الرئيسية > فضاءات

من أنفق ولم يدخر.. افتقر دون أن يدري

تشجيع عادة الادخار لدى الجميع


عبدالله الجعيثن

الثابت أن مصاريف الفرد والأسرة بل والدول تزيد مع الزمن ولا تتراجع للوراء أبداً إلا إذا اضطر الإنسان اضطراراً وأُجبر إجباراً لقلة ذات اليد وشدة الإسراف السابق وهنا يكون عزيز قوم ذل، فإن من اعتاد على مستوى معين من المعيشة، وعوّد أسرته عليه، يفترض فيه أن يرفع من هذا المستوى بالتدريج حسب متطلبات العصر، وأن يزيد إنفاقه مع الزمن، فإذا لم يكن قد اعتاد أن يدخر جزءاً من دخله ويستثمره في مجالات تأتي بعوائد وتُنَمِّي المال المدخر، فإن هذا الإنسان لا يعرف الادخار، وإنما يُنفق ما يكسب أولاً بأول، لا بُدَّ أن يصطدم بعجز الموارد عن المصاريف، ولا بد أن يصاب بالفقر النسبي دون أن يحتسب لذلك، ودون أن يتوقع ذلك، لأنه لو كان يتوقعه، ويحسب حسابه، لاعتبر الادخار ضرورة من الضرورات، لأنه بدون الادخار لن يستطيع الإنسان مواجهة ظروف الحياة الطارئة ومتطلباتها المفاجئة، كعلاج أحد أفراد الأسرة بمبلغ كبير، أو الاضطرار لشراء سيارة أو مسكن، أو زواج ابن، ونحو هذا كثير..

ثم إن المصاريف نفسها تزيد مع الزمن ولا ترجع للوراء أبداً لثلاثة أسباب:

الأول: أن طبيعة هذا العصر هي (التضخم) وهو غلاء الأسعار وفقدان النقود لجزء من قدرتها الشرائية، ويرجع سبب التضخم إلى ازدياد أعداد السكان وارتفاع الأجور والضرائب المباشرة وغير المباشرة. واضطراب الاقتصاد الدولي، وتقلب عملات الدول، وغلاء الخامات الطبيعية لشدة الاستنزاف، وشراهة الاستهلاك في عصرنا الحديث مما يجعل الطلب يفوق العرض، وانتشار الإعلانات التي تخلق (حاجة مصطنعة) لدى الإنسان لكي يشتري ما لا يحتاج له، فوق أن تكلفة الإعلان تضاف لتكلفة السلعة، والإعلانات صارت فناً هائلاً غسل أدمغة الناس ودفعهم إلى شراء ما لا يحتاجون، ومن يشتر ما لا حاجة له به قد يبيع مستقبلاً ما يحتاج له فعلاً.. وللإعلانات بعض الإيجابيات من وضع مختلف الفرص أمام المستهلك، وخيارات التخفيض، وفي بعضها تثقيف، ولكن الإعلان بشكل عام من أسباب الإسراف وازدياد الطلب مما يؤدي إلى ارتفاع التضخم باستمرار..

والثاني: أن أفراد الأسرة يزيدون، ومطالبهم تزيد، والعوارض التي قد تعرض لبعضهم تحتاج أحياناً لإنفاق كبير، كما أن من طبائع كثيرمن الأسر التفاخر وحب المظاهر والتنافس مع أمثالهم وكل هذا يؤدي إلى مزيد من الضغط على رب الأسرة لكي ينفق أكثر وباطراد..

والثالث: أن العصر الحديث يقدم دائماً مبتكرات جديدة واختراعات غير مسبوقة، وموديلات حديثة للأزياء والسيارات والهواتف النقالة والعطور وأدوات المكياج وكل ما يخطر على بال، فهو عصر استهلاكي رهيب لا تدور عجلة اقتصاده الضخمة إلا باستنزاف ما في جيوب الناس بمختلف الإغراءات والوسائل وسبل التجديد والتغيير ليظل الإنسان المعاصر يلهث وراء السلع الجديدة ويحلها محل سلعه القديمة (وهي صالحة وربما لم يمض عليها سنة) وهذا كله يلقي مزيداً من الحطب على نيران الاستهلاك المشتعلة فتزداد اضطراماً على الدوام..

وفي ظل هذه التحديات الحقيقية يواجه (الادخار) معضلة.. فلا يكاد الراشدون يدخرون بعض المال حتى تُفتح الآن الأبواب لالتهام هذا الادخار وجعله في خبر كان، بل ربما يكون الوضع أسوأ فتجعل الإنسان يستدين بدل أن يدخر، ويشتري بالأقساط بدل أن يدخر قسطاً من دخله للمستقبل..

ولكن تلك التحديات نفسها هي التي توقظ العقلاء وتنبه فيهم قوة الاستجابة لضغوط تلك التحديات وتبعاتها القادمة، فيحرصون على ترشيد الاستهلاك بدون بخل، وعلى تشجيع الادخار في أنفسهم وأولادهم دون إفراط، بل بتوازن وثبات ودوام، مع استثمار الأموال المدخرة بشكل آمن لا مجال فيه للمغامرة والقمار، وإننا لندعو المصارف الإسلامية لتشجيع الادخار لدى الناس وذلك بمنحهم عوائد إسلامية على مدخراتهم كما يأخذون منهم عوائد إسلامية حين إقراضهم، فالتورق الذي أجاز للمصارف الإسلامية أن تأخذ عوائد على الأموال التي تقرضها للناس (وهي كثيراً ما تفوق الفوائد التقليدية في الاقتصاد الرأسمالي) أجاز للمودعين أن يحصلوا على عوائد مرابحة لمدخراتهم في المصارف الإسلامية، وهذا يشجع الكبار والصغار على الادخار..

@ @ @

إن الادخار يبني الأفراد والأسر والمجتمعات والأوطان.. فما يذهب للاستهلاك يذهب مع الريح، وخاصة في مجتمعاتنا النامية التي تستهلك ما لا تنتج، وتعيش على اقتصاد ريعي ناضب، مما يجعل الادخار أكثر من مسألة احتياط، بل هو ضرورة في ظل موارد ناضبة، ضرورة للأفراد والدول لكي تبني المدخرات المصانع والمزارع ومختلف المشاريع المنتجة التي توفر المزيد من فرص العمل وتولد المزيد من الأموال وتكون استباقاً راشداً لما سوف يحصل في المستقبل..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة