حتى يومنا هذا يمكن قياس مستوى الازدهار التجاري في أي دوله بكمية "ال-كراتين" المصنعة فيها.. فكراتين التغليف العادية (التي تصنع من الورق المموج) تغلف بها 80% من المنتجات الصناعية والمصدرة للخارج؛ وبالتالي من الطبيعي أن يرتفع انتاجها - أو ينخفض - بارتفاع أو انخفاض الأدوات المصنعة والمصدرة في أي بلد!!
وكما هي حال "الكراتين" مع المنتجات الصناعية تسري نفس العلاقة بين محرك "جوجل" والمنتجات المعرفية..
فهذا الموقع الإلكتروني - كما يعرف معظمكم - يُعدُّ حالياً الأكثر شهرة واستعمالاً للبحث عن المعلومات عبر الإنترنت. ونسبة الدخول إليه تعطي إشارة واضحة لمدى الإقبال على المنتجات المعرفية في أي مجتمع حول العالم.. وهو لا يوفر فقط خدمة البحث عن النصوص والأخبار والمعلومات المكتوبة، بل وأيضاً البحث عن الصور والمدونات ومقاطع الفيديو والراديو والخرائط الفضائية (بل وحتى البحث داخل أرشيفي الخاص الذي يعود لسبعة عشرعاماً)!!
وخلال السنوات القليلة الماضية حقق موقع جوجل شهرة عالمية وشعبية كبيرة لدرجة تحول اسم الشركة نفسها (Google) إلى فعل لغوي دخل قاموس أكسفورد الإنجليزي ثم ويبستر الأمريكي (حيث يأتى بمعنى يجوجل أو يبحث عن المعلومات.. To Google)!!
وبهذا الخصوص يقول كلاوس شواب رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي إن العالم تجاوز عقبة "العولمة" إلى مرحلة جديدة تدعى "الجوجلة" حيث استطاعت شركة جوجل أن تجعل من المعلومة معياراً للتنافس الحقيقي بين الأمم ونجحت في بيع المعلومة كسلعة سهلة المنال - ولكنها في نفس الوقت صعبة الإنتاج على معظم المجتمعات !!
.. وما يدهشني أكثر من ظاهرة الجوجلة - ويثير غيرتي بالطبع - هو نجاح الشركة وثراء مؤسسيها خلال وقت قصير؛ فشركة جوجل لم تتأسس إلا في عام 1998على يد شابين صغيرين من جامعة ستانفورد (الأول يدعى لاري بيج والثاني سيرجي برين). وقد بدأت في الأساس ك "مشروع تخرج" اعتمد على ابتكار معادلات رياضية جديدة تبحث عن المعلومات بسرعة خارقة وتعاود أرشفتها لبقية المستخدمين. وهي تبلغ من الذكاء حد قدرتها على التأقلم مع تفكير المستخدم وتذكره في كل مرة يدخل فيها الموقع (حتى قيل: إن لم تجد ما تبحث عنه في جوجل من أول ضربة فمعنى هذا أنه غير موجود على أي كمبيوتر حول العالم). ومن 600موظف عينتهم الشركة في أول عام ارتفع عدد الموظفين الى 12.000بنهاية عام 2006.ومن كاراج سيارات لا يتجاوز إيجاره الشهري 150دولاراً ارتفعت قيمة الشركة إلى 150بليون دولار هذه الأيام..
ورغم أن محرك جوجل يعد حديث العمر نسبياً (مقارنة بمحرك ياهوو أو ويندوز مثلاً) إلا أنه يستحوذ على 54% من مستخدمي الشبكة العالمية. وبسبب الاستعمال العالمي المكثف لهذا الموقع تحول هو ذاته الى "أداة" تقيس استهلاك الأمم للمعارف المتداولة عبر الإنترنت؛ فكلما زادت نسبة الدخول على موقع جوجل دل ذلك على تعطش شعوب تلك المنطقة أو سكان ذلك البلد للمعلومات والمعارف الإلكترونية (والعكس صحيح).. وفي مركز الشركة الرئيسي (في مونتن فيو بكاليفورنيا) توجد شاشة إلكترونية ضخمة توضح كافة دول العالم وكثافة الدخول على الموقع فيها. وعلى هذه الشاشة تُشاهد نقاطا زرقاء (مضيئة وكثيفة) فوق دول مثل أمريكا وكندا وبريطانيا واليابان ( كدليل على كثرة وكثافة الداخلين لجوجل فيها).. وفي المقابل توجد نقاط أقل إضاءة وازدحاماً فوق دول مثل باكستان وتركستان وألبانيا والدول العربية.. أما فوق دول مثل أفغانستان ومنغوليا وسيراليون وموزمبيق فيكاد الظلام يكون سرمدياً والليل حالكاً بلا نجوم!!