خطر ببالي السؤال قبل اكثر من شهر عندما وجدت اننى اتابع جزءاً من احدى حلقات مسلسل طاش ما طاش القديمة على احدى المحطات الخليجية ذات ضحى دون تخطيط او انتظار وكنت قد شاهدتها من قبل بالطبع وكانت عن مشاكل المشتركين في خدمة تركيب هاتف ثابت بالمنزل وكيف توالت معاناة موظف بسيط لطلب الاذن من رئيسه بالعمل للذهاب للبيت لانتظار من يأتي لتركيب الهاتف والذي لم ينجح في اتمام المهمة .
تذكرت هم البحث عن خط هاتف للكثير منا ومتاعب الناس وقتها مع احتياجاتهم وبدء العمل وكأنه مرآة كبيرة تعكس كل التفاصيل وملامح الناس المختلفة وموقعهم الجغرافي وتدونها ايضا بحميمية كنا نفتقدها .
ثم خطر ببالي السؤال عفويا اولا ثم تطور إلى فكرة ومفهوم التراث يتمدد بواقعية بعيدة عن السائد والمعتاد ليشمل كل تطور انساني عايشناه كمجتمع نام يبحث ويلاحق احتياجاته الحياتية التي تسابقت مع عمرانه ومشاريعه الانمائية في غضون سنوات فقط ليأتي عملاً فنياً يعكس شيئاً من ذلك الواقع الانساني ويطرح همومه اليومية في قالب فكاهي مرح نجح في جذب الناس ومارس حضورا متميزا حتى الان . لذا يحق له ان ينضم إلى صور تراثنا المتعاقبة لأنه في غضون خمس عشرة سنة واكب تلك الهموم والاحلام والتحديات ومتغيرات الصور الحياتية التي اصبح بعضها تاريخا، تدهشنا احيانا إن عدنا إليها او عادت إلينا مصورة في مشاهد ضاحكة .
ورغم هذا فإن العمل ليس بلا اخطاء او تقافز مستوى من حين إلى آخر وكثير ممن يهجونه إعلاميا هم اول من يشاهده وهذا حقهم بالتعبير غير ان تأثير حضور المسلسل لم يعد يتعلق بقدرته على إضحاكنا فقط رغم ان انتشالنا من هيمنة مآسي العصر وتأثير تفاعلنا مع سلبيات ما يحط من اخبار العالم المزعجة اصبح هدفاً جميلاً تدعيه كل مدارس اليوجا والتمارين الرياضية والهروب إلى روائع الطبيعة في ظل تسيد حالة التوتر العصرية كسمة تفاعل يومية يشعر بها اغلب الناس في كل مكان ويحاولون التكيف معها او البحث عن افضل الطرق للتعامل معها . وهنا يجب ان نلاحظ بأن الركون إلى تقديم الاعمال في قالب فكاهي اصبح توجها لكثير من الاعمال الفنية الاخري وتحولت إلى ظاهرة يطلبها المشاهد الذي تعب من تلقي المزيد من الهموم والمشاكل التي تبثها بعض الاعمال الخليجية الدرامية والعربية .. وعلي ذكر الهمّ المستعار لي صديقة تصر إن سألتها عن مشاهد المسلسلات ان تسميها مشاكل لا تود ان تتابعها وتفسر بأنها تتعب من متابعة كل ذلك الضيق الذي يحط عليها من الاندماج الذي لا مفر منه فى حالة المتابعة وتراكم تلك المشاهد في نفسية تريد ببساطة ان تمارس حقها في حماية نفسها من تراكمات الهموم المستعارة من تلك الاعمال ...
جميل ان يمارس الانسان مسؤولية حماية الذات من مؤثرات مضرة حتى وإن جاءت في شكل تسلية وكالعادة فإن النجاح في كل صوره ينشر تأثيرا للآخرين ويتحول إلى اداة تحفيز وربما الهام تنبت شيئاً من ذلك التميز الذي نحتاج ان ننميه في كل نواحي حياتنا .
بقي اخيراً ان نذكر كل النجاحات الاخرى التي قدمت اعمالها بجد واهتمام وحرفية هذا العام وامتعت المشاهد لولا تضارب الاوقات ولكنها تعد ولا شك بأن تحول كل المحاولات الفنية إلى بصمات تضاف إلى سجل ابداعنا الانساني ..
وكل عام وانتم بخير