بحث



الجمعه 9 رمضان 1428هـ - 21 سبتمبر 2007م - العدد 14333

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


أين تتجه علاقة واشنطن بطهران؟

عبدالجليل زيد المرهون
    على الرغم من كل ما يثار في وسائل الإعلام، فإن الخيار العسكري لا يبدو خيار واشنطن الأول أو الثاني، وإن فرضية استبعاده تبقى قائمة، عند قراءة المعطيات الراهنة بالصورة التي يمكن تلمسها ورؤيتها بالعين المجردة.

وإذا انتقلنا للحديث عن مقاربة العقوبات الدولية المشددة، فإن الاتجاه المجمع عليه حالياً في الولايات المتحدة هو المضي قدماً في هذه العقوبات حتى حدودها القصوى، أي حتى القدر الذي يمكن إقناع الروس والصينيين به. وبحيث يلي ذلك تعزيز هذه العقوبات عبر إجراءات أميركية أحادية، أو عبر "ائتلاف الراغبين"، الذي قد يضم اليابان ودول الاتحاد الأوروبي أو بعض منها.

أين تقف اليوم العلاقات الأميركية الإيرانية؟. وهل نحن بصدد سباق بين الدبلوماسية والحرب؟

بالطبع، يبدو من المبالغة القول إنّ سباقاً من هذا القبيل يدور في الأفق. بيد أن السؤال الجوهري الذي يظل قائماً هو: ما هي خيارات واشنطن للتعامل مع الملف النووي الإيراني؟

هناك ثلاث مقاربات يتم تداولها حالياً في الولايات المتحدة: تقول الأولى بالاحتواء بمعناه العام، وتذهب الثانية إلى تعزيز هيكلي للعقوبات الدولية، أما الثالثة فتمضي إلى حيث الخيار العسكري، أو لنقل شكلاً من أشكال هذا الخيار.

تُجسد فلسفة الاحتواء (containment) رؤية أوسع مدىً من العقوبات، وهي تستمد جذورها النظرية من مفاهيم الحرب الباردة. وبالنسبة للقائلين بهذا الخيار، فإنّ المطلوب هو كتلة من الضغوط متعددة المستويات، تُفضي في نهاية المطاف إلى انهيار الدولة الإيرانية من الداخل، على النحو الذي حدث للاتحاد السوفياتي. ولا يشترط هذا الخيار وجود عقوبات دولية فاعلة تعتمدها الأمم المتحدة، إلا أن وجود هذه العقوبات يُشَرعِن جانباً أساسياً من جهود الاحتواء، ويمنحها بُعداً هيكلياً يُعزز من فاعليتها. وهذا الخيار بالذات هو الذي طُبق على العراق بين العام 1990والعام 2003، بيد أن عدم فاعليته في إسقاط حكم الرئيس صدام حسين نجم في جزء مهم منه عن التآكل التدريجي للعقوبات الدولية، وتفكك الإجماع الدولي حول الكثير من تفاصيلها، وقدرة بغداد من جهة أخرى على الالتفاف بقدرٍ ما على هذه العقوبات، عبر تشكيلها شبكة واسعة من المؤسسات والشركات مموهة الملكية، التي استطاعت من خلالها اختراق الأسواق العالمية، بما في ذلك أكثرها حساسية. ويُضاف إلى كل ذلك أن الغرب لم يستطع الدفع باتجاه قيام انتفاضة داخلية قادرة على إسقاط السلطة القائمة في بغداد، على النحو الذي حدث في رومانيا الاشتراكية، وتكرر بعد انتهاء الحرب الباردة مع الأنظمة الحاكمة في أوكرانيا وجورجيا.

ويتخذ الاحتواء أشكالاً اقتصادية وسياسية وثقافية، تهدف إلى إضعاف القوة المراد احتوائها، والعمل على ضرب مقومات شرعيتها الوطنية. وتبقى العلاقة بين القوة والاحتواء غير واضحة المعالم في النقاش الفلسفي الذي لا يزال دائراً منذ ستة عقود. وتحديداً، فإن هذا النقاش لم يُجب على التالي: هل القوة جزء أصيل من الاحتواء أم عنصر مكمل له، أم خيار يوازيه وقد يكون بديلاً عنه. ثم هل بالمقدور اعتماد سياسة احتواء من دون امتلاك فاعل للقوة والتهديد بها، وأين يقع كل ذلك من مفاهيم الردع وتوازن القوى، واستتباعاً سباق التسلّح؟

بالنسبة لإيران، يجري الحديث الآن عن تجريد الاقتصاد الإيراني من عصب القوة فيه وهو الاستثمارات الخارجية، وذلك عبر الضغط على الشركات الداخلة فعلياً في مشاريع استثمارية مع طهران أو التي تنوي ذلك. والأهم في هذا السياق هو قطاع النفط الإيراني، حيث يتجاوز حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيه العشرين مليار دولار. وتبدو جلية حساسية الاستثمارات الخارجية بالنسبة لقطاع النفط الإيراني إذا لحظنا أن إيران لا تزال تستورد أكثر من أربعين في المائة من احتياجاتها من الجازولين، وإنّ ضغوط الإنفاق قد اضطرتها لرفع سعر جالون البنزين من 25إلى 41سنتا، مع كل ما يحمل ذلك من تبعات اجتماعية.

وكمثال على منحى الولايات المتحدة لتجريد الاقتصاد الإيراني من عصب الاستثمارات الخارجية، طلبت ولاية ميسوري من الشركات الأميركية العاملة في الولاية سحب استثماراتها من إيران. وعندما رفضت شركة (UBS) هذا الأمر، تم طردها من قائمة بيع الأسهم الخاصة بالولاية، الأمر الذي جعل الشركة ترضخ وتسحب رفضها. كذلك، فإن قانون معاقبة إيران في ولاية فلوريدا يمس الآن أكثر من ثلاثين شركة، يبلغ حجم استثماراتها نحو 830مليون دولار. ومعظم هذه الشركات رضخت فعلياً لقرارات الولاية وسحبت استثماراتها من إيران.

على الصعيد الدبلوماسي، ليس ثمة جديد يمكن إضافته أميركيا لتعزيز مبدأ الاحتواء، وذلك لأن العلاقات الدبلوماسية متوقفة منذ العام 1980.والحوار المباشر الدائر حالياً بين واشنطن وطهران ينحصر في الملف العراقي، على النحو الذي كان عليه في العام 2001حول أفغانستان. وعلى الرغم من ذلك، فثمة حوار أميركي إيراني غير مباشر يجري عبر الحلفاء الأوروبيين، كما عبر بعض الفرقاء الإقليميين. وهناك بطبيعة الحال الزيارات المتبادلة للخبراء والباحثين، وهي زيارات ذات مضمون سياسي قبل كل شي. وكان هذا النوع من التواصل الأميركي الإيراني ناشطاً بوضوح إبان عهدي الرئيس محمد خاتمي.

من جهة أخرى، يمكن القول أنه بما ان إيران تمثل للولايات المتحدة مشكلة ذات طابع إقليمي بالدرجة الأولى، فإن فرص فرض طوق دبلوماسي شديد عليها لا يبدو مرجحاً، فضلاً عن كونه غير عملي، ويثير من التحديات أكثر مما يساهم في مشروع احتوائها.

وعلى صعيد الدعاية السياسية الموجهة للرأي العام الإيراني، يبدو ثمة تباين بين الاتجاه الرئيسي للإعلام الأميركي، وبين ذلك الموجهة من قبل وزارة الخارجية الأميركية، فهذا الأخير هو فقط المتجه اتجاهاً تعبوياً، لكنه لا يمثل إعلام النخبة أو القوى ذات التأثير في المجتمع الإيراني، ومن هنا تصعب المراهنة عليه في إحداث تحوّل داخلي في إيران، خاصة وإننا بصدد الحديث عن دولة ذات إعلام موجه في جزء كبير منه للحديث الدائم عن "أخطار" و"مؤامرات" حاذقة "بالشعب والثورة"، وهو الأمر الذي تضخم مع وصول المحافظين للسلطة.

وإذا انتقلنا للحديث عن مقاربة العقوبات الدولية المشددة، فإن الاتجاه المجمع عليه حالياً في الولايات المتحدة هو المضي قدماً في هذه العقوبات حتى حدودها القصوى، أي حتى القدر الذي يمكن إقناع الروس والصينيين به. وبحيث يلي ذلك تعزيز هذه العقوبات عبر إجراءات أميركية أحادية، أو عبر "ائتلاف الراغبين"، الذي قد يضم اليابان ودول الاتحاد الأوروبي أو بعضا منها.

والمشكلة الرئيسية أمام هذا الخيار هي صعوبة وصوله إلى جوهر تجارة إيران الخارجية وهو النفط، إذ من شأن ذلك أن يرمي بتداعياته على السوق النفطية على صعيد دولي. كذلك، فإن خيار العقوبات الدولية المشددة قد لا يأتي بالغرض المرجو منه، وهو إضعاف السلطة في إيران عبر خلق حالة من التململ والتذمر الداخلي، إذ أن أي مستوى من العقوبات، مهما كان شديداً، لن يمس بالاحتياجات الأساسية للإيرانيين، حتى وإن أثر ذلك على قدرتهم الشرائية بصفة عامة. إن من سوف يتأثر بهذه العقوبات على نحو مباشر وكبير هم من يمثلون الطبقة الوسطى والفئات الأكثر ثراءً في المجتمع، وهؤلاء لا يمثلون القاعدة الشعبية للسلطة الراهنة في طهران، بل هم في الأغلب بعيدون عنها.

إلى ذلك، تبدو البيئة الجيوسياسية الراهنة ذات وضع مؤات لإيران للالتفاف على أية عقوبات دولية مشددة، فالتجار الإيرانيون والعراقيون يمكنهم استيراد مختلف البضائع إلى البصرة و من ثم إعادة شحنها إلى إيران بالقوارب والشاحنات، عبر شتى الطرق وتحت الكثير من المسميات، بل من يقول ان هذا الأمر لا يحدث في وقتنا الراهن. وما يمكن قوله عن العراق، يمكن سحبه أيضاً على جوار إيران الأفغاني، وإن بدرجة أقل. كذلك، فإن الطبيعة الهشة لحدود إيران مع دول آسيا الوسطى تعطي الفرصة لتمرير مختلف البضائع والسلع، بما في ذلك أكثرها حساسية. وهذه مسألة يعرفها الجميع، وفي مقدمتهم واشنطن. والخلاصة، إنّ العقوبات الدولية قد تخلق مزيداً من المتاعب للسلطة الإيرانية ولكن دون أن تتمكن من إضعافها على نحو يجبرها على تغيير خياراتها القائمة، وفي المقدمة منها البرنامج النووي.

أخيراً، ماذا عن مقاربة الخيار العسكري الأميركي ضد طهران؟

على الرغم من كل ما يثار في وسائل الإعلام، فإن الخيار العسكري لا يبدو خيار واشنطن الأول أو الثاني، وإن فرضية استبعاده تبقى قائمة، عند قراءة المعطيات الراهنة بالصورة التي يمكن تلمسها ورؤيتها بالعين المجردة.

ويجب التمييز بادئ ذي بدء بين قرار الحرب وبين ما يبدو ظاهرياً وكأنه إعدادٌ لها. إن خوض أي حرب هو قرار استراتيجي يختزن بالضرورة كماً متنامياً من الأبعاد السياسية والعسكرية والنفسية، التي ليس من السهل قراءتها على النحو الدقيق الذي يضمن سلامة الخيار وأرجحيته. أما الإعداد لحرب محتملة أو افتراضية فهو مكسب ضمني في كثير من الجوانب، فهذا الإعداد يعني مزيداً من التدريب وكسب المهارات، وقد يعني عقد صفقات سياسية ودبلوماسية، وإقامة قواعد عسكرية في مناطق جديدة. وهو يعني بالضرورة زيادة الضغوط النفسية على الطرف الآخر. ولنتصوّر ما هي المكاسب التي قد يجنيها طرف ما من إعدادٍ يدوم خمس سنوات لحرب غير مؤكدة، وقد لا تقع نهائياً. بالطبع، الأمر سوف يختلف كلياً لو كان الحديث يدور عن حرب بين قوتين متكافئتين أو شبه متكافئتين، لأن ذلك سوف يعني بالضرورة الدخول في سباق محموم للتسلح، واستنزافاً لا طائل منه لموارد مادية وبشرية، وقبل ذلك إرهاق البيئة النفسية للمجتمع.

لقد كشف الأميركيون عن نيتهم إقامة قاعدة عسكرية في العراق على بعد خمسة أميال من الحدود الإيرانية. ومن جهتها، أكدت بريطانيا نيتها نشر 350عنصراً من قوات مشاتها على الحدود الجنوبية للبصرة بمحاذاة إيران. وسياسياً، قاد التلويح باحتمال الحرب إلى مزيد من التنازلات الروسية والصينية، ووحد الأميركيين والأوروبيين في مجلس الأمن الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقائمة مكاسب واشنطن في هذا الاتجاه كثيرة على أية حال.

وعلى الرغم من ذلك، لا نستبعد على نحو تام احتمالات الحرب، لكننا نستبعد الربط الشرطي بينها وبين كثيرٍ مما يجري على الأرض. ونحن هنا في الخليج نأمل بأن تتغلب الدبلوماسية على ما عداها، وأن لا تغدو هذه المنطقة مرة أخرى بين كتل النار. وعلى جميع الأطراف أن تأخذ في حسابها مخاوف الخليجيين وهواجسهم المشروعة.

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

الحرب


الحرب على ايران واقعه لا محالة حتى وان رضخت للمطالب الامريكية والغربية..
ولكن متى ؟


العبدلي
ابلاغ
04:59 صباحاً 2007/09/21

 

التهيئة والوقت المناسب


لابد من ضرب ايران فهي تشكل خطر على الخليج وعلى الطاقة فهي خطر على العالم ولكن الوقت المناسب لم يأتي وقد توقف الضربة في حالة تغير النظام الايراني اوتفكيك السلاح النووي ووقف دعم المنظمات الارهابية في العراق ولبنان ودعم الاستقرار في المنطقة.


ابوعبدالله الخالدي-الجوف
ابلاغ
01:29 صباحاً 2007/09/22


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى مقالات اليوم

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية