بعد نكبة فلسطين وتهجير معظم المواطنين هناك، بدأ مسلسل آخر لم يكن هذه المرة إلا نتيجة لصراعات سياسية وضعتنا في قائمة الشعوب الأقل، ارتباطاً بوطنيتها وأرضها وقوميتها، فقد أحدثت الانقلابات العسكرية والتأميمات غير المنطقية هجرة الأموال والعقول إلى مواقع أكثر أمناً، حتى إن بيروت الستينيات والسبعينيات، أي قبل الحرب الأهلية عمرتها وتسببت في ثرائها ونمو مشاريعها، الأموال الهاربة من التأميم، وبعض مستثمري دول الخليج، والأجانب من دول العالم.
الاستقرار عمل لا يتم من خلال انتشار القوة السرية للمباحث والاستخبارات وسطوة السلطة، ولا نعتقد أن هناك تجربة حادة بنت أسلوبها على العملية البوليسية، مثل شاه إيران وصدام حسين وبقية دول أخرى لا تزال تفكر بالعقلية الستالينية، ومع ذلك سقطت تلك الزعامات ودولها ودفن معها بوليسها وكل أذرعتها القابضة على السلطة، لكن ما هو أكثر جبروتاً وبطشاً جاء من انفلات الأمن حين توزعت الدائرة على زعماء المليشيات، ورأينا كيف أن لبنان المزدهر هو من فجّر الحرب الأهلية لتذهب أفضل العقول والأموال إلى البر العالمي مستفيدة من تلك الكفاءات، ونشهد الآن مرحلة الطرد الكبرى، بعد التهجير القسري من العراق إلى الفضاء الخارجي.
فقد أخرج صدام حسين ما يزيد على ثلاثة ملايين، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، بين مطرود ومشرد، وأضاف الأمريكان أكثر من هذا العدد بسبب احتلالهم، فشملت الهجرة الفرضية أو المفروضة شيعة وسنة وتركمانَ ومسيحيين وغيرهم، ولو كان دافع المغادرة للوطن هوعوامل الفقر وشح الموارد لكان هذا مقبولاً، لكن العراق غني بموارد لم تملكها دول أصبحت في نادي الأثرياء والتقدم التقني والحضاري، وبدلاً من صراع الأحزاب، البعث، والشيوعيين، والقوميين، تقاتَل على أشبار الأرض وعائدات النفط باسم المذهب، مليشيات أصحاب الديانة الواحدة الذين عجزوا عن أن يجعلوا القرآن الكريم حكمهم وقاضيهم، ولأول مرة في تاريخ العراق تُهدم المساجد والكنائس ودور العبادة لكل الملل والنحل، وقد دقت مسامير كبيرة وكثيرة في نعش تاريخ واحدة من أقدم الحضارات ولدت وعاشت على أرض النهرين، ومن يفهم العراق وطبيعته وتنوعه الاجتماعي يدرك أن المأساة توالدت من خلال سلسلة من المؤثرات الدينية والقومية، وصار الوطن معروضاً في مزادات سماسرة جاءوا من رحم أزماته وتحولوا إلى عدو بثوب هوية المواطن..
الصومال، والسودان، والجزائر، حولت لاجئيها إلى عبء على الدول المجاورة، ومهما اختلفت محنة كل بلد، إلا أن الأصل في المأساة جاء من محركات دينية وقبلية، بأثواب تدعي الإخلاص للوطن، ولا ندري لماذا المخلصون (بالادعاء) هم من يشكلون المأساة ويبتدعون الحروب، لأن الآخرين يقعون في تصنيف الأعداء حتى لو كانوا يملكون نفس الأهلية والحق، وكأن الوطن مجرد وعاء لا تفرخ فيه إلا الأحقاد التي بنت أهرامات الجماجم في سبيل قضايا خاسرة وظالمة للوطن..
الوطن العربي أصبح أهم مصدّر للبشر بالطرد القسري، والذين غرقوا بهذه المآسي يريدون تصدير هذا الوباء لغيرهم، ونستغرب كيف تعايش شعب قارة مثل الهند، وإقليم هائل المساحة مثل البرازيل، وكيف استطاعت ماليزيا بحجمها المتوسط أن تذيب أقلياتها وأديانها وقومياتها في شعب يلتقي على المصلحة الوطنية، ويتقدم ألف خطوة على كل الوطن العربي؟
من ينقذنا من أنفسنا، كيف ننقاد إلى غرائزنا بتفجير الحروب، ونصبح لعبة الأمم وناقل طاعون الموت بالإرهاب وتصدير فكر الكراهية، ثم ندعي أننا أمة حضارة وتاريخ؟