
كان لصدور قرار صاحب السمو الملكي وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - رقم 1900وتاريخ 1428/7/9ه والذي بموجبه تحددت الجرائم الكبرى الموجبة للتوقيف بعد نسخ القرار الوزاري رقم 1245وتاريخ 1423/7/23ه؛ أثراً ملموساً في تطوير النظام الجنائي الإجرائي في المملكة العربية السعودية؛ لا سيما وقد استحدثت جرائم لم تكن موجودة من قبل، أو كانت لكن على نطاق ضيق؛ كجرائم البلوتوث التي يستخدمها البعض في تهديد وابتزاز الفتيات وصغار السن، بل وحتى التهديد بنشر تلك المقاطع التي تُنتهك فيها الأعراض أصبح من الجرائم الكبرى الموجبة للتوقيف، وأيضاً جرائم الإرهاب والجرائم المخلة بأمن الدولة بعد أن عانت بلادنا في الفترة الماضية من بزوغ تلك الشرذمة الخارجة على إمام المسلمين وولي أمرهم، وأيضاً جرائم سرقة السيارات التي انتشرت وعانى من تبعاتها الكثير من المواطنين والمقيمين في بلادنا، وكذلك نص القرار على جريمة انتهاك حرمة المنازل بالدخول بقصد الاعتداء على النفس، أو العرض، أو المال؛ وهذه الفقرة تفتح مجالاً واسعاً للمحققين بتوقيف المتهمين في تلك الجريمة حتى لو لم تكن من جرائم الحدود المعاقب عليها بالقتل أو القطع.
وكذلك الاعتداء على رجال الأمن أثناء مباشرته مهامهم الوظيفية، والاعتداء على أحد الوالدين بالضرب ما لم يحصل تنازل..
"الرياض" تستعرض آراء المختصين حول هذه التعديلات في الجرائم الموجبة للتوقيف..
وفي هذا الصدد ألمح الشيخ وليد بن محمد الصمعاني، القاضي بديوان المظالم في الرياض إلى أن هذا القرار جاء - بعد نسخه للقرار السابق - تطبيقاً للمادة (112) من نظام الإجراءات الجزائية التي نصت على أن: (يحدد وزير الداخلية بناءً على توصية رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام ما يعد من الجرائم الكبيرة).
فنظام الإجراءات الجزائية جاء لتحقيق المصلحة العامة بالمحافظة على أمن المجتمع، وتحصينه من الجرائم التي تهدد استقراره؛ إذ أن استقرار المجتمع دليل على قوته وتقدمه؛ فإذا لم يأمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم فلن يقدموا شيئاً لمجتمعهم، فضلاً عن أن يتفانوا في خدمته.
مع استهداف النظام لهذا المبدأ الرئيسي، فإنه في الوقت ذاته لاحظ مصلحة المتهم وعدم مضارته بانتهاك حقوقه، وكان من التطبيقات على هذين المبدأين في النظام تفريقه بين نوعين من الجرائم، إذ أن هناك جرائم كبيرة يجب فيها التوقيف ولا تقبل فيها الكفالة لحين عرض المتهم على المحكمة، وجرائم أخرى لا توجب التوقيف بذاتها، بل يمكن كفالة المتهم فيها لحين صدور حكم قضائي في قضيته.
وهذا أمر مهم - يقول الشيخ الصمعاني - فالتوقيف الاحتياطي الوجوبي ليس لكل متهم في جريمة، بل في نوعية خاصة من الجرائم لا مجال فيها لترك المتهم طليقاً؛ لما في ذلك من أثر سيء على المجتمع أمنياً ونفسياً واجتماعياً، ولهذه العوامل كان من اللازم جعل تحديد الجرائم الكبيرة مرناً لملاحقة تجدد الجرائم وتغير أنماطها، وبالتالي فإن من غير المقبول أن يتضمن النظام النص على جرائم معينة هي عرضة للتغير، وهذا ما لاحظه المنظم - هنا - وهذه مزية تحسب له، ومن ثَم كان إصدار صاحب السمو الملكي وزير الداخلية لهذا القرار ترسيخاً لتلك المرونة، واتفاقاً مع تسارع المتغيرات في وقتنا الحاضر، بما في ذلك التغير الذي حدث في الجرائم في السنوات الأخيرة، حيث جدت جرائم لم تكن معروفة في مجتمعنا - كالجرائم المتعلقة بالتقنية الحديثة -، كما برزت جرائم لم تكن تمثل ظاهرة في القرار السابق - كجرائم الاعتداء على الوالدين.
ويرى الصمعاني أنه مع وجوب الإيقاف في الجرائم الكبيرة، إلا أن ذلك محاطٌ بضمانات حقيقية للمتهم، لعل أبرزها الضمانة الموضوعية المتمثلة في ضرورة وجود أدلة كافية ضده في الجريمة المتهم فيها كما هو نص المادة الثالثة عشر بعد المائة من النظام، وتقدير كفاية الأدلة سلطة تقديرية للمحقق ضمن ضوابط مستقرة في هذا الشأن يجب أن تكون معلومة لدى المحققين، كما أن هناك العديد من الضمانات الإجرائية، كوجوب إصدار أمر كتابي بالتوقيف مع تسبيبه، وتقيد أمر التوقيف بمدة محددة، وعدم تمديده إلا ضمن إجراءات دقيقة، وهذا ما تضمنته المواد (114.113.104.36) من النظام.
إضافة إلى أن مدة التوقيف تحتسب ضمن مدة السجن المحكوم بها على المتهم في حال ثبوت إدانته وفق نص المادة (217) من النظام، والتي نصت - أيضاً - على حق المتهم في طلب التعويض متى ما تم توقيفه أكثر من المدة المحددة نظاماً.
أما من وجهة نظرٍ اجتماعية فيرى الاستاذ الدكتورعبد الله بن عبد العزيز اليوسف أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية أن الجريمة في عصرنا الراهن تشغل بال الكثير من المفكرين والعلماء بعد أن تكشف مدى خطورتها وازدياد انتشارها، فالجريمة كظاهرة اجتماعية عامة تسود كل المجتمعات البشرية رغم اختلاف ثقافاتها وأبنيتها الاجتماعية ودرجة نموها وتقدمها الاقتصادي، بمعنى أن الجريمة موجودة في كل مجتمع وإن اختلفت ملامحها من مجتمع لآخر؛ وعلى هذا فإن الجريمة موجودة دائماً كظاهرة اجتماعية متداخلة وظيفياً مع باقي الظواهر الاجتماعية في المجتمع وإن تغيرت صورها ومظاهرها.
لهذا فإن التغيرات التي تحدث في ملامح الظاهرة الإجرامية في مجتمع معين تعكس التغيرات التي تحدث في المجتمع بأنساقه الكبرى: النسق الاجتماعي، النسق الاقتصادي، ونسق القيم الاجتماعية والحضاري إلى أنه من المتوقع وبسبب التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي حوّل العالم إلى قرية صغيرة وأصبح العصر هو عصر المعلومات الذي يرتبط بطريق المعلومات السريع لذا فإنه يتوقع أن تستمر الجريمة في المجتمع وأن تتحول بشكل أكبر وأوسع إلى النمط العلمي والمتخصص مثل جرائم الحاسب الآلي، والغش التجاري، وتجارة الأطعمة الفاسدة، والاتجار غير المشروع بالأعضاء البشرية وغيرها من إفرازات التكنولوجيا وعصر المعلومات السريع.
ولا نقول ذالك تشاؤماً -حسب رأي د. اليوسف - ولكنه نظرة استشرافية للمستقبل، ولذ فإن هذه القرارات تتماشى مع الحاجة الاستشرافية لمتابعة الجرائم المستحدثة في المجتمع، إلا أن العقوبات لوحدها ليست كافية، وإنما من الضرورة التفكير بوسائل وقائية لمواجهة الجريمة بشكل عام، والجرائم المستحدثة بشكل خاص.
أما من حيث التأصيل الشرعي لهذا القرار فقد أثنى الشيخ عمر بن علي السديس المحاضر بقسم الفقه بجامعة القصيم على هذا القرار، واعتبره متوافقاً مع مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ المصالح الخمس الكبرى (الدين، والعرض، والمال، والنسل، والعقل) وخصوصاً وقد استحدث القرار جرائم لم تكن موجودة في القرار السابق متوافقاً مع ما يستجد من جرائم ظهرت أو انتشرت في المجتمع، وأن التوقيف الاحتياطي هو ما يذكره الفقهاء في كتبهم بحبس الاستظهار أو الحبس في التهمة؛ إذ نص الفقهاء على أن المتهم إذا قويت القرائن على اتهامه، فإنه يُحبس حتى ينكشف حاله ويتبيّن أمره. وقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي ما رواه بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة).
فالتوقيف الاحتياطي الذي حدد القرار الجرائم الموجبة له هو إجراءٌ من إجراءات التحقيق الذي يُسلب حرية المتهم حتى تتضح حالته من الإدانة أو البراءة.
وإذا تأملنا لهذا القرار - والقول للشيخ السديس - نجده قد أضاف جرائم لم تكن موجودة في القرار السابق كجرائم الإرهاب والجرائم المخلة بأمن الدولة وهي ما تعرف بالفقه الإسلامي بجرائم الحرابة والإفساد في الأرض والتي نص القرآن الكريم على عقوبتها في قوله تعالى: "{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسءعَوءنَ فِي الأَرءضِ فَسَاداً أَنء يُقَتَّلُوا أَوء يُصَلَّبُوا أَوء تُقَطَّعَ أَيءدِيهِمء وَأَرءجُلُهُمء مِنء خِلافٍ أَوء يُنءفَوءا مِنَ الأَرءضِ} (سورة المائدة 33).
في حين نجد أن القرار قد نص على قضية سرقة السيارات مع كونها داخلة في قضايا الحدود المعاقب عليها بالقطع إشارة إلى خلاف الفقهاء الدائر في حرز السيارة.. وهل تعد حرزاً بنفسها أم بغيرها؟؟ والضابط في حرز السيارات ما تعارف عليه الناس وعدوه حرزاً لها، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، وإن كان النص على سرقة السيارات في الفقرة الخامسة قد قطع المجال لاجتهاد سلطة التحقيق في كون سرقة السيارة معاقباً عليها بالقطع أم لا؟ فيجب إيقاف المتهم بسرقة السيارات سواءً كانت من حرز أم لا.. وهذه نقطة إيجابية في القرار.
في حين لاحظ الشيخ وليد الصمعاني أنه بمقارنة هذا القرار بالقرار السابق؛ نرى أن الفقرة الثالثة منه والتي تضمنت (جرائم الإرهاب، والجرائم المخلة بأمن الدولة) فقرة جديدة كلياً، ونصها يوحي بالتفريق بين جرائم الإرهاب، والإخلال بأمن الدولة، في حين أن الإرهاب كمفهوم إجرامي لم يتحدد بشكل دقيق، والمفترض في مثل هذه القرارات أن تكون على درجة من الدقة في التحديد، مع الأخذ بالاعتبار الهدف الذي وضعت من أجله، ويمكن هنا الاكتفاء بعبارة: (الجرائم المخلة بأمن الدولة داخلياً وخارجياً) على اعتبار أن الإخلال بالأمن وإن كان مفهوماً واسعاً إلا إنه واضح الدلالة، كما أن الإخلال بأمن الدولة لا يكون في الداخل فقط؛ بل في الخارج بما في ذلك الجرائم التي تسيء للدولة خارجياً.
كما أن الفقرة الرابعة تناولت عدداً من الجرائم (قضايا المخدرات والمؤثرات العقلية... المعاقب على أي منها نظاماً بسجن يزيد عن سنتين).
وهذه الفقرة جاءت بديلة عن الفقرات (13.12.11.10.9.8.7)، ومع كثرة التفصيلات التي تضمنها القرار السابق، إلا أن هذا القرار جاء بصيغة مختصرة وشاملة، مع إضافة قيد مهم، وهو (..المعاقب علي أي منها نظاماً بسجن يزيد على سنتين) وهذا القيد يشير إلى أن المعيار في اعتبار الجرائم المتعلقة بهذه القضايا كبيرة هو معيار العقوبة؛ فإن كان النص النظامي المعاقِب على الجريمة قد جاء في حده الأعلى بالسجن بما يزيد على سنتين؛ فإن الجريمة تعد كبيرة موجبة للتوقيف، أما إن كان نص العقوبة لم يزد حده الأعلى بالسجن عن سنتين؛ فإن الجريمة لا تعد كبيرة، وبالتالي فإن قيام الموظف بقبول عطية بسبب وظيفته لمتابعة معاملة في جهة حكومية، والمعاقب عليه بالسجن مدة لا تزيد على سنتين وفق نص المادة السادسة من نظام مكافحة الرشوة لا يعد مرتكباً لجريمة كبيرة موجبة للتوقيف، وكذلك الحال بالنسبة للجرائم الفرعية والمخالفات في الأنظمة المتعلقة بهذه الجرائم.
ويرى الدكتور عبد الله اليوسف أن الفقرة الثانية عشر من القرار التي نصت على كون استعمال أو إشهار السلاح الناري بقصد الاعتداء أو التهديد به ميزة تحتسب للقرار ذلك أن تهديد الآخرين بالسلاح يمثل تهديد للأمن بشكل عام ويمثل خرقاً لشعور الناس بالأمن والاستقرار، ولذا فان اعتبارها من الجرائم الكبرى ينطلق من خطورة الشعور الفردي والاجتماعي على مستوى المجتمع فالشعور بالأمن متغير مهم من المتغيرات المهمة التي يقاس بها الأمن في أي بلاد من البلدان، لذا فاعتبار إشهار السلاح والتهديد به يعتبر مهدد للأمن بشكل عام وليس فقط الأمن الفردي مما يتطلب إجراءات احترازية للمواجهة.
في حين انتقد الشيخ وليد الصمعاني الفقرة الحادية عشرة والتي نصت على جريمة الاعتداء على رجل الأمن أثناء مباشرة مهام وظيفته... ذلك أنها مختلفة عن القرار السابق الذي نص على (مقاومة رجل السلطة العامة التي يتسبب المقاوم خلالها بإصابة تزيد مدة شفائها على عشرة أيام).
والظاهر أن إخراج الاعتداء على موظفي الدولة غير رجال الأمن أثناء مباشرة مهامهم من زمرة الجرائم الكبيرة محل نظر؛ إذ أن الموظفين ورجال الأمن يؤدون وظائفهم على حد سواء، وجميع هذه الوظائف هي خدمة للدولة والمجتمع في المقام الأول، مع ملاحظة أن عدم اعتبار الاعتداء على رجال السلطة العامة أثناء عملهم من الجرائم الكبيرة فيه إلغاء للميزة التي ميزهم بها النظام رغم أنهم لا يمثلون أنفسهم وإنما يمثلون الدولة أثناء عملهم، ومن ثَم كان من الضروري جعل اعتبار خاص لهذا الأمر، كما أن من آثار ذلك عدم الاهتمام بتنفيذ الأنظمة والتعليمات بشكل فوري من قبل الأفراد؛ بل والاستهانة بمبلغيها من الموظفين والاعتداء عليهم، طالما لم يعتبر ذلك الاعتداء جريمة كبيرة، ولذا فلا فرق في الحقيقة بين رجل الأمن وموظف الدولة في مجال العمل، وإن وجد فرق في ذلك فمرده في تطبيق العقوبة لا في اعتبار أصل الجريمة، كما هو الحال بالنسبة لانتحال صفة رجل السلطة العامة.
كما تناولت الفقرة الرابعة عشر انتهاك الأعراض بالتصوير والنشر أو التهديد بالنشر، وهذه الفقرة جاءت نتيجة شيوع هذه الجرائم في الوقت الحاضر، خاصة مع انتشار وسائل التقنية الحديثة مما يلزم معه مواجهتها بالعقوبات الرادعة التي تكفل عدم جعل هذه الجرائم تمثل ظاهرة يصعب التعامل معها في المستقبل.
ولكن ومع أهمية هذه الفقرة، إلا أن الغريب أن القرار لم يتضمن إدراج الاعتداء على الأعراض جبراً من محاولة الاغتصاب والتعرض للأفراد بقصد النيل من أعراضهم ونحوها من الجرائم التي يمس أثرها المجتمع بشكل مباشر؛ بل إن أثرها أكبر من أثر بعض الجرائم التي تضمنها القرار، ولعل بعض الجرائم المتعلقة بالأعراض تصل عقوبتها للقتل تعزيراً، أو السجن لأكثر من 15سنة، كما أن الاعتداء على الأعراض أو محاولة الاعتداء عليها مع ما يمثله من مخالفة للشرع الحنيف وانتهاك لحرية الشخص وإرادته؛ فإنه في الوقت ذاته ليس بأقل بأي حال من الأحوال من الاعتداء على الأموال الذي يعد جريمة كبيرة، ولاسيما مع استعمال القوة والجبر وانتفاء أي إرادة للمجني عليه، بخلاف الجرائم الأخلاقية الرضائية، ولذا فأعتقد أن هذا المجال الإجرامي فيه فراغ نظامي ظاهر، خاصة ونحن نعلم أن بعض هذه الجرائم تعد عملاً من الجرائم الكبيرة، ولكن وعلى حسب هذا القرار فإنه لا يمكن إدراجها تحت أي فقرة بشكل واضح، ولاسيما إذا لم يتضمن الاتهام المطالبة من جهة التحقيق أو الادعاء إقامة حد الحرابة، بل كانت المطالبة من المدعي العام بالقتل تعزيراً، ومن ثم فلا مجال للقول بأنها مشمولة بالفقرة الأولى.
كما أشاد الشيخ عمر بن علي السديس بتضمن القرار جريمة انتهاك الأعراض بالتصوير والنشر أو التهديد بالنشر، معتبراً هذه الجريمة من أقبح الجرائم المنتشرة في مجتمعنا من قبل بعض ضعاف النفوس، قليلي الدين والمروءة، الذين لا يقيمون للأعراض وزناً ولا قيمة.. وأنه ومع انتشار التهديد بنشر الصور وخصوصاً وقد أصبحت طريقة النشر سهلة وميسورة مع تطور وسائل الاتصال الحديثة من الانترنت والبلوتوث التي يستخدمها البعض في غير ما صنعت له كان لا بد للمنظم أن يواكب ذلك التطور، وتلك الجريمة المستجدة والتي كانت جهات التحقيق تواجه حرجاً مع المتهمين فيها حين يتم إطلاقهم بالكفالة ويتمادون في التهديد، أو يُحبط المجني عليه أو عليها حين يرى الجاني حراً طليقاً بعد أيامٍ من إيقافه مما يتسبب في إحجام الكثير من المتضررين عن الإبلاغ عن تلك التهديدات والاستجابة لنزوات المجرم ظناً منهم إن إطلاقه بالكفالة هو نهاية المطاف في تلك الجريمة، أو قد يتم الاعتداء على المتهم في تلك الجرائم بعد إطلاقه مما يتسبب بفوضى عارمة وسيادة شريعة الغاب.
في حين يرى الأستاذ عبد الله اليوسف أن هناك محاور لابد من وجودها في أي إجراء يهدف إلي تفعيل العقوبات، تتمثل في وضوح العقوبة للجميع عن طريق نشرها في وسائل الإعلام المختلفة؛ حتى يتأمل ويعرف مخالف السلوك ما العقوبة التي سوف يواجهها إذا ما اقترف سلوك إجرامي، على إن هذه النقطة غير كافية لوحدها في مكافحة السلوك الإجرامي وإنما يجب إن يتزامن معها ثلاث نقاط أساسية أخرى علي النحو التالي (شدة العقوبة بحيث تكون أكثر إيلام من السلوك المرتكب - الحتمية في القبض بحيث يعرف مخالف السلوك إن احتمالية القبض عليه عالية من خلال تواجد أجهزة الضبط الرسمية - الحتمية في التنفيذ، فالعوامل الأخرى ليست كافية إذا لم يعرف مخالف السلوك أنه سوف تنفذ فيه العقوبة - الإشهار بالمخالف بحيث يرتدع من يفكر إن يمارس نفس السلوك من ممارسة هذا السلوك خوفا من العقوبة).
وبالتأمل لآراء المختصين نجد أن هذا القرار قد وفّق كثيراً في مواكبة المستجدات الإجرامية التي طرأت على ساحتنا المحلية، وإن كان هناك ملاحظاتٌ تعد ثغرة في القرار- على ما يراه المختصون - كان من الأولى تلافيها لما قد تسببه من حرجٍ لجهات التحقيق والمحاكمة، ونتمنى أن نرى تعقيباً من هيئة التحقيق والادعاء العام الذي جاء تحديد تلك الجرائم بناءً على توصيةٍ من معالي رئيسها بعد دراسة وتأمل الثغرات الموجودة في القرار السابق، وما استجد في حياة الناس وواقعهم المعاصر.
@ باحث قانوني
mmahmood@alriyadh.com