قامت مدينة الرياض "العاصمة" على كثير من حكايات الهجرة وآلامها وأساطيرها. وما زال الكثيرون ممن جذبتهم هذه المدينة الأم يروون كيف دخلوها. وكيف اعترفت بهم وأصبحوا جزءاً من نسيجها الاجتماعي وحكايتها العميقة والمتشعبة في كل جزء من بلادنا. من أقصاها إلى أقصاها. في كل بيت حكاية أو حكايات كلها جديرة بالكتابة والتوثيق. إنها حكاية الوطن بمجمله، بلهجاته، بثقافاته، بتنوعه، بفقره، بأغانيه وأساطيره.
إن تاريخ الرياض الاجتماعي الحديث مصدر إلهام لا يفوقه مصدر آخر. لمن أراد أن يكتبنا. أن يكتب مصائرنا.
في هذا الصيف. كنت في الجنوب. وكنت أسأل أهل القرية عن لحظة وصولهم إلى الرياض. عن لحظة اقلاعهم من القرية، عن حكايتهم. عن سيرة قرية ومدينة. قريتي "آل خلف" ومدينة الرياض. كل منهم روى حكايته على حدة. وكلهم أجمعوا على اسم واحد. هو الشيخ محمد بن ضاوي الذي كان يومها مديراً لجوازات الرياض.
كان الشيخ عريفتهم وأباهم في الرياض. وكان يعرف الجنوب قرية قرية، وكان يعرف مشايخ القبائل ونواب القرى والبادية والجبال القصية. وذلك بحكم عمله في استحصال الزكوات من أهالي الجنوب أو ما يسميه صديقي سعيد بن علي ب "ساق الغراب".
وسعيد هذا هو أحد الرواة الثقات لأنه أمضى عمره كله في شرطة الرياض. وما زال مقيماً بها إلى أن يشاء الله.
يقول صاحبي سعيد. كنا نصل إلى الرياض بورقة تعريف من نائب أو شيخ. لكن لا أحد يعرفهم أو يعرفنا في الرياض. فيطالبوننا بتصديق من العمدة. وليس من عمدة يغامر في تعريف من لا يعرف. ولم يكن أمام الجنوبيين عموماً إلا ذلك الأب الذي حبانا الله اياه. كان القادم يلجأ إليه فيسأله عن قريته، عن نائب القرية عن شيخ القبيلة، عن بعض أفرادها. فإذا تطابقت معلوماتهما أمضى الشيخ محمد بن ضاوي على الورقة وأصبح الجنوبي بعدها في حل من أمره.
لو كنت أملك مالاً لنشرت هذه المقالة في صفحة كاملة في كل الجرائد السعودية. إن الشيخ محمد بن ضاوي جدير بأكثر من هذه المقالة. جدير بأن نعلق اسمه في بيوتنا وقلوبنا وذاكرتنا. هذا الرجل الذي كان مأوى الجنوب في هذه المدينة الأم.
يروي صاحبي سعيد أنه قبل فترة. كان مقرراً لأحد أبناء القرية أن يسافر مبتعثاً إلى أمريكا. وكان يلزمه تعريف من شيخ القبيلة قال سعيد. ذهبت به إلى الأمير سلمان بن عبدالعزيز وقلت يا طويل العمر يطلبون توقيعاً من شيخ القبيلة وأنت شيخ المسلمين. فوقعها سموه مباشرة. والحكاية أعني حكاية الوطن جديرة بالكتابة.