عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر صدر حديثاً كتاب بعنوان رئيسي (هذه وصيتي للقرن 21) وعنوان فرعي: حوارات مع وقائع جلسات محاكمة روجيه جارودي كما تفرد بتسجيلها شاكر نوري.
يلخص هذا الكتاب الذي الفه الكاتب والصحفي العراقي شاكر نوري مسيرة المفكر الفرنسي المعروف روجيه جارودي وكفاحه ضد الصهيونية، وهو المتابع لهذا المفكر منذ سنوات الغليان الماركسي في السبعينيات أيام كان يقرأ (واقعية بلا ضفاف) و(النظرية المادية في المعرفة) في ترجمتها العربية.
(روجيه جارودي) الذي يقول انه مازال مخلصاً لأحلامه عندما كان في العشرين من عمره، يقول بانه يخيل اليه انه يحاكم على كتاب لم يؤلفه، ذلك لأن كتابه يعالج الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية دون ان يتعرض إلى الديانة اليهودية، هناك اتهامات عديدة تلصق به منها معاداته للسيامية بينما تنتمي الديانتان اليهودية والإسلامية إلى السامية، واننا نشترك بعبادة الله الواحد ونتقاسم (إبراهيم) سلفنا المشترك إلا ان قانون -غيسو - الذي يحاكم (جارودي) بموجبه ما هو إلا قانون (توتاليتاري) وتعسفي، وهناك فلاسفة يهود كتبوا عن الصهيونية دون ان يتعرضوا للمحاكمة، مثل مؤلف كتاب "انحطاط اليهودية" على سبيل المثال، والمشكلة الاساسية - كما يشخصها جارودي - تكمن في القراءة، أي قراءة كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".
في هذا الكتاب الهام يعترف مؤلفه شاكر نوري انه لم يخطر بباله ابداً ان يسجل بقلمه مباشرة محاكمة جارودي، ولم يخطط لهذا المشروع مسبقاً إلا اندماجه واعتياده في عمله الصحفي على تسجيل كل شاردة وواردة في دفاتره، هو الذي جهزه بمادة لم يبخل بها على القارئ كما ان الحوارات التي اجراها نوري مع جارودي هذا المفكر الذي يعد رجلا اشكالياً، ترك بصمات واضحة على عصره، حوارات عديدة اجريت مع هذا المفكر، الا ان المؤلف توخى من هذه الحوارات ان تكون صريحة للغاية، دون التفكير بالممنوعات والخطوط الحمر والضغوطات الاخرى.
على مدار عشرين عاماً، كان المؤلف يزور المفكر الفرنسي جارودي باستمرار في منزله، ويحاوره على فترات متقطعة، وقد نشر جزءاً من هذه الحوارات في الصحافة العربية، وقد تنوعت محاور الحوار في القسم الاول من الكتاب على الموضوعات التالية: الإرهاب الغربي، احداث الحادي عشر من ايلول - سبتمبر، النظام العالمي الجديد، الإرهاب الفكري في فرنسا، العلاقات الفرنسية الجزائرية، تغييب الامريكيين للثقافات الاخرى، اتساع الفوارق بين الشمال والجنوب، فجر الالفية الثالثة، الهولوكوست، نشاط اللوبي الصهيوني، السلاح النووي الإسرائيلي، فرض الهيمنة الامريكية، ولادة الاتحاد الاوروبي، غزو العراق وتدميره، العلاقة بين الولايات المتحدة واوروبا، افلام العنف الامريكية الكتابة النسوية، خطر الموت في القرن ال21، تمرده ضد الحزب الشيوعي واعتناقه الإسلام، وغيرها من محاور الكتاب. اما القسم الثاني من الكتاب فهو عبارة عن تسجيل قلمي مباشر لمحاكمة هذا المفكر، على مدى أربعة ايام، اثر نشر كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) في قصر العدالة بباريس حيث تعرض للاستجواب والاستنطاق من فريق ادعاء المحكمة القضائية، وغُرِّم بمبالغ مالية حسب قوانين غيسو في تحريم التعرض للمحرقة اليهودية وليس حسب قوانين الثورة الفرنسية، وهو في الرابعة والثمانين من عمره آنذاك، وبعد ان وضع (45) كتاباً فكرياً وسياسياً وفلسفياً ونشرتها كبريات دور النشر الفرنسية، وتأتي اهمية هذا الكتاب الجديد من نوعه، بالنسبة للقارئ والمثقف العربي في الوقت الذي تتقلص فيه حرية التعبير في البلدان العربية وتتصاعد الاتهامات ضد المفكرين والأدباء والعلماء، وتصل إلى حد الاغتيالات كما هو حاصل في العراق، تكون وقائع محاكمة روجيه جارودي بالغة الأهمية في اعادة البحث في مسألة حرية التعبير وتقييد الأفكار وتجريم المعارضة.