الرئيسية > الرأي

وباء الغلاء.. وعلى الباغي تدور الدوائر!


د. عبدالله بن إبراهيم الجريفاني

رفع الناس عقائرهم - في الآونة الأخيرة - يشكون غلاء الأسعار، وارتفاع تكاليف المعيشة، وما استتبعه ذلك من شح الموارد المالية وانتزاع بركتها، إذ صار الغلاء كالخلايا السرطانية التي تنهش في جسد هذا المجتمع بلا هوادة، وتنتقل من مجال إلى مجال، ومن سلعة إلى أخرى، ولم يسلم من هذا الوباء إلا الهواء الذي نستنشقه، ولو طاله هذا السعار وتمكنت من السيطرة عليه فئة التجار لصارت شريحة كبيرة من مجتمعنا في خبر كان وبئس القرار!!.. حتى أصبح الناس يضربون أخماساً في أسداس بغية الوصول إلى نهاية الشهر وفي جيوبهم ما يحفظ لهم كرامتهم، ويصون ماء وجوههم عن ذل السؤال.

ولعل الذي يجهله كثيرون منا أن الغلاء إذا أصاب مجتمعاً واستفحل فيه أتى على يابسه قبل أخضره، وأضر بغنيه وفقيره على حد سواء، وإذا لم يتضافر أبناء المجتمع سواء من التجار أو من أصحاب القرار في كبح جماحه فإننا سنشرب من كأس واحدة مترعة بالألم والمرارة، ولعلي استحضر في هذا السياق قصة الغلاء الذي اجتاح مصر في عهد المستنصر بالله الفاطمي "توفي سنة 487ه"، إذ يروي ابن تغري بردي قصصاً تؤكد انه لم يسلم من هذه الآفة فقير ولا غني، واختار من الصور والأحداث التي رواها ما يلي:

1- بيع رغيف واحد بخمسين ديناراً.

2- ظهروا على بعض الطباخين انه ذبح عدداً من الصبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها. وأكلت الدواب بأسرها، فلم يبق للمستنصر سوى ثلاثة أفراس بعد أن كانت عشرة آلاف ما بين فرس وجمل ودابة.

3- بقي المستنصر هذا يركب وحده، وخواصه ليس لهم دواب يركبونها، وإذا مشوا سقطوا من الجوع!، وآل الأمر إلى ان استعار المستنصر بغلة يركبها من صاحب ديوان الإنشاء.

4- بيع الكلب بخمسة دنانير، والسنور "الهر" بثلاثة دنانير لأكلها!!.

5- نزل الوزير أبو المكارم وزير المستنصر على باب القصر عن بغلته وليس معه إلا غلام واحد، فجاء ثلاثة وأخذوا البغلة منه، ولم يقدر الغلام على منعهم لضعفه من الجوع فذبحوها وأكلوها، فأخذوا وصلبوا،، وحينما أصبح الناس لم يروا إلا عظامهم، فقد أكل الناس في تلك الليلة لحوم المصلوبين!.

6- دخل رجل الحمام فقال له الحمامي: من تريد أن يخدمك سعد الدولة أو عز الدولة أو فخر الدولة؟.. فقال الرجل: أتهزأ بي! فقال: لا والله، انظر إليهم، فنظر فإذا أعيان الدولة ورؤساؤها صاروا يخدمون الناس في الحمام لكونهم باعوا جميع موجودهم في الغلاء واحتاجوا إلى الخدمة!!! "انظر: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لابن تغري بردي".

لم أسرد هذه الصور الواقعية التي روتها كتب التاريخ لأزيد من حسرة الناس الذين لم يعد لهم في قوس الصبر منزع، بل أوردتها لمن يظن انه بمنأى عن تبعات الغلاء بما يملك من مال؛ لتراه يهتبل الفرصة بعد الأخرى ليزيد من ثروته ويثخن في جراحات الفقراء وغيرهم ممن يسافرون إلى حظيرة الفقر؟!.

نعلم أن الغلاء موجة عالمية اجتاحت معظم أصقاع هذه المعمورة، ونعلم ان التاجر مرتهن في تجارته بعوامل عدة يحدد على أساسها أسعار بضائعه، ونعلم أن عملية العرض والطلب هي من يتحكم في سعر المنتج... ولكن ما لا نعلمه ونعجز عن فهمه هو:

1- إذا كان بعض التجار يحتج لارتفاع أسعار سلعته بارتفاعها في بلد المنشأ فما بال بعض منتجاتنا المحلية أضحت تسابقها في الارتفاع؟!، رغم اننا نعلم ان تلك المنتجات المحلية هي أكبر المستفيدين من بقاء ربط سعر صرف الريال بالدولار وانخفاض القوة الشرائية للريال السعودي، إذ تسهم هذه الأمور مجتمعة في انخفاض تكاليف منتجاتهم مما يجعلها تنافس بقوة في الأسواق الدولية؟!.

2- ما المسوغ الذي جعل بعض المنتجات الغذائية ترتفع إلى أكثر من 100% خلال أشهر معدودة دون رقيب أو حسيب؟!.

3- هل أسهمت وزارة التجارة في وضع الأطر العملية التي تقنن هذه الزيادات بما يتلاءم مع المستجدات العالمية، وبما لا يضر مصلحة التاجر والمواطن على حد سواء؟!، أم انها اكتفت بالتصريحات التطمينية التي لم يقتنع بها أحد؟!.

4- ما السبب الذي دفع بعض التجار السعوديين - أبناء البلد - إلى تخزين بضائعهم وحجبها عن السوق حتى تصل إلى الأسعار التي ترضي نهمهم وجشعهم؟!.

5- لماذا يعمد بعض التجار السعوديين - أبناء البلد - إلى وضع بعض العروض الترويجية "المخادعة" في متاجرهم دون رقيب أو حسيب؟!.

6- ألا يخشى من يتحكم في مصائر الناس ويثقل كواهلهم من التجار والمسؤولين الذين يسهمون في تأجيج الأسعار أن تدور عليهم الدوائر فيندمون ولات ساعة مندم؟!!.

7- لماذا أصبح المواطن السعودي يبحث عن المنتج الرخيص - بغض النظر عن جودته - بعد أن كان لا يرضى إلا بالأجود لأنه ابن هذا الوطن الكريم.

وختاماً.. ألم تشعر - أيها القارئ الكريم - في ظل هذا الغلاء المفرط والصراع المحموم على ما في جيبك بأن كل شيء قد زاد ثمنه إلا شيئا واحدا.. أتدري ما هو؟، انها قيمة الإنسان التي تتناقص أمام هذا الزحف المادي.. غلاء لا يرقب في مسلم إلاًّ ولا ذمة، وبعض موادنا الغذائية مسرطنة، حتى أطفالنا لم يسلموا من هذا الجشع فاستوردوا لهم ألعاباً يلهون بها ساعة ويعانون من ويلاتها ألف ساعة!، فإلى أين نحن ذاهبون؟!!.

@ صرخة أنهكها الغلاء:

أيها المصلحون ضاق بنا العي

ش ولم تحسنوا عليه القياما

عزّت السلعة الذليلة حتى

بات مسح الحذاء خطباً جساما

وغدا القوت في يد الناس كاليا

قوتِ حتى نوى الفقيرُ الصياما

ويخالُ الرغيفَ في البعد بدراً

ويظن اللحومَ صيداً حراما

وأغيثوا من الغلاء نفوساً

قد تمنّت مع الغلاء الحِماما

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 15

  • 1
    حسبي الله ونعم الوكيل ربي انا مسنا الضر وانت ارالراحمين

    ح. الدواس - زائر

    04:16 صباحاً 2007/09/19


  • 2
    لقد اثلجت صدورنا يا دكتور عبد الله الجريفاني بهذا الطرح المتميز ووضعت النقاط على الحروف لتجسيد موجه الغلاء الفاحش التي اجتاحت الوطن حتى في منتجاته المحلية إن الجشع الرهيب الذي مزق جيوبنا دون رحمة. اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا وكون عونا لنا في المحن إنك ولي المستضعفين فأنت رب العالمين.
    عبد الرحمن منشي.

    عبدالرحمن سراج منشي - زائر

    06:52 صباحاً 2007/09/19


  • 3
    اشكرك يا سيدي على ما قلته في هذا الموضوع وهذا يدل على وطنيتك وحبك لابنا بلدك وانا متاكد ان حالك ميسور لكنك ابيت ورأيت منكرا وغيرت ولو بقلبك وذلك اضعف الايمان حتى في الغرب يرحمون فقرائهم ونحن مسلمين ويحثنا ديننا ان لا ضرر ولا ضرار وانا اتسائل لو قامت القيامه اليومين ذول هل تنفعهم اموالهم ؟ ولكم في عثمان بن عفان رضي الله عنه اسوه حسنه حيث تبرع بكل ما يملك للمسلمين هنا يبرز عمل الحكومه لحمايت الغلابه امثالي من هذا الغلا الفاحش وآمالنا معقوده على ملك العروبه والاسلام ان يتدخل في هذا الموضوع لينقذ مايمكن انقاذه والله المستعان على مايصفون هؤلا التجار.

    حامد الريد - زائر

    08:28 صباحاً 2007/09/19


  • 4
    صدقت والله يادكتور عبدالله في ماقلت واعتقد سيكون بعد فترة من الزمن ان لايكون هناك طبقه وسطى بل سيكون طبقتين فقط اما غنيا او تحت خط الفقر

    ابو تركي - زائر

    09:00 صباحاً 2007/09/19


  • 5
    الغريبه الحكومه لم تحرك ساكن لا اعلم لماذا مع العلم ان القاصي والداني يعرف حرص القياده على ماينفع المواطن حتى لو جعلها تدعم الاسعار لكي يخف الحمل عن كاهل المواطن الذي لم يرى خير من بعد زياده الرواتب حيث زادت الرواتب من جهه وابتدا الجشع من جهات حتى بات المواطن خسران من الزياده

    خالد بن عبد العزيز - زائر

    09:05 صباحاً 2007/09/19


  • 6
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أسعد الله صباحكم بكل خير ومودة وإحترام
    أعقب على كلام الأخ الدكتور عبدالله الجريفاني في نقطة معينة ألا وهي غلاء الأسعار المحليه.. بالنسبة للتجار المحليين فقد أعماهم الطمع والجشع وأصبحوا لايرون إلا أنفسهم !
    لماذا لم يروا المواطن المكافح الذي راتبة لايتعدى ( 1200 ) ألف ومائتان ريال ولديه زوجة وأطفال ومنزل يصرف عليه... ؟؟ ماذا يكفي راتبه ؟؟ وماذا يسد ؟؟
    لاتلومونه حينما يلجأ إلى السرقه ليأكل أطفاله الطعام. أو تتراكم عليه الديون من كل حدب وصوب. ماهو شعوره حينما يريد أحد من أطفاله أن يأكل وهو لايملك شيء.
    والمشكلة أن الأسعار في إزدياد. مستمر
    والأسعار الحالية صدقوني بعد فترة سوف نقول إنها رخيصة وليتها ترجع لأننا وللأسف ((( من سيء إلى أسوأ )) والأسعار من (( غالي إلى أغلى ))
    ولكم مني كل تحية وتقدير.

    أبو رتيل - زائر

    10:48 صباحاً 2007/09/19


  • 7
    النار ما تحرق الا رجل واطيها من يتكلم من المسئولين عن الغلاء يتكلم عنه وهو غير شاعر به لانه يحصل على مخصصات واشياء اخرى اما المواطن المسكين كيف يعيش وكيف يصرف فهو اخر اهتماماتهم قولوا لي بربكم كيف يعيش من يعول اسره وراتبه لا يتجاوز 2000 ريال او متقاعد ويستلم 1750 ريال هل فكر المسئول بهؤلاء اما يخشى الله اين الرحمه هل عدمت من قلوبهم اما يظنون ان الله غافل عما يعملون

    ابو عبدالله الرياض - زائر

    12:04 مساءً 2007/09/19


  • 8
    يلعبون ويضحكون على ضعاف المستهلكين ؛؛ ووزارة التجارة في خبر كان
    جشع واستغلال هل يعقل ان يصل سعره الآن الى اعلى من 200 ريال؟!!
    الله المستعان

    ابوعبدالله - زائر

    12:50 مساءً 2007/09/19


  • 9
    أشكرك اخي عبدالله على طرح هذا الموضوع والذي أَرَق الكثير منا.
    ألا ليتهم يعتبرون من "سعد الدولة و عز الدولة و فخر الدولة"
    والله المستعان.

    فهد الجريفاني - زائر

    12:51 مساءً 2007/09/19


  • 10
    ياساتر أجل الدولة الفاطمية كانت آكلة لحوم بشر

    محمد الشمري - زائر

    01:01 مساءً 2007/09/19


  • 11
    نعم لله درك يابو ابراهيم
    بس للأسف (ماعندك احد)

    ابوراما - زائر

    01:10 مساءً 2007/09/19


  • 12
    شكر الله لك يا دكتور/ عبدالله
    لقد كتبت فأفصحت، وعرضت عرضا مؤثرا لمن له قلب.
    فبارك الله فيك وفي قلمك، وجعلك دوما سندا للضعيف والمحتاج.

    د. عبدالعزيز الخريف - زائر

    02:16 مساءً 2007/09/19


  • 13
    من امن العقوبة اساء الأدب.. نحن في بلد لايوجد فيها نظام

    عماد السحيباني - زائر

    02:34 مساءً 2007/09/19


  • 14
    اذا لم يأتي الحل من الدوله ممثله بوزارة التجارة فماهوا الحل؟
    لابد ان يقف الشعب السعودي وقفة رجل واحد له كلمة واحدة تتغلب على جشع التجار وغيرهم, وفي اعتقادي ان افضل حل في هذا الوقت هي المقاطعة فقد قام بعض الإخوة مشكورين بإنشاء موقع للمقاطعه واوضع البديل للبضائع المبالغ بسعرها. فلابد من المقاطعة اذا اردنا ان تعود الأسعار لأقل من اسعارها في السابق, فقد رأينا تأثير المقاطعه على اقتصاد دوله وليس اقتصاد حثالة تجار يريدون نهب المواطن في غياب او تغايب من وزارة التجارة.

    مساعد بن ابراهيم - زائر

    01:10 صباحاً 2007/09/20


  • 15
    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    أما بعد
    ان اصابنا خير فمن الله , وان اصابنا شر فمن أنفسنا وبسبب ذنوبنا
    واذا قلنا الغلاء قد زاد واستفحل فعلينا مراجعة اعمالنا والاستغفار من الذنوب
    رأينا الربا متفشي عيانا بيانا والناس تتهافت عليه ولا يخلو انسان الامن رحم الله الا ولديه قرض ربوي
    القمار والميسر متفشي امام الناس وفي شهر رمضان بدون حياء ( ارسل sms لتدخل السحب على سيارة BMW )
    الاسراف في تحضير الاكل وفي حديث لا احفظ نصه بالضبط ولكن معناه ان الله يغدق نعمته على الناس حتى يطأوها ثم يمسكها عنهم حتى يشتهوها
    بقايا الخبز. بقايا الرز. يقايا اللحم. يقايا الخضار يرمى في الزبالة. مع وجود من يتقطع قلبة على كسرة خبز.
    الصلاة لا تؤدي على اكمل وجة ولا في المسجد
    الرشوة منتشرة بشكل رهيب
    مماطلة الاغنياء وعدم تسديد ديونهم
    والاهم من ذلك عدم التوازن في صرف الراتب ونفاقة على الكماليات والسفريات
    والكثير من الاخطاء لو اسردها ما كفا لها يوم حتى احصرها
    لكن اذا لم يفطن الناس لانفسهم وانا منهم ولا ابرئ نفسي واستدركنا الوفت بدل الضائع وقمنا بتصحيح اخطائنا فسوف نرى من عقاب الله علينا ما هو اشد
    نعوذ بالله من الغلا والربا
    لكن ماهو دور مشائخنا وعلمائنا في هذه المسالة نرجو منهم زيادة وعينا بارك الله فيهم
    ولايتركونا في المهلكة , فنحن متعلقون في رقابهم

    سعود بن زيد - زائر

    03:20 صباحاً 2007/09/20



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة