رغم تفوق المملكة على نظيراتها من دول المنطقة في توطين الاعلام، وتطوير هذه الصناعة تقنيا ونوعيا على مستوى العالم العربي، إلا أن الاعلام السعودي في الخارج حقق قفزات أعلى بكثير من نظرائه في داخل المملكة، بل وأن عددا من الكوادر الاعلامية المميزة وجدت طريقها إلى الخارج أيضا بحثا عن سقف أعلى للحرية يتيح مجالا للابتكار والابداع قد يكون مفقودا داخل السعودية بسبب القيود الكبيرة التي يواجهها رأس المال الإعلامي، خاصة في مجال التلفزيون.
ورغم عودة عدد من المؤسسات الاعلامية السعودية من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في السنوات القليلة الماضية، إلا أنها حطت رحالها في امارة دبي بدولة الإمارات بدلا من العودة إلى داخل المملكة، جاذبةً معها عددا من الاعلاميين والصحفيين السعوديين والسعوديات إلى دولة الامارات العربية المتحدة، ورغم أن بعضا من الصحافيين متواجدين بالخارج بسبب انتداب مؤسساتهم الإعلامية لهم، إلا أن عدداً كبيراً من الاعلاميين السعوديين فضلوا العمل في مؤسسات محلية وخليجية لها مراكز كبرى في مدينة دبي للإعلام على العمل في المؤسسات الاعلامية داخل المملكة.
ومن هذا المنطلق استطلعت "إعلام" في الجزء الأول من التحقيق آراء عدد من الاعلاميين والاعلاميات السعوديين بسبب توجههم للعمل خارج المملكة والرسالة الإعلامية التي يرغبون بإيصالها إلى المجتمع السعودي، وكانت هذه آراؤهم:
الإعلام السعودي غير متهم
بداية توجهنا بالسؤال الى الزميل الإعلامي التلفزيوني والصحفي الأستاذ تركي الدخيل والذي بدأ بالقول متحدثاً: (مجموعة mbc كانت تتخذ من لندن مقراً لها، لكنها انتقلت إلى دبي منذ خمس سنوات، وبعد انضمامي للمجموعة كان لا بد ان التحق بالمجموعة في مقرها الرئيسي في الإمارات،والإعلام السعودي إعلام متطور، مهنيته جيدة، وقد ارتفعت مساحات الحرية فيه كثيراً في السنوات القليلة الماضية، لكن الطموح أكبر مما تحقق، دون إنكار للمكتسبات والاستحقاقات.
وأضاف تركي الدخيل قائلاً: معظم الإعلام السعودي المهاجر يعود في مصادر تمويله إلى مستثمرين سعوديين، يبحثون عن الربحية، واختاروا الهجرة لسهولة إجراءات التوظيف،والسكن لجنسيات متعددة ومتفاوتة، وللخروج أحياناً من تشديدات بعض الأنظمة التي يلتزم بها الإعلام المحلي.
وأضاف: الإعلام السعودي ليس إعلاماً متهماً، حتى اتعامل مع ما يرد منه من أخبار بشيء من الريبة! ما ينطبق على الإعلام السعودي ينطبق على غيره من الإعلام، وإذا تحققت اشتراطات الخبر ومصداقيته قبل أياً كانت جنسيته.
ويتحدث الدخيل عن تجربتة بالقول: بنيت معظم تجربتي في الداخل، وهي ما استندت عليه في تجربتي خارج السعودية. وتوافر فرصة في الخارج لا تعني أنه لم تتحقق لي فرصة في الداخل، فقد قضيت أعمل في الإعلام داخل السعودية 11عاماً راسلت خلالها بعض وسائل الإعلام الأجنبي من داخل السعودية، ولم أجد مشكلة بتاتاً سواءً كان تلفزيونياً أو صحافياً ورقياً. ويمكن الجمع بين العملين الورقي والتلفزيوني كما في حالتي لأني مكلف ببرنامج أسبوعي، ويمكن أن أقدم أعمالاً صحافية. أو كتابة مقالات.
ويؤكد تركي الدخيل أن اقتراب الإعلام المحلي من الناس يجعل الإقبال على المتميز منه أكثر من الإعلام الخارجي.
وطالب الدخيل زملاء المهنة بأن يحترموا مهنتهم ليحترمهم الجمهور، وأن يرتقوا باحترافيتهم عن طريق التدريب، والتدريب للأسف شبه مفقود في مؤسساتنا الإعلامية.
تشجيع الإبداع والتميز
أما بالنسبة للزميل علي القحيص، فيرى أن مسيرة الإعلام السعودي تمر بمرحلة حراك داخلي وخارجي مستمر في ظروف صحية وسليمة، وتشهد الساحة الإعلامية السعودية تقدما ملحوظا على مستوى هامش الحريات الإعلامية الممنوحة لوسائل الإعلام المختلفة من قبل السلطات السعودية.
وأضاف "نحن كإعلاميين سعوديين في خارج المملكة، نشعر بالغبطة لعودة الإعلامي السعودي من الدول الغربية إلى الدول العربية، إذ أن الساحة الإعلامية شهدت بذلك تطورا واضحا وسط بيئة إسلامية عربية خليجية، وربما تكون مثالية وأكثر ألفة لممارسة العمل الصحفي، خاصة بعد بناء مؤسسات إعلامية تشجع الإعلاميين على الإبداع والتميز، وتوفر هامشاً كبيراً للحرية المسؤولة، وتنمي دور المرأة السعودية في وسائل الإعلام بشكل واضح وملموس".
ويقول علي القحيص "بدا الخطاب الإعلامي السعودي متميزاً ومؤثراً في الآونة الأخيرة، على الساحة الدولية والعربية والإقليمية، واصبح الإعلامي السعودي يشار إليه بالبنان، لاتزانه المعرفي وانظباطه الإعلامي وسلوكه الأخلاقي، فضلا عن أنه يتميز بالمصداقية وأعتقد أن هذا يعود للبيئة الإجتماعية والتربية والسلوك الأخلاقي"، ورغم التقدم الصحفي والإعلامي السعودي إلا أن السعودي يحتاج إلى مزيد من التأهيل ليكون أكثر وعيا ولباقة وحصافة وحصانة.
وأنا فخور بوجود إعلاميين سعوديين برزوا في وسائل الإعلام في مدينة دبي مثل (أ. داوود الشريان والأستاذ الزميل تركي الدخيل والأستاذ الزميل ناصر الصرامي وعبدالعزيز التويجري وعلي الغفيلي والأستاذ صالح الثبيتي وغيرهم من الزملاء والزميلات في الفضائيات والمؤسسات الإعلامية السعودية والخليجية.
وعن المشكلات التي تواجههم كإعلاميين في الخارج، قال: "يكاد يكون قلة التواصل مابيننا كزملاء ومابين إخواننا في الداخل، هو أكبر مشاكلنا، وذلك يعود لعدم وجود نادي ثقافي أو اجتماعي سعودي يجمعنا في مدينة دبي على سبيل المثال أسوة بالجاليات الأخرى المتواجدة في الإمارات.
ومن المشكلات الأخرى، هي مواجهة التحديات والمستجدات التي فرضتها صناعة الاعلام، فالإعلامي السعودي الآن أمام امتحان صعب، وإذا لم يتسلح بالعلم والمعرفة والمعلومة سيفقد بعض مصداقيته، التي يتمتع بها الآن، حيث أصبح المتلقي الآن في عصر الاتصالات والتكنلوجيا لديه خيارات كثيرة للبحث عن الأفضل، ويمكن للمتلقي أن يتنقل بين وسائل الإعلام الأخرى للحصول على المعلومة الدقيقة.
ولذا المطلوب الآن تبادل الخبرات والمعلومات والتواصل، لأن الإعلام الآن اصبح هو مصدر المعلومة.
وأوضح القحيص "لم يعد الإعلام وسيلة تقليدية بين مُرسل ومستقبل، بل اندمج الطرفان بعد مرحلة ثورة الاتصالات والمعلومات ودخول الاسثمارات الكبيرة في المجال الاعلامي، واليوم مثلا وصل عدد محطات البث الفضائي في مدينة دبي إلى أكثر من 250محطة ووسيلة إعلام، والدراسات تشير إلى أن التغيير النوعي في الاعلام قليل جدا بالقياس إلى الكم الهائل من وسائل الاعلام في المنطقة، والتي هي في كثير منها يفتقد إلى الأصالة والإبداع الحقيقي والعمق الفكري".
ويتابع "أمامنا الآن تحديات كبيرة تفرضها الصراعات والتفاعلات السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية، والتي تكاد تنذر بأخطار فادحة، ما يُلقي على الإعلامي مسؤولية كبيرة في درء الخطر والدفاع عن بلاده في إدارة النقاش وفتح الحوار واتساع الرؤية حول القضايا الخلافية، والمساعدة على كشف خلفيات الأحداث مع الاهتمام بالقضايا المصيرية الأساسية للحفاظ على هويتنا العربية الأصيلة والانتماء الحقيقي والدفاع عن بلاده بطريقة حضارية، لأن الإعلام أصبح الآن السلاح الوحيد الذي يؤثر، يسمع، ويؤلب ويطاع".
وشدد على أن "الآمال التي يعلقها مجتمعنا على الإعلامي السعودي كبيرة ليجندوا أقلامهم وينيروا أفكارهم وينموا إبداعاتهم من أجل تعزيز مسيرة المملكة الظافرة نحو التقدم والتطور والازدهار والبحث والكشف عن العقول المتفتحة والموهوبة لثبات الإنسان واعتزازه بدينه ووطنيته وعروبته وثقته بنفسه وقدراته الإبداعية لخدمة وطنه".
الاعلام السعودي بخير
أما المذيع السعودي علي الغفيلي في قناة تلفزيون (الآن) في دبي فعزى السبب الذي يدفع الإعلامي السعودي للعمل خارج المملكة إلى أنه "لابد على الإعلامي ألا ينظر تحت قدميه منتظرا رزقه حتى يأتيه، وأنا بذلك لست مؤيدا للهجرة أو الغربة إن صحَ التعبير.
ويرى أن أهم ما في الأمر هو أن "تكون الفكرة مدروسة لأن الغربة ليست سهلة وبالتالي يجب على الإعلامي ألا ينظر حتى للإعلام الخارجي على أنه منزه عن المساوئ والأخطاء وعمليات تضييق الخناقات على كافة الأصعدة والمجالات".
وأضاف "يبقى القول بأن هذا هو مجال الإعلام، ومن الطبيعي أن تكون فيه مثل هذه الأمور، ولكن مهما طال الزمن فلن يبقى سوى الأصلح والأنسب، ولو كثر اللغط والحديث والشجب والاتهام والإنكار".
ووجه الغفيلي كلمة مهمة لإخوانه وزملائه من الجنسين في المملكة "بأن إعلامنا فيه من الخير ما منّ الله عليه به، وفيه كذلك من المساوئ كغيره من وسائل الاعلام الأخرى في الخارج.
ولكن يجب على الإعلامي السعودي إن لم تُمنح له الفرصة أن "يبحث عن الشخص المناسب الذي يأخذ بيده ليرتقي بمستواه".
الإعلام المهاجر مكمل للإعلام الداخلي
أما الإعلامية السعودية إبتسام الحبيل وهي معدة ومقدمة برامج في قناة الاقتصادية السعودية التي تبث من دبي وتعمل كمديرة لإدارة البرامج تقول: "لا يوجد سبب محدد بعينه للانتقال من المملكة للعمل في دبي وأنا أخذت فرصتي في المملكة من خلال قناة الإخبارية التي بدأت معها مشواري أما العمل في الإمارات فكان عبارة عن عرض عمل قدم لي وناسبني من عدة جوانب ولعل أهمها أني أعمل في مدينة خليجية وفي ما يخص العمل خارج المملكة فكان فرصة مناسبة لي لأوسع نطاق عملي وأتزود بخبرة الإعلاميين الآخرين وأطور مهاراتي الإعلامية خاصة في مدينة دبي للإعلام والتي تحتوي على العديد من المؤسسات الإعلامية الدولية والإقليمية وهي فرصة ثمينة سواء بالنسبة لي أو لغيري من الإعلاميين السعوديين والإعلام السعودي في الإمارات حقق نجاحات واستفاد من تجارب الدول الأخرى واستطاع بناء كفاءات وقدرات إعلامية كبيرة والحضور الإعلامي السعودي في الإعلام مر بمراحل عدة وتطور عبر مراحل في الكم والكيف" وأضافت ابتسام الحبيل فيما يخص تمويل ودعم المؤسسات الإعلامية خارج المملكة وتفنيداً لما يقال هنا وهناك تؤكد الحبيل على أن الإعلام السعودي الخارجي مستقل مادياً وتنظيمياً والإعلام السعودي المهاجر خارج البلاد هو مكمل للإعلام داخل المملكة وأتطلع كإعلامية سعودية إلى أن تساهم هيئة الصحافيين التي يقودها أستاذنا الكبير الإعلامي المخضرم الأستاذ تركي السديري رئيس هيئة الصحفيين السعوديين ورئيس اتحاد الصحافة الخليجية إلى أن يساهم في تعزيز مكانة الصحفي السعودي وتسهيل دوره الإعلامي وإزالة بعض القيود الموروثة داخل المجتمع السعودي وبعض المؤسسات الحكومية خاصة وأن رئيس الهيئة يعتبر رمزا من رموز الصحافة السعودية لذلك نتوقع كإعلاميين أن تعزز الهيئة دور الإعلاميين السعوديين وحماية حقوقهم".
في الجزء الثاني من التحقيق:
ناصر الصرامي: إعلامنا أقل من الطموح!
ماجد الفاسي: الصحوة جاءت متأخرة!
مها السراج: دبي أكثر انفتاحاً من أي مكان آخر!