هذا الممر يوصل الى الحرم الشريف مباشرة، وحقيقة لم تكن ارشادات الموظف لها معنى فقد كنا نشاهد اللوحات الالكترونية الارشادية تدلنا على جهة الحرم.

استلم الموظف حقائبنا وسرنا وراءه في ممر فسيح تحت الأرض الى أن توقفنا أمام المصعد الذي نقلنا الى الدور الرابع والعشرين بسرعة البرق، من نافذة الفندق شاهدت لأول مرة سماء مكة المكرمة، كانت السماء صافية والشمس تنعكس بأشعتها الذهبية على زجاج البنايات المجاورة، بحثت عن مآذن المسجد الحرام ولكن لم أفلح في التقاط واحدة منها حيث كانت البنايات تحجب عنا ذلك المكان المهيب.

من النافذة المغلقة باحكام شاهدت حركة المعتمرين وضيوف بيت الله الحرام يسيرون بخشوع وروحانية في الممرات والأزقة المرصوفة المخصصة للمشاه، كانت الكراسي الثابتة تنتشر في تلك الأزقة لتمنح السائرين في تلك الطرقات فرصة لالتقاط الأنفاس، وكانت الجرار الفخارية الحجازية مملوءة بماء زمزم البارد وتنتشر في أحواض صغيرة عند كل مئة متر تقريباً، كانت حركة الناس في ذلك الوقت تسير بانسيابية تامة فقد منعت السيارات تماما من الوصول الى منطقة الحرم الشريف، فلا يوجد سوى القطارات الأرضية وحركة المشاة في تلك الأزقة التي تشتهر بها حارات مكة المكرمة التاريخية.

بعد استراحة قصيرة في غرف الفندق جددنا فيها وضوءنا وطهارتنا نزلنا الى بهو الفندق ثم سرنا في الممر الأرضي المؤدي الى الحرم المكي وخلال مسافة عشر دقائق وقوفا على سير كهربائي متحرك وصلنا الى سلم كهربائي أخذنا صعودا الى ساحة الحرم الخارجية الرحبة والجميلة التي كسيت بالرخام غير الصقيل، وقد صممت الساحة الخارجية بحيث تسهل حركة المشاة في ممرات واسعة تحيط بها أعمدة قصيرة للإضاءة تمتد بشكل افقي بين الحرم وتلك الشوارع والأزقة المحيطة بالساحة، وكانت ترتبط بتلك الممرات أجهزة تبعث بزخات من الرذاذ المتطاير في النهار لترطيب الجو ولإضافة جو من المتعة والراحة لضيوف بيت الله الحرام، أما في الليل فكانت تلك الأعمدة القصيرة تبعث إضاءات خافتة لتمكين المارين من تحديد وجهتهم مع الاحتفاظ بالهدوء والروحانية وجمالية المكان.

في زوايا تلك الساحة كانت هناك مقاعد خشبية بأشكال دائرية وفي وسط الدائرة كانت هناك أشجار جميلة أضافت بهاء وجمالاً للمكان الجميل، وقد شملت تلك الساحات مصليات متنوعة وموزعة باتقان في أشكال هندسية جميلة تستخدم للصلاة وقت المواسم المزدحمة عندما تغص أروقة المسجد الداخلية بالمصلين، كانت تلك المصليات مرتفعة عن مستوى الممرات بثلاث درجات ويحيط بها سياج خشبي جميل يمنح حركة الداخلين والخارجين من الحرم من ازعاج المصلين، ومسقوفة بمظلات خشبية تمنع المطر أو الشمس، ومفروشة بسجاد يتم طيه عند انتهاء الصلاة من قبل المصلين أنفسهم، وقد خصص بعض تلك المصليات للرجال والبعض الآخر للنساء.

دخلنا مباشرة الى الحرم من خلال جسور معلقة تسير آليا وتنقل المصلين والمعتمرين بطريقة منتظمة الى باحة الحرم الداخلية المخصصة بالكامل للطواف حول الكعبة المشرفة بعد ان سقف حوالي نصف الباحة الداخلية وخصصت للمصلين بعد نهاية الطواف، بينما منعت الصلوات داخل الباحة الداخلية للحرم، وقد كانت ساحة الطواف مزدحمة ولكن الحركة تمر بانسياب تام حيث كانت هناك مسارات عرضها أكثر من عشرة امتار ومحجوزة بسياج خشبي بحيث لا تتيح فرصة للخروج من المسار، يبدأ الطواف في المسار الأول من الزاوية المواجهة للحجر الأسود ولكن من الطرف الأبعد عن الكعبة ثم يدخل الطائفون في حركة لولبية الى أن ينتهوا في نهاية الشوط السابع امام الحجر الأسود مباشرة وبعد ذلك ينزلون إلى نفق تحت المطاف ليخرجوا من الجانب الآخر امام السلالم الكهربائية الى الجزء المخصص للصلاة في الباحة المسقوفة ومن ثم تنقله السلالم الكهربائية الى الصفا لاكمال نسك السعي بين الصفا والمروة. كانت الحركة داخل الحرم مدروسة بعناية فاللوحات الارشادية الجميلة معلقة في أروقة الحرم، والمرشدون بلباسهم المميز وبعمائمهم الحجازية التقليدية يقفون في كل ركن يشيرون للناس بكل لطف باتخاذ الطريق الصحيح للمشاة، أو المكان الصحيح للصلاة والعباد، وكان احترام قدسية المكان واضحة عند المصلين والمعتكفين والمعتمرين، الجميع يسير بخشوع وبانتظام والتعاون والإيثار يسهل ما عجز النظام عن إنجازه.

بعد انتهاء الطواف في الباحة الرئيسية، أخذنا النفق تحت المطاف الى المنطقة العلوية في باحة الحرم المخصصة لصلاة السنة بعد الطواف، ومن ثم توجهنا الى المسعى عبر الممر المؤدي الى الدور العلوي للمسعى مباشرة دون عوائق تذكر فلا أحد يستطيع أن يجلس في تلك الممرات المتحركة التي تنقلك مباشرة إلى وجهتك المطلوبة، وعندما وصلنا إلى الصفا، كانت العربات المتحركة التي تشبه القطارات الصغيرة تنقل كبار السن والعجزة بين الصفا والمروة بحركة بطيئة حتى يتمكن المعتمر من الخشوع والقراءة والتسبيح والدعاء، وكان المنظمون يقفون أمام مدخل السير المتحرك لمساعدة المعتمرين على أخذ أماكنهم بكل ترتيب وانتظام، وقد وضعت لوحات الكترونية داخل العربات ليعرف من خلالها الشخص وكذلك المنظمون عدد أشواط السعي لكل شخص، وفي نهاية الشوط السابع يقف أيضاً المنظمون أمام المروة لانزال المعتمر من العربة، أما نحن فقد سرنا على الأقدام في المسعى بدون جهد كبير على الرغم من الزحام الشديد، وفي نهاية المسعى عند المروة خرجنا من خلال السير المتحرك إلى ساحة تبعد عن المسجد الحرام بحوالي ألف متر تنتشر فيها محلات الحلاقة النظيفة والمنظمة بشكل يليق بضيوف الله الحرام.

خرجنا من تلك المنطقة عبر قطار الأنفاق وعبر الخط الذي يقوم برحلات دائرية حول منظقة الحرم المكي، نزلنا في المحطة الخامسة حيث فندقنا وقد وجدت أن تلك الرحلة الروحانية المنظمة لم تستغرق سوى ساعة واحدة أنهينا خلالها نسكنا بكل خشوع وتؤدة واحترام.

كان هذا برنامج اليوم الأول ونعرض تفاصيل برنامج اليوم الثاني في الحلقة القادمة من هذا المقال بإذن الله.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    الدوله ولله الحمد ماقصرت في خدمة الحرمين الشرفين،
    لكن كوننا نبحث عن التميز دائما ً نطلب من قادتنا المزيد والدوله بخير ولله الحمد وتستطيع إعطاء الكثير. ونسأل ان يتحقق بعض الطموح في المستقبل القريب.

    خالد بن خالد - زائر

    10:30 صباحاً 2007/10/01


  • 2
    ياسلام عليك اخوي احمد
    عيشتني جو خيالي
    يارب يتحقق هالحلم قريبا يارب

    احمد - زائر

    10:49 صباحاً 2007/10/01


  • 3
    تستحق ان تكون تحت الدراسة ولو قيل انها من ضرب الخيال،
    الدولة لم تقصر ولن تقصر ولكن التطور مطلوب الى ابعد من ذلك بسبب ازدياد اعداد المسلمين والمعتمرين والحجاج بصفة خاصة.
    اعتقد ان هنالك توسعه لمسعى وسوف تحل مشلة الازدحام داخل المسعى.
    شكرا على الحلم الجميل.

    ابو سارة - زائر

    05:38 مساءً 2007/10/01


  • 4
    فعلاً حلم جميل ونسأل الله ان يتحقق على يدي حكومتنا ايدها الله التي لا تألو جهداً في تطوير الحرمين الشريفين، ان ما تحقق حتى وقتنا الراهن ليعد حلماً في السابق ونحن نعيشه واقعاً ملموساً بفضل جهوداً بذلت وأموالاً طائله ذللت لخدمة بيت الله الحرام ومازالت الخطط والمشاريع تتابع لتطويره ونحن على يقين بأذن الله وبثقتنا بحكومتنا الرشيدة ان حلمك الجميل سيكون انشأالله واقعاً يوما ما.

    عزام المشاري - زائر

    10:16 مساءً 2007/10/01



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة