الرئيسية > الأخــيــرة

بالفصيح

بين "ارفنغ" والسويد


عبدالله الناصر

في شارع موتكوم Motcombe الضيق الصغير الذي لا يزال مرصوفاً بالحجارة بمنطقة بلغريفيا على بعد خطوات من المكتب الثقافي، وفي مقهى صغير في يوم مشمس، كان يجلس رجل مهم جداً وخطير جداً..

كنت جالساً والدكتور خلدون الشمعة، والدكتور عبداللطيف اطيمش بعد الدوام نستمتع بالشمس والقهوة الدافئة، ولفت نظري الرجل الجالس بجانبنا يقرأ كتاباً، وقلت لخلدون: يخيل إليّ أنني رأيت هذا الرجل.. وحينما رآه كاد يقفز من مكانه وقال على الفور: هذا "ديفيد ارفنغ".. قلت "ارفنغ" نفسه..! قال: هو.. هو. وأردنا أن نقوم جميعاً ونسلم عليه ولكننا خشينا من إحراجه خاصة وأننا عرب.. ولذلك علاقة بموضوعنا. فديفيد هو المؤرخ البريطاني الشهير، وذائع الصيت، والذي خرج من السجن منذ سنتين.. حيث تم القبض عليه وأودع السجن في "النمسا"، بسبب محاضرة كان يزمع إلقاءها في مؤتمر هناك حول محرقة (الهولوكوست)، وكان رده على ذلك ان أعد شريط فيديو عنوانه: "البحث عن الحقيقة"، وكان ينكر في المحاضرة والفيلم، بل وفي كثير من مؤلفاته وقوع المحرقة..

وللمؤلف المذكور ثلاثون كتاباً حول تاريخ النازية، اعتمد فيها على الأرشيف الألماني.. حيث كان والده يعمل في البحرية البريطانية، وشارك في الحربين العالميتين.. وذهب "ارفنغ" الى ألمانيا فأتقن الألمانية اتقاناً كاملاً.. وظل يتابع بحوثه وكتاباته إلى أن صدر كتابه الشهير "تدمير درسدن"، الذي يتحدث عن أهوال تدمير تلك المدينة الألمانية من قبل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية بالقصف الجوي، حيث أحدث كتابه ضجة كبرى جعلته من أشهر الكتب التاريخية، وصارت مؤلفاته من أكثر الكتب مبيعاً في العالم كله، حيث ترجمت أعماله إلى لغات كثيرة، كما كانت مؤلفاته التاريخية قد أثارت إعجاب مؤرخي العصر كالمؤرخ البريطاني "أ. ج. تيلور" الذائع الصيت.

كان "ارفنغ" يملك قدرة وحساسية عالية على الكشف عن حقائق جديدة وغير معلنة، أو معروفة، عن أسرار الحرب التي تختلف عما كتبه المنتصرون.. ومن هذه الوثائق "أوراق أدولف آيخمان" الذي اختطفه عملاء الموساد وحوكم واعدم في إسرائيل..

وازدادت شهرته عندما أصدر كتابه "حرب هتلر"، والذي يؤكد فيه على ان هتلر لم يكن ينوي ولم يكن على علم بفكرة استئصال اليهود من أوروبا.. وأن ما حدث لليهود كان من تدبير نائبه "هملر" وبعض أعضاء الحزب النازي. وقد عرض "ارفنغ" لدى صدور كتابه عن هتلر جائزة مالية ضخمة لمن يتقدم بوثيقة واحدة تبرهن على أن هتلر كان ينوي القضاء على اليهود.. وحتى هذه اللحظة لم يتقدم أحد بمثل هذه الوثيقة..!!

بل ان "ارفنغ" ينفي فكرة المحرقة من أساسها. يقول: "حتى نهاية هذا القرن التراجيدي، ما زال هناك مؤرخون وحكام ومروجو أفكار قانعين -أو ليس لديهم بديل لهذه القناعة- بأن النازيين استخدموا غرف الغاز في "أوشفيتز" للقضاء على مخلوقات بشرية.. فهلا أوضح هؤلاء المؤرخون.. هلا أوضحوا لي أنا دارس التاريخ الحديث، الذكي، والمشكك، لماذا لا يوجد أي أثر أو دليل يذكر لأي منشآت لغاز السينايد cyanide التي يتردد باستمرار انها كانت غرفاً للغاز..؟".

وبسبب هذه الآراء التاريخية الجريئة تعرض "ارفنغ" لضغوط وتهديدات من ناشرين ومنظمات يهودية وصلت درجة من الإرهاب إلى حد إرغامه على أن يسكت عن بعض آرائه وأقواله، بل إن أكاديمية أمريكية ركزت جهودها وطاقتها وحشدت مجموعات هائلة من المؤيدين لليهود أدخلته في محاكمات طويلة أدت به إلى هاوية الإفلاس، حيث باع كل ممتلكاته وشقته الفخمة في منطقة "نايتسبريدج" بلندن..!!

كل جريمة هذا الرجل العملاق والمؤرخ الفذ أنه أراد أن يصل إلى الحقيقة، وأنه اعتمد على معلومات أرشيفية ألمانية، وعلى وثائق علمية، أدت بصاحبها إلى الإعدام في إسرائيل..

وهكذا يدفع الناطقون بالحقيقة، أو الذين يحاولون كشف التاريخ.. أمنهم ومالهم، لأنهم فقط مسوا شيئاً يتعلق باليهود.. والذي أصبح الحديث عنه أو المساس به أشد خطراً من الحديث أو المساس بالكتب السماوية المقدسة..

اليوم يتعرض المسلمون كلهم، ونبيهم العظيم، الى أبشع هجوم منظم وقذر عرفه التاريخ.. وهم خائرون، حائرون، مستسلمون، ملتزمون بفضيلة الصمت.. والشعوب الاسلامية تحترق وتتمزق وتكاد تتميز من الغيظ على هذا الخذلان والجبن. فلا منظمات تتحرك، ولا مفكرون يتحركون، ولا أكاديميات علمية، أو جامعية، تعلن رفضها واحتجاجها، وتناضل في سبيل كرامتها، وغيرتها الدينية.. حتى ولو من أجل التنفيس عن هذا الاحتقان الذي يغلي في صدور الشبان المسلمين فيدفعهم إلى ارتكاب اعمال انتقامية متهورة بسبب عدم اعلان مواقف فاعلة ومؤثرة من بعض الدول لرد اعتبار كرامة الإسلام وأبنائه. اما بعض كتابنا الاشاوس فإنهم يخجلون ويغلب عليهم حياء ربات الخدور، في أن يتناولوا هذا الموضوع خشية من أن يتهموا بأنهم يعارضون ثقافة التحضر والعولمة ولنقل بوضوح ثقافة التغريب، إلا من رحم ربك من تلك البقية التي لا يزال لديها شيء من نخوة وغيرة.. وشكراً لك ياأستاذ عبدالعزيز السويد فقد كنت صوتاً فريداً بين الأصوات النائمة، الغافية والخائبة.. حيث دافعت في زاويتك "بالحياة" عن نبيك، ودينك، بفروسية ورجولة.. وكفاك الله شر الإفلاس وتهمة الإرهاب. أما أنت أيها المؤرخ العظيم "ارفنغ" فاعذرنا لأننا لم نأخذك بالأحضان خوفاً من أن نزيد في افلاسك ومتاعبك.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 16

  • 1
    شكرآ عزيزي الكاتب المخضرم
    سؤال يحتاج الى أجابه/ لطالما أن أخذكم ل(ارفنغ) بالاحضان يزيده أفلاسا ومتابعه
    مالكم ومال هذه البلدان ؟؟؟ فبلاد الله واسعة!
    تقبل أحترامي,

    ماجد السياط - زائر

    04:59 صباحاً 2007/09/14


  • 2
    الأستاذ المحب الفاضل عبد الله الناصر سلمه الله
    سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
    اسأل الله لكم دوام التوفيق والسداد وأن يتم عليكم نعمة الصحة والعافية حتى تنعم نفوسنا وتنشرح صدورنا بماتخطه اناملكم من اسطر جميلة وعبارات صادقة مخلصة قل من يكتبها في هذا الزمن.
    اهنئكم على نعمة إدراك رمضان اتم الله علي وعليكم نعمته بإتمام الصيام وأداء القيام.
    استاذنا الفاضل ما أشرتم إليه _حفظكم الله_ من تقاعس المنظمات نحو ما حصل في السويد من السخرية بنبينا محمد عليه افضل الصلاة والسلام هو الواقع المحزن مع الأسف ولايقتصر هذا على المنظمات بل وحتى الحكومات ليس لها موقف يذكر تجاه ماحدث إلا إيرن التي قامت بإستدعاء سفير السويد وسلمته مذكرة إحتجاج ووكيل خارجيتها اجتمع مع مسؤولين من دولة السويد اما الدول التي من الواجب عليها المبادرة إلى فعل ذلك بل وإتخاذ موقف اعظم منه نراها بكل اسف صامتة لم تفعل إلى الآن أي موقف يذكر ولو تعرض أحد المسؤولين بها إلى اقل مما تعرض له نبينا لأرعدت وازبدت وقلبت الدنيا فأسأل الله أن يصلح الحال. واحيي بهذه المناسبة موقف الأستاذ الفاضل عبد العزيز السويد حيث إطلعت على ماكتبه وكان رائع جدآ ومصدر فخر وإعتزاز فتحية شكر وإجلال وتقدير لكما رزقما الله المثوبة والأجر ولاشلت يمينكما ولاحرمنا الله من قلميكما وكثر الله من امثالكما.آمين
    محبكم
    سعود

    سعود ابوعزام - زائر

    10:44 صباحاً 2007/09/14


  • 3
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أتدري ماذا ينتظر المؤلفون عندنا ؟؟ انهم ينتظرون العثور على ارفينج مهما كانت جنسيته عربي او اجنبي يملك حرية الرأي والكلام والتعبير وأن تكون العاقبة آمنة عندما ينطق بالحقيقة يخيل الي اننا كشعوب كل منا ارفنج لأننا لسنا أغبياء ونعي الحقائق تماما ونميز بين الحق والباطل وليس كل ما يكتب في الصحف والنشرات الإخبارية هو القول الحق. الحقيقة في اعماقنا نعيها كلنا ولكن من يريد أن يكون كبش الفداء ويعلق جرس الحقيقة ؟ وهذا ارفنج البريطاني الذي يجوب شوارع البلاد الديمقراطية وتعرض لكل هذا الإرهاب الفكري فماذا تنتظر ممن يجوب مدننا أن يحدث له ولكل من يمت اليه بصلة ؟؟؟

    هند الأحمد - زائر

    10:50 صباحاً 2007/09/14


  • 4
    السلام عليكم
    أخي الاستاذ الفاضل أبوعبدالعزيز
    أسعد الله أيامك لقد حزنت لسماع خبر انتقالك للوطن
    ولكن لا نقول الا جزاك الله الف خير عن كل وقت قضيته هنا في بريطانيا في
    خدمة بلادك،
    أبو ابراهيم

    أحمد الزهراني - - زائر

    11:38 صباحاً 2007/09/14


  • 5
    الاستاذ الكبير عبدالله الناصر الا سبوع الماضى احد القراء كتب باسمى فى عرض الردود على مقالك علما اننى لم ارسل تعليق او حتى انى لم اقرا ذالك اليو م الجريدة اعتذر مرة اخرى *تحياتى*

    عبدالرحمن المغيري(ابودودي) - زائر

    01:13 مساءً 2007/09/14


  • 6
    بغض النظر عن الانتمائات المذهبية فالسيد حسن نصرالله هو "صلاح الدين"العسكري العربي الحديث.
    وانت ايها الاستاذ "صلاح الدين" المثقفين العرب.
    يا ليت كل المثقفين العرب ينتمون الى ما تنتمي اليه من فكر قومي اسلامي عربي... فبعد ان الحياة وقفة عز وكرامة.
    اثلجت صدر كل من قرا هذا المقال.
    شكراً.

    بسام رفاعية - زائر

    01:58 مساءً 2007/09/14


  • 7
    يعطيك العافية أستاذ ناصر على ينبوع المعرفة الذي تسقي القراء منه، وأتمنى ألا يكون ما قاله الأخ أحمد الزهراني صحيحا وإن كنت لا أستغربه حقيقة لأنني قد قرأته في ثنايا وخلف أسطر مقالاتك المتأخرة.
    .
    .

    Majid - زائر

    05:45 مساءً 2007/09/14


  • 8
    اخ ابو عبدالعزيز السلام عليكم انا من المتابعين لك وانا من اشد المعجبين في مقالاتك التي نلمس فيها غيرتك الدينية والتي تدل انك من اهل الخير نحسبك والله حسيبك وتدل على شهامتك ورجولتك فاالى الامام يابو عبدالعزيز ونرجو من جميع كتابنا ان يقتدوا بك وان يسخروا اقلامهم لخدمة الاسلام لانهم سوف يحاسبون امام الله تعالى عن كل مايكتبون.

    العنزي - زائر

    06:15 مساءً 2007/09/14


  • 9
    بارك الله فيك يأخ عبدالله وبيض الله وجهك ودائما كتابتك عريقة واصيلة ونابعة من القلب لذلك دائما تصل الى القلب، ادعو الله العلي القدير ان يمدك بالصحة والعافية وان يبقيك وقلمك منبر خير وعلم نافع. وكل عام وانتم بخير

    محمد السبيعي - زائر

    10:51 مساءً 2007/09/14


  • 10
    لله درك تأسر القاريء لكي يبحر معك بسلاسة ,تملك مخزون ثقافيا هائلاً
    لاحرمنا الله منك , ومن غيرتك, وإيقاضك, لأمة غشاها ماغشاها,لدرجة
    فخفخة الأجساد,نعم قهر الرجال , مذلة ما بعدها مذلة, وهنا تصبح الحياة رخيصة بخيسة ,لاتساوي قرار صامد,بارتداء حزام ناسف, وقبله تأجر العقل لموجه
    يدير الريموت كنترول؟؟؟
    سيدي: اشكرلك تدفق أحرفك,مع دعوات صادقة بان يرفع عن الأمة هذا الغبن
    الذي يترافق مع تسيد دولة مجرمة حرب ,على كافة الأمم لصالح الصهاينه
    وخذلان وبطلان أممنا , وطأطأت رؤس القادة ,كا لقطيع
    بوركت وبارك الله بك

    فهد الصريصري - زائر

    12:04 صباحاً 2007/09/15


  • 11
    * خالص التهنئة بمناسبة حلول الشهر الكريم
    وكل عام وأنتم بخير

    مجدى شلبى - زائر

    12:06 صباحاً 2007/09/15


  • 12
    وش أقول.. وش أخلي.. أبحر في قراءة مقالاتك..
    كل عام وأنت بألف خير..
    وصحة رمضانك..
    أسجل حضوري فقط.. لا تعليق،،

    خالد التغلبي * الجزائر - زائر

    02:44 صباحاً 2007/09/15


  • 13
    لقد اسمعت لو ناديت حيا ,,, ولكن لا حياة لمن تنادي

    فهد - زائر

    08:01 صباحاً 2007/09/15


  • 14
    استاذي الكريم عبدالله الناصر..
    كتبت قبل اسبوعين مقالا بعنوان "لانها صارت من قبل!!" تحدثت فيه عن غضبي من السلبية التي نتصرف بها كمسلمين - خصوصا هذه المره - امام الاساءة السويدية للنبي عليه افضل الصلاة والتسليم الى جانب غضبي من الاساءة بحد ذاتها وارسلته لجريدة اليوم حيث انشر مقالاتي.. وبعدها بيومين او ثلاثة قرات مقالات الاستاذ السويد وارتحت كثيرا لان هناك من قال لا.. هناك من خرج عن الصمت الغريب -جدا- امام هكذا اساءة..
    للاسف المقال تعثر في طريقه للنشر بعض الشيء ولم ينشر الا هذه الجمعة في نفس يوم نشر مقالك الرائع هذا.. صحيح ان مقالي لا يضاهي مقالك يا سيدي.. فانا كاتبة مبتدئة لكن مؤمنة بان للشباب صوت ولابد ان يسمع.. يشرفني ان تطلع عليه يا سيدي الكريم وان تعطيني رايك..
    http://www.alyaum.com/issue/page.php?IN=12509&P=4
    هل هي صدفة ان ينشر المقالين في نفس اليوم؟
    لا اعتقد ذلك.. اشعر ان في الامر اشارة ما.. اتحادا بصورة أو باخرى لرفض هكذا تجاوز.. تدبيرا إلهيا لمعارضة الصمت -المخجل- اذا اردنا الدقة..
    على كل حال.. انا جد فخورة بان أضم صوتي لصوتك وان اقف معك في هذا الموقف..
    تحياتي..

    شروق المغلوث - زائر

    02:18 صباحاً 2007/09/18


  • 15
    قصصك يا أستاذ عبد الله محمّد النّاصر كالفيتامينات في الحياة الأدبية

    صابرين الجزائر - زائر

    11:17 صباحاً 2007/09/20


  • 16
    لماذا نأخذه بالأحضان، ماذا نستفيد من نسبه قتل اليهود لغير هتلر،بل ماذا نستفيد من إنكاره الهلوكوست.

    برهان - زائر

    04:40 صباحاً 2007/11/24



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة