الرئيسية > فضاءات

حادة زاوية

الاقتصاد والتسويق في حلبة الصراع!!


د. صنهات بدر العتيبي

لا أحد يستطيع أن ينكر دور الاقتصاد في الحروب والصراعات وكيف أصبح التسويق يكافئ الصواريخ عابرة القارات!! من المعروف أن أغلب المعارك والغزوات تقف خلفها أطماع اقتصادية أو خلافات تجارية وما شابه ذلك، ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي برزت أهمية الصراعات التجارية بوضوح كبير حتى أن التبرير الإعلامي للصراعات لم يعد يحمل تلك النبرة الأيديولوجية الحارة وتضاءلت تبعاً لذلك أهمية الغطاءات الأيديولوجية ولم تعد ذات قدرة على التنويم المغناطيسي للجماهير وحل مكانها الاشتباكات الاقتصادية مثل فورة سحب البضائع الصينية التي ابتكرتها الماكينة الإعلامية الأمريكية مؤخرا!!

يبدو أن فطاحلة السياسة في الغرب تعرفوا على طريقة أخرى لتركيع الخصم وإحراجه ألا وهي الضغوط الاقتصادية والمقاطعات التجارية والشائعات المغرضة حول المنتجات ومكوناتها حتى انتشر في الأوساط أن الأقمشة الصينية تحتوى إشعاعات خطرة على الإنسان الذي يقف بجوار من يرتديها (ويا للعجب)!! الصين التي قد لا يجد الغرب سببا مناسبا لغزوها عسكريا كما يجد في المواقف المتشنجة لزعماء الدول المارقة!! ربما يكون من المناسب حربها ب (سحب) البضائع وأصحاب العيون الضيقة يفهمون الرسالة بسرعة كافية!!

هناك تيار قوي في الغرب يدعو إلى استبدال الصراعات النارية والدموية بصراعات أخرى تتعلق بالاستيراد والتصدير وأسعار العملات والضرائب وقائمة الدول الأولى بالرعاية التجارية وحروب التسويق العظمى!! وقد برزت في السنوات الأخيرة وسائل متعددة لما يمكن أن نسميه الحروب التجارية ولعل أبرز هذه الوسائل هو قانون (سوبر 301) الذي استخرجته الولايات المتحدة من جعبتها وسلطته كالسيف على الرقبة اليابانية المتمردة.

بروز المتحدين الجدد بعد اليابان (خاصة الصين والهند) أوجد تحولا مميزا نحو تغيير لغة الصراع لان تحديهم جاء ذا طابع اقتصادي وتقني وصناعي مميز (اقتصاديات الحجم ذات البعد التقني في الصين وتقنية المعلومات في الهند)، وهذا ولد قدرا من الاهتمام بالصراعات الاقتصادية على حساب ضجيج الدبابات والمجنزرات والغواصات وغيرها من أسلحة الدمار الشامل التي يوفرونها للعرب ربما!! هذه الدول قلدت اليابان ودخلت إلى الحلبة الدولية على أسس اقتصادية وصناعية راسخة جداً ما جعل الغرب يقلب لهم ظهر المجن ويكشر عن أنيابه ويعلن الاستعداد للمنازلة بنفس الأسلوب وبنفس السلاح ألا وهو سلاح الاقتصاد والمبادلات التجارية والصراعات التقنية والصناعية ذات الطابع التسويقي والإعلام الذي يعمي العيون ويربك المتسوقين!!

هل يكون التسويق هو السلاح الفتاك عند الصدام التجاري هذه الأيام؟ من الواضح أن دولا مختلفة أضحت تركز على استراتيجيات تسويقية فعالة تحقق ما تصبو إليه من الاختراق المزدوج لكل من الاسواق النامية والاستهلاكية في العالم الثالث والرابع من جهة والأسواق المزدهرة في الدول الصناعية المنافسة من جهة أخرى. وذلك لأن هذا الاختراق يضمن لهذه الدول اليد الطولي في السيطرة على السوق الدولي وفي نفس الوقت حماية الأسواق المحلية من المنافسة الشديدة من الدول المتحفزة للدخول في الصراع التجاري العالمي.

تقوم إستراتيجية الصين التسويقية مثلا على فكرة بسيطة ولكنها رهيبة وفعالة تلك هي فكرة الإنتاج الكبير وإغراق الأسواق بسلع رخيصة وعملية وقد طبقت الصين هذا المبدأ على سلع كثيرة كالأقلام والساعات والإلكترونيات وحتى الصناعات الجلدية وغيرها. وبما أن جدلية السعر المنخفض لا تقاوم فقد اتجه المشترون نحو السلع الصينية ما سبب الصداع للشركات المنافسة الأخرى التي أخذت تحاول لملمة أطراف المصيبة التسويقية فقامت بتخفيض أسعارها أو توضيح نقاط قوية تقنع المشتري بعدم التحول لأسباب تتعلق بالجودة أو المستوى الاجتماعي أو صلاحية السلع وكل ذلك نستطيع قرأته في الهجمة الإعلامية الشرسة على الصناعة الصينية في الأيام الخوالي.

أما الإستراتيجية التسويقية للشركات الأمريكية المتطلعة للدخول في المنافسة الدولية فهي تقوم على عنصرين أساسيين: العامل السياسي والعامل الاجتماعي. فالشركات الأمريكية تؤمن بأن للسياسة دورا فعالا في التجارة الدولية لذا تلجأ دائماً إلى توظيف السياسة لخدمة أهدافها فتسعى بتكوين تحالفات وجماعات ضاغطة على الإدارة الأمريكية تجبرها على ممارسة ضغوط قوية على الدول الأجنبية لفتح أسواقها أمام سلع وخدمات الكاوبوي الأمريكي المسيطر سياسياً وعسكريا على العالم. ولعل أبلغ مثال لهذا التوجه هو الضغوط التي تواجهها اليابان لكي تفتح أسواقها للرز الأمريكي وللصناعات الأمريكية وهناك دول أخرى تسلط عليها أمريكا سيف المصالح السياسية لإجبارها على معاملة المنافسين الأمريكيين معاملة خاصة جداً. وتوظف الشركات الأمريكية العامل الاجتماعي من منطلق حرصها الشديد ومعها حكومتها على تحقيق غزو إعلامي ثقافي كاسح يصور الحياة الأمريكية وكأنها "مثالية" و"مخملية"!! ويغرس في العقول والقلوب أسلوب الحياة الأمريكية كما تصورها الأفلام والبرامج والمسلسلات وكما نجدها في مطاعم الوجبات السريعة والكوفي شوبز و تتسلل موسيقى الروك اند رول ورقص سلو دانس!! ثم تأتي البضائع الأمريكية وقد أصبح قبولها سهلا وطعمها مستساغا!!

sunotaibi@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    لو ارادت امريكا النجاح في العراق لاتبعت اساليبها الرخيصة في بقية دول عالم على دولة العراق الشقيقه ولغزتهم بكميات من الثقافات عن طريق الافلام والبرامج ثم غزتهم بالدبابات ليستقبلوا بالزهور والورد استقباال الابطال وغداء وعشاء بالهادوق والببسي.
    ولكن لم يطبقوا خطتهم أو لنقل لم يستيطعوا أو لم يسعفهم الوقت واستبدل الهادوق بالمتفجرات والببسي بدماء الجنود.
    ولك أن تتخيل لو غزت أمريكا شارع التحلية في الرياض أو جدة لاستقبلت بالورود لما سببه الغزو الثقافي على شبابنا المعاصر.
    حرب عالمية أسلحتها الاقتصاد والتسويق والثقافه
    فمن ينتصر؟؟

    ابراهيم المقحم - زائر

    06:42 صباحاً 2007/09/28


  • 2
    شكرا يا دكتور غلى هذا المقال وأتمنى من الجميع ان يفهم ذلك و يقف بحزم امام
    غطرسة أمريكا الأعلامية والحربية وهذة مسؤلية كل مواطن مسلم على هذة البسيطة أن يشتري المنتجات الصينية والهندية ويقاطع لمنتجات الأمريكيالباهظة الثمن0 أسال الله العظيم أن يحمينا منها ومن شرها0

    عبدالله الغامدي (موظف متقاعد) - زائر

    11:12 مساءً 2007/09/28


  • 3
    الى الدكتور صنهات مع خالص التقدير
    شكراً على هذا المقال واتمنى من الأتعاض منه
    ولكن يبقى السؤال الى متى والريال مخاوي الدولار... وماهو سر تخفيض البنك الفيدرالي للفائدة في ضل زيادة التضخم :(
    ولك كل الشكر والتقدير
    "

    فيصل الديحاني - زائر

    01:59 صباحاً 2007/09/29



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة