المجتمعات العربية تشب ومجتمع أوروبا يشيخ .. ولكُلِّ تحدياته:
يشكو المجتمع الأوروبي من الشيخوخة حيث يتدنى عدد المواليد باستمرار لعدة أسباب من أهمها الإباحية الجنسية التي جعلت كثيراً من الرجال يعزفون عن الزواج، حتى إن كثيراً من المواليد جاءوا سفاحاً ترعاهم مؤسسات حكومية أو خيرية أو أمهاتهم بغياب الأب إما لأنه مجهول أو قضى وطره المحرم واختفى حين علم بحمل صاحبته، يضاف إلى هذا السبب الشنيع ارتفاع عدد النساء العاملات بشكل هائل جعل الكثيرات يعزفن عن الإنجاب لأنه يعوق العمل وقد يقطع الرزق، ومع أن بعض الحكومات الأوروبية كألمانيا والسويد والنرويج تدفع بدل تفرغ للمرأة العاملة إذا أنجبت تشجيعاً على الإنجاب، وهو بدل يصل إلى ستة آلاف ريال لمدة سنتين تقريباً، وتدعم دور الحضانة للسنوات الثلاث من عمر الطفل، تشجيعاً على الإنجاب بعد أن دقت نواقيس الخطر في المجتمع الأوروبي وتحدث مفكروه ومخططوه عن إمكانية انقراض الجنس الأوروبي بعد خمسة أو ستة أجيال (في ألمانيا بالغوا فقالوا أربعة أجيال)..
يضاف إلى تناقص عدد المواليد في المجتمع الأوروبي ارتفاع معدل الأعمار بسبب الرعاية الصحية والوعي وحسن التغذية أو الاعمار بيد مسبب الأسباب عزَّ وجلّ.
أما في المجتمعات العربية كافة فإن عدد الشباب (تحت سن الثلاثين) يفوق عدد الشيوخ لعدة أسباب أهمها حض الدين الإسلامي الحنيف على الزواج والإنجاب، وحتى لو حاول الرجل تقليل أو الحد من نسله فإن المرأة تتحايل على ذلك لغلبة غريزة الأمومة ولاعتقادها أنها تربط زوجها بأكبر عدد من الأولاد فلا يتزوج عليها ولا يطير من يديها..
ومجتمعنا السعودي بالذات لعله أكثر المجتمعات العربية وربما العالمية في نسبة عدد الشباب (منهم تحت سن الثلاثين) لعدد الشيوخ، لتأصل السببين السالفين في مجتمعنا الإسلامي العريق، وتعدد الزوجات، ولاعتقاد العربي أن كثرة الأولاد (عز ومعزة) و(منعة وقوة).
وأعتقد أن كثرة السكان وأن المجتمع الشاب كل هذا فيه الخير إذا أُحسن التخطيط واستبقت المشكلات بالحلول..
مشكلات شيخوخة المجتمع
إن المجتمع الذي يشيخ يفتقد للأيدي العاملة الجيدة التي تنتج وتدفع الضرائب، كما أن كثرة الشيوخ مكلفة جداً في الرعاية الصحية والاجتماعية، غير هاتين المشكلتين هناك ما هو أدهى وهو تهديد المجتمع بالانقراض على المدى الطويل.
مشكلات المجتمع الشاب
وهي كثيرة أهمها البطالة والاسكان وتحصين الشباب ضد التطرف أو الانحلال وحسن التربية والإعداد..
إن هذا يجعل المخططين في مجتمعنا السعودي - وهم ليست وزارة الاقتصاد والتطخيط فقط بل وزارات التربية والتعليم والجامعات والعمل والثقافة والإعلام ورعاية الشباب والداخلية، كل هذه الجهات وغيرها من الشركات ورجال الأعمال، المصارف، والقطاع الخاص بشكل عام لا بد أن تتضافر جهودها جميعاً لإعداد واستقبال ملايين الشباب المقبلين على الجامعات ثم على سوق العمل، وما يحتاجونه من متطلبات كالسكن والخدمات الأخرى وفي مقدمتها الترفيه البريء والترويح عن النفس.
نشر ثقافة العمل
إن مناهج التعليم ووسائل الإعلام حكومية وغير حكومية، يحسن بها أن تنشر ثقافة العمل الجاد في صفوف الشباب، وتحفزهم لإنشاء أعمال خاصة وتساعدهم في إعداد دراسة الجدوى، مع توسع البنوك في إقراض الشباب الراغبين في إنشاء أعمال خاصة ومؤسسات صغيرة وفق دراسة جدوى جادة، كذلك البنوك الحكومية وفي مقدمتها بنك التسليف الذي أصبح - مشكوراً - يدعم المؤسسات الصغيرة بقروض ميسرة وبدون فوائد..
كما أن تركيز مناهج التعليم ووسائل الإعلام على أهمية احترام الحرف اليدوية وحضّ الإسلام الحنيف عليها وحبه لأهلها يشجع الشباب على الانخراط في المهن والحرف اليدوية التي يحتاجها مجتمعنا بشكل كبير ومستديم، ومما يشجع الشباب على قبول الحرف والمهن تصحيح نظرة المجتمع ككل لها، وتوضيح بيئة العمل الحديثة التي وفرت لأصحاب الحرف الآلات المريحة، والتأمينات الاجتماعية، والكسب الكبير، فإن ما يكسبه الكهربائي مثلاً في الشهر يعادل راتب خريج الجامعة في سنة، هذا وهو يعمل وحده فكيف إذا كون مؤسسة متخصصة في حرفة الكهرباء أو إصلاح السيارات أو الصيانة.. ونحو هذا .. إن الآفاق تُفتح أمامه بلا حدود طالما كان طموحاً جاداً في العمل..
كما أن القطاع الخاص مطالب - ولمصلحته على المدى - بتوظيف الشباب السعودي وتدريبهم لأنهم هم زبائنه الحقيقيون، وقد فعلها (فورد) صانع أول سيارة فوظف الشباب الأمريكي برواتب عالية فاشتروا منه سيارات هائلة العدد..
دراسة التركيبة السكانية
تقوم لدينا في المملكة مشاريع هائلة: مدن اقتصادية ومالية، مدن كاملة، شركات مساهمة عملاقة جديدة ومصارف، مشاريع حكومية كبرى..
إن كل هذا لا بد من توظيفه لاستيعاب الشباب السعوديين المقبلين على سوق العمل، خاصة أن هذه المشاريع والمدن في أولها..
إن ذلك يقتضي التنسيق العملي بين إدارات المدن الاقتصادية والشركات الكبرى ورجال الأعمال، مع وزارة التربية والتعليم والجامعات والمؤسسة العامة للتعليم المهني والتقني، بحيث تتوافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل.. وبدون هذا التنسيق العملي الجاد سنظل ندور في حلقة مفرغة.. المزيد من المتعلمين + المزيد من العاطلين..
ينبغي إذن أن تُدءرس التركيبة السكانية وفق آخر تعداد وتضع برامجها المستقبلية على ضوئه مع سرعة التنفيذ كي لا تُطل علينا مشاكل تظل مستعصية في مقدمتها (البطالة) (قلة المساكن المتاحة وارتفاع أثمانها وإيجاراتها) سوء التربية والإعداد ونحو ذلك..
مجتمع ومجتمعات
يلاحظ أننا عبرنا عن أوروبا بلفظ المجتمع المفرد، ثم قلنا المجتمعات العربية بصيغة الجمع لأن أوروبا استطاعت أن تتوحد اقتصادياً بشكل جاد، في عملتها وسوقها ومصالحها، والأمة العربية لم تستطع تحقيق ذلك ولااقتصادياً رغم أنها الأجدر به لمتانة الروابط.. إنني أنادي بما سبق أن نادى به رئيس تحرير هذه الجريدة الأستاذ تركي عبدلله السديري من دعوة المواطنين ورجال الأعمال والمسؤولين عن الاستقدام لتفضيل العمالة العربية على غيرها فهذا أفضل من كل النواحي وفيه جزء من التكامل.