في ذكرى اليوم الوطني تتورد أحلام الوطن وتتفتح ازهاره، وتغرد بلابله، وتتوهج شموسه وأنجمه، وتمتلىء فضاءاته بشذى الدفلى والخزامى والبعيثران والياسمين.. كيف لا، وهذه الذكرى العزيزة على قلب كل مواطن ومواطنه، والساكنة في شرايينا هي صهوة الشوق التي يتبادل فيها المواطن ترنيمة الحب التي لا تموت، وأغنية الولاء التي لا تذبل بينه وبين وطنه الشامخ ويستعيد فيها مراحل تطريز هذا الوطن العظيم بحبات اللؤلؤ والألماس على يدي باني وموحد هذا الكيان الملك عبدالعزيز يرحمه الله، وتولى استكمال البناء من بعده ابناؤه الملوك الذين حلقوا بوطن الانسانية والحب عاليا صوب نهارات ومواقع ارحب وأجمل
وطني.. ياقصيدة حب لا تعرف الحقد
وطني.. ياأغنية شوق لا تعرف الغل
وطني.. يارسالة صدق لا تعرف الكذب..
وطني.. لقد تهجيت حبك حرفا حرفا منذ مولدي، واصبح جزءا من دمي الذي يجري في جسدي، فأنت بالنسبة لي الواحة والأمان، والمرفأ، والفرح، والسلام، اعشقك بواحاتك، وجبالك، وصحرائك، وكل ذرة تراب فيك، وكل صخرة نائية في اي جزء من خارطتك المرسومة في بؤبؤ عيني، وخطوط طولك وعرضك المحفورة في قلبي، ومسام جلدي.
لقد بدأ مجدك الحديث منذ ان وحد الله ارضك على يد الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - الذي عمل على نشر الأمن والأمان.. وسعى الى القضاء على الفرقة والتشرذم والضعف والجهل الذي كان يطوق هذا الوطن.. ويجعله في منأى عن ما يجري في العالم من سباق نحو التطور والأخذ بأسباب الرقي والنمو.
لم يكن ذلك الأمر مرضيا لهذا القائد الملهم.. لأنه يعرف مكانة وطنه وقيمة حضارته، ويعلم ان كل ما أصاب وطنه من ضعف والتأخر جاء نتيجة هذا التمزق والتفرق، وتلك الدويلات والامارات الضعيفة التي حولت البلاد الى مرتع للجهل والفقر والصراعات البليدة التي عادت بالبلد الى واقع اقرب الى الجاهلية منه الى روح العصر.
من هنا بدأ الملك عبدالعزيز مسيرته للخروج بوطنه من هذا الواقع المر الى المكانة التي يستحقها.. وكله تصميم على أن ينقذ وطنه من ذلك الحال البائس.. وذلك الوضع المؤلم الى فضاءات أرحب تتفق مع مكانته التي يختص بها باعتباره مهبط الرسالة الإسلامية.. والوطن الذي تحتضن ارضه بيت الله الحرام قبلة المسلمين في مشارق الارض ومغاربها، وكذلك المسجد النبوي الشريف.
لقد اخبرني أحد كبار السن ذات يوم ممن كانوا يعملون في وزارة المالية في بداية عهد الملك عبدالعزيز وفي السنوات الأولى للتوحيد أن وزير المالية اقترح على الملك عبدالعزيز ترشيد النفقات حتى يمكن استثمار الفائض منها في مجالات أخرى، ووافق الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - على القيام بدراسة لمعرفة كيفية ترشيد النفقات، وتوصلت الدراسة الى أن ذلك لن يتحقق الا بفضل عدد من موظفي الدولة، وكان ذلك قبل اكتشاف البترول.. وعندما عرف الملك عبدالعزيز ما توصلت اليه الدراسة رفضها.. وقال يرحمه الله: اذا كان ترشيد النفقات الذين يعيلون اسرا واطفالا.. فلا نريد هذا الترشيد.. ولا حاجة لنا به.
ولم تمض ايام أو اسابيع على هذه الحادثة حتى فتح الله على هذه البلاد ابواب الرزق من كل صوب.. وتدفق الذهب الاسود غزيرا من باطن الارض.. ولتبدأ بذلك رحلة البناء والنمو والازدهار تسابق الزمن.. وتشيد في كل موقع المدارس والجامعات، والمستشفيات، والمصانع من أجل اللحاق بركب الدول المتقدمة والوصول بوطن الرسالة الى مواقع النجوم.