أو الشاعر الكاريكاتوري، وهو ابن الرومي، وأنا أدين بمعرفتي له لأول من درّسني الأدب وهو الاستاذ سراج خراز، وكان ثالث ثلاثة شعراء نبغوا وكان حظهم من الدنيا قليلا، والآخران هما عبد العزيزالرفاعي ومحمد عبد القادر فقيه (ولو أن الله انعم على ابن الفقيه عادل بالجاه والمال)، وكانوا يلتقون في دكان الفقيه في شارع المدعى الكائن أمام زقاق الطبري في مكة المكرمة، أعارني الأستاذ الخراز ديوان ابن الرومي أو على الأصح مختارات من شعره اختارها وجمعها كامل الكيلاني، وهو نفسه الذي ألف مكتبة للطفل العربي، تصفحت الديوان في طريقي إلى المنزل ووقعت على هذا البيت الذي غشيني منه ما غشيني (ساورده بعد قليل) فعثرت في حجر ووقعت على الأرض، ولكنّ العاقبة كانت سليمة، وما أن استقرّ بي المقام في البيت حتى زارني الشاعر طاهر الزمخشري، وما أن رأى الديوان في يدي حتى صرخ بي : حذار ! حذار!، وحكى لي كيف أنه حين استغرق في قراءة ابن الرومي ماتت زوجته (رثاها في قصائد رائعة)، وأنّ كل من درس ابن الرومي وكتب عنه أصيب بنائبة من نوائب الدهر فشكري أناخ عليه الدهر بكلكله، والعقاد زميله في مدرسة الديوان سجن، وكامل الكيلاني كسرت ساقه .. ألخ وحينئذ قلت له : وأنا عثرت في حجر، فقال لي : إذن لا تعد إلى قراءة الديوان، ولم أكن أيامها اؤمن بالتفاول والتشاؤم، فألقيت بنفسي في يمّ الديوان، ولكنّي غرقت، أقصد كسرت يدي، فوضعت الديوان في مكان قصيّ من مكتبتي، ولم أعد إلى تصفحه إلاّ بعد ستين عاما، وصحّ كلام الزمخشري إذ تمشيت في هذه الأيام في أحد الأسواق فوقعت فجأة على الأرض وكسر مفصل حوضي وما زلت شبه مقعد، وأنا الآن أكتب عنه، وأدعو الله أن تكون العواقب سليمة، وقد قلت إنه شاعر مصور، ويتجلى ذلك في قصيدته عن المغنية وحيد، ولو لم تكن له إلاّ هذه القصيدة لعدّ من أعظم الشعراء العرب، ولا يتسع هذا الحيز لاورد أبياتا منها، هل أنا خائف ؟، وأكتفي - واللهم أنّي اسلمت إليك أمري - بإيراد هذا البيت الذي قاله في قصيدة يرثي فيها ابنه الأوسط، ولو لم يكن له غيره لكفاه :
طواه الردى عنّي فأضحى مزاره
بعيداً على قرب قريباً على بعد