جريدة الرياض

جريدة يومية تصدر عن مؤسسة اليمامة الصحفية

الاربعاء30 شعبان 1428هـ - 12 سبتمبر 2007م - العدد 14324

الدور والفرق الشعبية لجاسم الحربان:

تاريخ لذاكرة الغناء البحرينية

أحمد الواصل

الكتاب: الدور والفرق الشعبية في البحرين: العادات والتقاليد والفنون

المؤلف: جاسم محمد بن حربان



*الناشر وزارة الإعلام -2005.؟ إن تأريخ الذاكرة الاجتماعية في تجليها الحضاري عبر اللحظة الوجودية من أحد تتماته ذاكرة الغناء التي هي تجل عالٍ لمنجز أدبي فني للإبداع الإنساني، إنسان هذه المنطقة الحضارية، ويقدم لنا الباحث والفنان المتعدد الجوانب جاسم الحربان، ابن صاحب الدار الشعبية محمد بن حربان، كتابه: الدور والفرق الشعبية في البحرين: العادات والتقاليد والفنون، الذي يعد كتاباً مرجعياً مهماً في نوعه ولعله محفز لسواه لكتابة التاريخ الاجتماعي لمجتمع الجزيرة العربية، على الخليج العربي: البحرين الذي هو تاريخ مشترك، بالدرجة الأولى، حيث أرسل الحربان إهداءه إلى: من تحاكت أهازيجهم إبداعاً، ونظمت أشعارهم حقبة من الزمن المر، ودوَّتء معاناتهم حتى ملأت الأرض ألماً بشقاء، إلى من شقت أرواحهم عباب البحر، وتوسدت موجة الحب للوطن، تلك السواعد السمر التي حملت راية التواصل معنا.

ويحتوي الكتاب على سبعة فصول، على النحو التالي:

الفصل الأول: الدار، تعريف الدار، الدار الشعبية البحرية في عرف الفنانين، حجرة ممارسة الغناء والتجمع، التنظيم في الدار الشعبية البحرية، العادات المتبعة عند أهل الدار.

الفصل الثاني: الفنون التي تزاول في الدار البحرية، فنون المناسبات، الفنون السمرية -تعريف السمر، مقدمة للفجري، لِفءجِري (الفجري)، الاصطلاح العربي لكلمة الفجري، مصدر غناء الفجري، الآلات الإيقاعية المستخدمة في الفجري، جغرافيته، التشكيل العام لغناء الفجري، الأشكال الشعرية في غناء الفجري.

الفصل الثالث:فصول الفجري، البحري (العدساني) الحدادي (المخولفي) الحساوي، الفروقات اللحنية، ما قيل في فن الفجري، إمداداته وتشكيلاته في العصر الحديث، كيفية الإبقاء عليه.

الفصل الرابع: الأهازيج البحرية، الغناء البحري، أغاني الغوص، مسميات الغوص، الغناء في رحلة الغوص.

الفصل الخامس: دور السمرة وفرق الغناء النسائي، دور السمرة، دار السامر، الفرق النسائية، الفرق النسائية، الفرقة النسائية والمعروفة عند العامة باسم (العِدَّة)، الإيقاعات التي تستخدمها النسوة.

الفصل السادس: فرق الغناء الوافد، الدار في الغناء الوافد والمخصصة للزار، اللِّيءوَةء، طريقة أداء وَصءلة غناء اللِّيءوَةء، أسماء الفرق المتخصصة في اللِّيءوَةء والعازفين، الطنبورة، الكنارة، أسماء الفرق المتخصصة في فنون الطنبورة، القِرءبَة.

الفصل السابع: الدار الشعبية وأعلامها في المجتمع، دور الدار الشعبية في المجتمع، أوضاع الدور الشعبية، الدور الشعبية الموجودة في السبعينيات في البحرين، الدور والفرق الشعبية الموجودة حالياً في البحرين، الدور الشعبية القديمة في المحرَّق، بعض من الدور الشعبية في المحرق، الدور الشعبية في البديع (دور الدواسر)، الدور الشعبية في المنامة، الدور الشعبية في الزلاق، النهَّامون والحدَّاؤون، بعض من النهَّامين والحدَّائين في البحرين، بعض من أشهر المطربين الشعبيين في البحرين.

إن ما يميز المجتمعات العربية القاطنة الخليج العربي هو تعدد البيئات الجغرافية المنعكسة بدورها على أنماط العمل التي تؤسس طرق أدائها في الغناء لمرافقة أجزاء العمل، فللرعاة والركبان حداء وللبحارة والغواصين نهامة وللفلاح والمزارع أهازيج، كذلك المرأة في دق وطحن الهريس.

وتكشف المقدمة التي كتبها الحربان عن موقف دفاعي لاعتبار أن الموسيقى جزء من التكوين البشري الحضاري، بل إن الفنون والآداب هي امتدادات عن حواس وأعضاء الإنسان، فاللغة لسان والغناء تجلي حنجرة، والصورة والرسم بصر، والرقص تجلي جسد..إلخ، وهذا ما يجعلها أسبق من المعتقدات الدينية والسياسية، حيث يقول: "ولعلنا نلاحظ المد الإسلامي والمتغيرات التي مرت بعصوره الزاهرة، والأخرى المعتمة التي لم تجعل لصولات تلك الإبداعات منفساً تتنفس من خلاله فبتراجع ذاك الاهتمام تراجعت الحرفنة في الموسيقى والغناء وتدهورت حتى أصبح المبدع في هذين شبيه الجمل الأجرب المبعد عن القطيع، ولكن المبدعين لم يوقفهم هذا التيار الذي يؤكد (عبر توهماته) على أن الأعراب أصحاب حرب وتجارة وليسوا أصحاب معازف وغناء (فنون وآداب صناعة واحترافاً)، مع أنهم يعلمون أن للركبان حداءً، وللبحارة غناءً، وللمزارع أهزوجة، فكيف لا تكون تلك النغمات موسيقى وغناء تواجدت تتابعاً جيلاً بعد جيل ؟(ص:9).

ولكون المجتمع في البحرين وريث حضارات متتابعة، وثقافات متلاقحة، فهو يقنن ما يقنن ويعدل أو يحذف ويضيف لهذا الموروث الغنائي العميق الجذور، ولعل اعتبار فن الفجري (غناء البحارة في الغوص) بصلته البعيدة عبر أساطير متناقلة عن تعلمه من مخلوقات أسطورية، كالجان وغيرهم، لهو يؤكد هذه الصلة السحيقة الزمن بما مر على جزيرة أوال (البحرين حالياً) في القرون الميلادية الأولى، وأرض دلمون ما قبل التاريخ عند السومريين من حضارات متعاقبة ثم بتوفر هذه الأرض على فن الصوت (غناء القصيدة العربية التقليدي) لهو يؤكد هذا التطور الحضاري العميق لهذه البلاد (ص: 10).

وإن (الدور الشعبية) عبارة عن مؤسسة اجتماعية أفرادها يقدمون خدمات حيوية، مثل: بناء البيوت وبناء السفن، وإحياء الأعراس والمناسبات الاجتماعية (ص:11).

ولعل لهذه الدور بتنوع استخداماتها، فالدار، تكون مخصصة للرجال غالباً، مؤسسة حفظ وتلقين التراث الغنائي: الفجري، والسامري، والعرضة، كذلك فن الاستماع والصوت، وأما البيت، يكون مخصصاً للنساء، مكان تجمعهم وتلقيهم هذه الفنون بعضها مشترك مما يغنيه الرجال، وبعضها الآخر خاص بهن كالدزة والعاشوري(الردحة) وفنون اللعبوني(النجدي، الحساوي) والخماري، وهناك نوع آخر من الدور يدعى (المكيد) المخصصة للعلاج الروحاني، حيث تقام طقوس الزار وموالد الذكر، ولعلها تكشف عن إحدى قيم المشاركة الاجتماعية، خاصة، بين الوافدين على جزيرة البحرين، وربما بين فئات المجتمع كلها، حيث: "التحاكي مع المعانة بشتى أشكالها في فنون تضيف على قهر بشرها متعة وفرحاً لتخفف مآسي الزمن وتخضعها بصبر دون مقاييس (ص:13).

ويوضح الحربان أن هذا القليل مما يمكن جمعه حيث تلعب بالذاكرة غوائل النسيان والموت، فهو كما يقول اعتمد على ما ورثه من والده محمد بن حربان وأعضاء داره الشعبية، وبعض الرواة، وبعض المصادر المكتوبة لإنجاز هذا الكتاب.

ومما يمكن أن يقال أن ظاهر هذه الدور تبدل مطالع القرن العشرين الماضي، حيث بدت بؤرة استقطاب لدور تجاوز الثقافي والاجتماعي إلى السياسي وقت الحضور المستعمر الأجنبي متمثلاً بالبريطاني، ولعل البحارة أو أهل الغوص وصيد اللؤلؤ وتجارته، أول من تضرر في محاولة ضرب هذا الجانب الاقتصادي خلال حرب بريطانيا مع مهرجاوات الهند لكونهم المستهلك الأكبر للؤلؤ الخليج، وقام المعتمد البريطاني بمحاولة هدم تلك الدور التي تنشأ منها وترعى تحركات اجتماعية مناوئة للوجود البريطاني وتهديده اقتصاد البلد الحيوي، وشهد على ذلك الرحالة بلغريف عندما مر على البلاد عام 1926، وكان أحد من أعادوا صياغة نظام البحارة ما جعله يتحول إلى قانون رق أو عبودية جديد عبر بيع وشراء البحار بديونه، وهذا ما أوصل عالم البحارة وتجارة اللؤلؤ طريقاً مسدوداً أنهاه اكتشاف النفط منتصف الخمسينيات(ص:134). ومن أصحاب الدور الشعبية كأحد النماذج المتميزة: دار ابن حربان(الدار العودة الشمالية بالمحرَّق)، صاحبها محمد بن جاسم بن حربان (1929-2002) الذي كان يذهب ليستمع إلى دار فرقة نسائية صاحبتها عيدان السهالوة ما جعلها تحت تواجده الدائم إلى توظيفه معها وبعد فترات فكر بإنشاء دار خاصة بعد أن بدت تهدأ موجة الغضب البريطاني من الدور إضافة إلى تصميم أهل البلد على التحدي والمقاومة، حيث بدأت الدار دكاناً في فريق بن هندي بالمحرَّق بعد قرار بلغريف إبان الثلاثينيات بهدم الدور الشعبية، ولكن تحولت خلال الأربعينيات إلى دار شعبية بدأ أعضاؤها بإحياء ليالي القرقاعون (أجر الجوعان كما حرفها الأكفال) في أواخر شهر رمضان استهلالاً بعيد الفطر، وكذلك أعراس أهل المنطقة ثم لتزايد الملتحقين بها تحولت إلى مكان آخر وترأس الفرقة بن حربان منظمة عام 1947، واستطاعت الدار أن تحيي فن العرضة أمام مجالس أبناء العائلة المالكة، وفي الأحياء تحيي غناء فنون اللعبوني والخامري، وعادت في تلك الفترة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة سفن البحر ليعود فن الفجري نهم البحارة والغواصين، واستطاعت أن تشجع تأسيس شكل جديد من الدور ما حدا أن تكون نموذجاً للدور اللاحقة: دار مرزوق بن بلال، ودار علي بن صقر، ودار إبراهيم المسعد. ولعل فرقته الأولى التي أحيت مناسبات اجتماعية خارج البحرين: عيد الاستقلال الكويتي عام 1962في عهد عبد الله الجابر الصباح، وسجلت بعض الأعمال الغنائية لإذاعة الكويت، وكذلك أتمت تسجيلات أخرى لقطر والمملكة العربية السعودية، وساهم في أفلام تسجيلية لشركة بابكو. وتجاوز دوره الاجتماعي إلى دور ثقافي تنويري بأن يجعل من الفرق تتشارك بين بعضها بعضاً مستفيدة من تجارب بعضها في الحفظ والتلقين وخبرة الأداء والتكريس الثقافي، وهذا ما حداه إلى أن يؤسس فرقة البحرين للفنون الشعبية - 1985التي شارك بها كل أبنائه ضاربي إيقاع ومغنين يترأسها مؤلف الكتاب حالياً.

ويذكر في الكتاب بضع أسماء الدور الأخرى: دار جناع(صاحبها: جناع بن سيف المقلة الكواري)،ودار قلالي المتخصصتين بالفنون البحرية كالفجري وأغاني الغوص، ومن دور الرفاع الشرقي: الدار العودة والدار الكبيرة متخصصة في فن العرضة ودق الحب، ودار شباب الرفاع متخصصة في الفنون البرية: فنون اللعبوني والخماري، والصوت..

ومن دور البديع: دار جمعة بن مكتوب، ودار البديع الجنوبية، التي أسسها فريق من الدواسر التي تساهم في فنون الحضر: كالسامري، والبر: كالعرضة، والبحر: كالفجري.

ومن أبرز النهامين والحداة: (1909- 1986)، سالم العلان (1914-1981)، ومن أشهر المغنين:محمد بن فارس (1895-1947)، ضاحي بن وليد (1896- 1941)، محمد زويد (1900-1982)، عبد العزيز بو رقبة (1915-1968)، محمد عيسى علاية (1919-2002)، فرحان بشير (1921-1983)، عبد الله بوشيخة (1926-1989)، عبد الله أحمد (1926-1987)،محمد راشد الرفاعي (1927-1990)، يوسف فوني (1928-1998)، عنبر طرار (1928-1969)، أحمد خالد (1930-2003)،علي خالد (1931-2002).

وفي نهاية الكتاب لا يبدو الحربان متفائلاً عندما طرح سؤالاً مهماً: هل نحافظ عليها وننقذها من موت محدق ؟، فإن الدور الشعبية لعلها تتطور مع الزمن، ومنها تتطور كمؤسسة اجتماعية قائمة بذاتها تسهم في دورها الثقافي بمختلف أبعاده السياسية والوطنية والاقتصادية وسواها، وربما تكشف المحاولة التي أبقت الدور استندت على المقاومة والتحدي الشعبي الذي أثمر عودة الدور إلى أقوى مما هي عليه، ومن نتاجها تأسيس فرقة البحرين للفنون الشعبية كذلك اعتماد الأعمال الغنائية على عناصر الفرقة من مدربين وراقصين ومغنين.