الرؤية.. الهلال.. الشمس.. ألفاظ تعلقت بها أحكام شرعية خاض فيها العامي وغير المتخصص وكأنها كرة في وسط الملعب فهذا يصرح والآخر يحلل وثالث يفتي ورابع يدعي علم الغيب، وكأن الأمر ليس له زمام. فحينما كنت أقلب صفحات إحدى الصحف المحلية وقبل أسبوع تقريباً من دخول هذا الشهر المبارك وجدت بها مقالاً يتحدث فيه كاتبه عن رؤية هلال شهر رمضان وكأن عنده علم من الغيب فقال (.. يوم الخميس 13سبتمبر 2007أول أيام شهر رمضان المبارك فلكياً وشرعياً والله أعلم)أ. ه فليته قال فلكياً وسكت لكان ممتثلاً لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" وحيث كثر الخوض في هذه المسألة إليك أخي القارئ هذه الوقفات:
الوقفة الأولى: أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" وفي حديث آخر" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" وفي حديث آخر "الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" فالأحاديث السابقة علقت بداية صيام رمضان والشروع في الافطار برؤية الهلال والرؤية كما قال أهل اللغة هي النظر بالعين وبالقلب. قال النووي: قال اصحابنا وغيرهم: "لا يجب صوم رمضان الا بدخوله ويعلم دخوله برؤية الهلال، فإن غم وجب استكمال شعبان ثلاثين، ثم يصومون سواء كانت السماء مصحية او مغيمة غيماً قليلاً او كثيراً "وفي هذا حصر طرق اثبات هلال رمضان في الرؤية واكمال شعبان ثلاثين، وفي هذا الحصر نفي لاعتماد الحساب.
قال ابن القيم في زاد المعاد 39/2(فإن القدر - المذكور في الحديث السابق - هو الحساب المقدر والمراد به الاكمال كما قال فأكملوا العدة والمراد بالاكمال اكمال عدة الشهر الذي غم كما قال في الحديث الصحيح الذي رواه الخباري "فأكملوا عدة شعبان" وقال "لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة" والذي امر باكمال عدته هو الشهر الذي يغم..)أ. ه
الوقفة الثانية:
إن مسألة الرؤية مسألة شرعية وهذه وأمثالها مردها لالعلم الشرعي والعلماء فقط وليست مجالاً للخوض فيها من كل أحد قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) والدولة - حرسها الله - أولت ذلك لجهة شرعية مختصة فالمسألة محسومة ولا ينبغي التطفل فيها.
الوقفة الثالثة:
إن مسألة اثبات الأهل بالحساب الفلكي نفاها الشارع الحكيم بالحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا) يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.
وقد وقع فيها الخوض منذ آواخر القرن الهجري الأول فقد اشار اليها احد التابعين وبحثت بعد ذلك من لدن فقهائنا السابقين قال ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى 464/2مبيناً رأيه في الحساب (ولا ريب انه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة انه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، كما ثبت عنه في الصحيحين انه قال: (إنا أمة أمية لا نكتب، ولا نحسب، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته).
والمعتمد على الحساب في الهلال، كما أنه ضال في الشريعة، مبتدع في الدين، فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب. فإن العلماء بالهيئة يعرفون ان الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، وانما غاية الحساب منهم اذا عدل ان يعرف كم بين الهلال والشمس من درجة وقت الغروب مثلاً، لكن الرؤية ليست مضبوطة بدرجات محدودة فإنها تختلف باختلاف حدة النظر وكلاله، وارتفاع المكان الذي تراءى فيه الهلال، وانخفاضه، وباختلاف صفاء اللجو وكدره. وقد يراه بعض الناس لثماني درجات، وآخر لا يراه لثنتي عشرة درجة، ولهذا تنازع أهل الحساب في قوس الرؤية تنازعاً مضطرباً، وأئمتهم: كبطليموس، لم يتكلموا في ذلك بحرف، لان ذلك لا يقوم عليه دليل حسابي. وإنما يتكلم فيه بعض متأخريهم، مثل كوشياز الديليمي، وامثاله. لما رأوا الشريعة علقت الاحكام بالهلال، فرأوا الحساب طريقاً تنضبط فيه الرؤية، وليست طريقة مستقيمة، ولا معتدلة، بل خطأها كثير، وقد جرب، وهم يختلفون كثيراً: هل يرى؟ أم لا يرى؟ وسبب ذلك: أنهم ضبطوا بالحساب ما لا يعلم بالحساب، فأخطأوا طريق الصواب، وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وبينت ان ما جاء به الشرع الصحيح هو الذي يوافقه العقل الصريح، كما تكلمت على حد اليوم ايضاً، وبينت انه لا ينضبط بالحساب، لأن اليوم يظهر بسبب الأبخرة المتصاعدة، فمن أراد ان يأخذ حصة العشاء من حصة الفجر، إنما يصح كلامه لو كان الموجب لظهور النور وخفائه محاذاة الأفق التي تعلم بالحساب.
فأما إذا كان للأبخرة في ذلك تأثير، والبخار يكون في الشتاء والأرض الرطبة أكثر مما يكون في الصيف والأرض اليابسة، وكان ذلك لا ينضبط بالحساب، فسدت طريقة القياس الحسابي أ ه..
وقال النووي رحمه الله في المجموع 271/6ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب الشهر هكذا هكذا" أ. ه وقال في موضع آخر "وكان ابن عمر إذا كان شعبان تسعاً وعشرين نظر له فإن رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة أصبح مفطراً فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائماً قال وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب" أ. ه.
وبين ابن حجر ان المنفي عنهم الكتاب والحساب في حديث ابن عمر السابق هم اغلب اهل الإسلام الذين بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم عند تحديثه بهذا الحديث، أو أن المراد به النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عليه الصلاة والسلام ثم قال ابن حجر: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولو لم يكونوا يعرفون من ذلك الا النزر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لدفع الحرج عنهم في معاناة حساب التيسير واستمرار الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلاً ويوضحه قوله في الحديث الماضي (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل فسلوا أهل الحساب والحكم فيه كون العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم أ ه..
ومما يؤيد ما سبق أن علم الحساب لا ينضبط كما قال ابن تيمية رحمه الله كما أن الأخذ به يوقع الناس في حرج وكلفه فهم الآن مختلفون فيما بينهم ويتضح جلياً ما حصل في دخول هذا الشهر المبارك فمن الفلكيين من قال بأن دخول شهر رمضان لهذا العام هو يوم الخميس ومنهم من قال يوم الأربعاء فبأي رأي نأخذ؟!.
الوقفة الرابعة:
ان اثبات دخول الاشهر بالرؤية من سماحة الدين الحنيف ويسره ولطف الله بعباده فرؤية الهلال تكون من الصغير - البالغ - والكبير والحضري والبادي ويمكن ان ترى في الأمصار والفيافي والقفار ويراه المسافر والفرد والجماعة من الناس بخلاف الحساب فإنه مقتصر على خاصة الناس وهؤلاء الخاصة مختلفون فيما بينهم وفي هذا تكليف على الناس لو اعتمدنا على الحساب ومما يؤيد ذلك ايضا ان الشرع المطهر وضع حلا فيما لو كانت السماء بها قتر أو كانت ملبدة بالغيوم حالت دون رؤية الهلال بإكمال الثلاثين ولو كان الحساب له أصل لأمر به والله أعلم بعباده وأرأف بهم.
وختاماً أسأل الله عز وجل ان يجعل هذه الأسطر حججاً لنا لا علينا وان تكون دواءً شافياً لمن أخذ بعلم الفلك وضرب بالشرع عرض الحائط وان يلهمني وإياهم الصواب، والله ولي التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.