رمضان شهر الصبر، ومدرسة الصبر، فالصوم تعويد على الصبر، وتمرين عليه، ولهذا ورد عن النبي انه سمى شهر رمضان شهر الصبر، وفي حديث آخر عنه قال: (الصوم نصف الصبر) "اخرجه الترمذي".
ثم ان الصبر ثلاثة انواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على اقدار الله المؤلمة، وتجتمع هذه الثلاثة كلها في الصوم، فإن فيه صبراً على طاعة الله، وصبراً عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبراً على ما يحصل للصائم من ألم الجوع، والعطش، وضعف النفس والبدن. وهذا الالم الناشئ من اعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال تعالى في المجاهدين: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح ان الله لا يضيع أجر المحسنين) (التوبة: 120). بل ان الصوم يضاعف مضاعفة خاصة، ذلك ان الله عز وجل يتولى جزاء الصائمين، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر امثالها الى سبعمائة ضعف". قال الله عز وجل: (إلا الصيام فإنه لي وأنا اجزي به، انه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) الحديث.
قال ابن رجب رحمه الله في هذا الحديث: (فعلى هذه الرواية يكون استثناء الصوم من الاعمال المضاعفة، فتكون الاعمال كلها تضاعف بعشر امثالها إلا الصيام، فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله عز وجل اضعافاً كثيرة بغير حصر عدد، فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: (إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر: 10). أ ه . وهكذا يتبين لنا عظم الارتباط بين الصوم والصبر، وان الصوم سبيل الى اكتساب خلق الصبر، ذلك الخلق العظيم الذي أمر الله به وأعلى مناره، واكثر من ذكره في كتابه، وأثنى على اهله القائمين به، ووعدهم بالاجر الجزيل عنده. قال تعالى: (واصبر وما صبرك إلا بالله) (النحل: 127)، وقال: "ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور" (الشورى: 43)، وقال عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا) (آل عمران: 200)، وقال: (وبشر الصابرين) (البقرة: 155). وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ومن يتصبر الله يصبره الله، وما اعطي أحد عطاء اعظم ولا اوسع من الصبر). وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وجدنا خير عيشنا بالصبر). وقال: (افضل عيش ادركناه بالصبر، ولو ان الصبر كان من الرجال كان كريماً). وقال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه: (الصبر مطية لا تكبو). وقال الحسن رحمه الله: (الصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده).
فالصائم المحتسب يفيد دروساً جمة في الصبر من جراء صيامه، فهو يدع الطعام والشراب والشهوة حال صيامه، فيفيد درساً عظيماً في الصبر، حيث يتعود فطم نفسه عن شهواتها وغيها.
والصائم المحتسب اذا اوذي او شتم لا يغضب، ولا يقابل الاساءة بمثلها، ولا تضطرب نفسه، فكأنه بذلك يقول لمن اساء اليه: افعل ما شئت، فقد عاهدت ربي بصومي على ان احفظ لساني وجوارحي، فكيف اخيس بالعهد، او اسيء اليك كما اسأت إلي، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك.. الصائم المحتسب لا يثور لأتفه الاسباب كحال من لم يتسلحوا بالصبر، ممن يظنون ان الصوم عقوبة وحرمان، فيخرجون عن طورهم، وتثور نفوسهم، وتضطرب اعصابهم.
أما الصائم المحتسب فتراه هادئ النفس، ساكن الجوارح، رضي القلب. والصائم المحتسب يطرد روح الملل، لأن صيامه لله، وصبره بالله، وجزاءه على الله.
والأمة الصائمة المحتسبة تتعلم الانضباط والصبر على النظام، والتحرر من أسر العادات. وهكذا يتبين لنا اثر الصيام في اكتساب خلق الصبر، فإذا تحلى الانسان به كان جديراً بأن يفلح في حياته، وان يقدم الخير العميم لأمته، ويترك فيها الاثر الكبير. وان عطل من الصبر فما أسرع خوره، وما اقل اثره.
ثم ان الانسان - أي انسان - لابد له من الصبر اما اختياراً واما اضطراراً، ذلك انه عرضة لكثير من البلاء في نفسه بالمرض، وفي ماله بالضياع، واولاده بالموت، وفي حياته العامة بالحروب وتوابعها من فقدان كثير من حاجاته التي تعودها في حياته، فإذا لم يتعود الصبر على المشاق وعلى ترك ما يألف وقع صريع تلك الاحداث.
وكذلك حال الانسان مع الشهوات، فهي تتزي له وتغريه، وتتمثل له بكل سبيل، فإذا لم يكن معه رادع من الصبر، ووازع من الايمان اوشك ان يتردى في الحضيض.
ومن كان متصدياً للدعوة الى الاصلاح، منبرياً للدفاع عن الحق فما اشد حاجته الى الصبر، وتوطين نفسه على المكاره، فإن في ذلك السبيل عقبة كؤودا لا يقتحمها إلا ذو الهمم الكبيرة، فإن في طوائف المبطلين او المفسدين نفوساً طاغية، واحلاماً طائشة، وألسنة مقذعة، وربما كانت في أيد باطشة، وارجل الى غير الحق ساعية. وانما تعظم همة الداعي الى الحق والاصلاح بقدر صبره، وبقدر ما يتوقعه من فقد محبوب، او لقاء مكروه، فلابد لأهل الحق من الصبر على دعوة الناس، ولابد لهم من الصبر في انتظار النتائج، لأن استعجال الثمرة قد يؤدي الى نتائج عكسية تضر اكثر مما تنفع، فالصبر اذا اقترن بالامر كان عصمة للداعية من الانقطاع، وتفجرت بسببه ينابيع العزم والثبات.
1
بارك الله فيك شيخنا الكريم
تذكيرُ رائع قد يغفل عنه الكثير...
رحيل - زائر
08:22 صباحاً 2007/09/19
2
فينبغي ان نستفيد من هذة الدروس التربوية:
العطف على الفقراء والمساكين
محاسبة النفس
التيسير على المحتاجين وعدم الجشع والطمع وابتزاز اموال الناس
وحسن المعاملة والبذل والعطاء والكرم وعفة اللسان
والصدق في القول والعمل والوفاء بالعهد
ونبذ الكسل والخمول فرمضان فرصة للاقلاع عن التدخين والعفو والمسامحة.
د.فهد السويدان - زائر
10:01 مساءً 2007/09/19
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة