د. أحمد عبدالقادر المهندس
الذي يقرأ بعض المقالات التي كان يكتبها الاستاذ محمد حسين زيدان - رحمه الله - يعجب أحياناً بروح النكتة وخفة الظل التي كانت تسيطر على بعض مقالاته وخاصة ما كان يكتبه بعنوان (تمر وجمر) والتي نشرت فيما بعد في مجموعة من الكتب..
ومن المقالات التي اعجبتني مقالة بعنوان (صور) نرى فيها مقدار ما كان يحمله ذلك الرائد الكبير لقيمة المعلم أو الاستاذ الذي علمه مبادئ القراءة والتجويد، بالرغم من انه اصبح معلماً لتلاميذه ..
يقول الأستاذ محمد حسين زيدان:
"دخلت السنة الأولى الابتدائية ألقي الحصة المقررة وكانت في المحفوظات، كما كنا نسميها أيام زمان.
وسألني احد التلامذة وعيناه تلمعان بالاشارة إلى زملائه كأنه يقول لهم: لقد كفيتم أو يقول لي انه السؤال الذي قررنا أن نسألك عنه.
وفتح صفحة من كتاب التجويد المقرر، يشير بإصبعه إلى هامشه فيه شرح لما فوق في العدد المتن هكذا أشار إليه:
آه.. عيني على البخاري؟
فما معنى هذا يا أستاذ؟
يقول زيدان: وحسبته السؤال المجرد لا شيء قبله ولا شيء بعده..
وأجبتهم.. يعني انتهى نقلاً عن شرح الأمام العيني على الجامع الصحيح للبخاري.
يقول الاستاذ محمد حسين زيدان: ورأيت العجب والفرحة على الوجوه..
والعبرة ليست هنا ولكن فيما بعد ذلك فقد رد التلامذة بأنهم سألوا استاذ المادة صاحب الحصة فقال:
آه يا عيني على البخاري.
لم يعرف الإجابة التي قال بها الأستاذ زيدان.
ورد عليهم الأستاذ زيدان بأن الأستاذ الفلاني هو استاذ قدير فقد تعلمنا منه القرآن والتجويد كأحسن ما يكون المعلم.. ولا يعيبه إن لم يعرف الرمز.
وهكذا اقتنع التلامذة بما أشار إليه، وعندما خرج الأستاذ زيدان ذهب إلى استاذه معلم القرآن والتجويد وقبل يديه، وبالطبع قبل جميع التلاميذ يده كما كانت عادة التلاميذ في ذلك الزمان.. يقول الأستاذ زيدان: لم ينقصهم ذلك شيئاً ولم يزدني شيئاً، إلا انني لازلت أعرف القدر (المكانة) لمن علمني حرفاً..
ويقول الأستاذ زيدان بأن هذه الحكاية صحيحة، حيث ان التلميذ السائل كان محمد مدني عاكف وأحد التلاميذ حينذاك هو السيد ياسين طه.
وانظر معي إلى ما كان من شقاوة التلاميذ في ذلك الزمان وإلى احترام المعلم بشكل كبير حتى ممن كانوا معلمين مثله وزملاء له..
إنها التربية الصحيحة التي تجعل الصغير يحترم الكبير ويحب الكبير الصغير كما انها تشير إلى ان المعلم يمكن ان تغيب عنه أشياء كثيرة في المنهج، وليس عيباً أن يسأل الطالب الأستاذ، ولكن العيب ان نخجل من السؤال أو نطعن المعلم في غيابه..
والله ولي التوفيق.