
كان الرحالة الهولندي هور غرونيه قد وصل إلى ميناء جدة عام 1885م وقضى فيها خمسة أشهر قبل أن يواصل السفر إلى مكة المكرمة في صفة طبيب اسمه عبدالغفار بعد أن أشهر إسلامه في جدة، تحدث عن ترقب المكيين وأهل الحجاز عموماً لشهر رمضان المبارك واستعداداتهم التي تبدأ مبكراً. حينها كانت القدرة على رؤية هلال الشهر متاحة أكثر قبل أن يتلبد الجو بالملوثات الصناعية خصوصاً في منطقة الحجاز وكان خبر رؤية الهلال سواء رمضان أو العيد يعلن عن طريق صوت المدفع الذي يغطي عشرات الكيلومترات ويصل قرى تبعد إلى 80كيلومتراً أما في نجد وبالذات القرى والصحارى إن لم ير في محيطهم فإن عليهم أن ينتظروا من ينقله لهم من أقرب مدينة أو تجمع سكاني وكثيراً ما كان الخبر يصل متأخراً إلى عهد قريب حتى أواخر الستينات الميلادية حيث كثيراً ما كان أبناء القرى والصحراء لا يلزمون الصوم أو يفطرون للعيد إلا قبل غروب الشمس بدقائق من اليوم التالي. وقد لا تختلف استعدادات الشهر في هذه المناطق عما اعتادوا عليه في سائر أيامهم الأخرى لشح ذات اليد غير استعدادات التزود بالطاعات:
في النصف الثاني من شعبان يدور الحديث عن اقتراب رمضان وهناك قصة طريفة تكرر سنوياً للأطفال في حوالي العشرين من شهر رمضان تقول: لقد بدأت قافلة (شيخ رمضان) من المدينة المنورة اليوم ومعنى هذا أنه لا بد أن يكون في مكة في ظروف عشرة أيام وفي كل يوم تال تسمى المرحلة التي يجب على شيخ رمضان قطعها في الطريق وفي النهاية يبقى غير مؤكد ما إذا كان سيصل في يوم أو يومين، لأن بداية الشهر تعتمد على رؤية الهلال في السماء الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان.
يستعد المكيون للصيام بنظافة معداتهم. فيذهب كل واحد منهم إلى طبيب ويسأله عن شربة. ويجهزها الطبيب بطريقته الخاصة التي يعتبرها ككل وصفاته سرية جداً. ورغم أن الأدوية الأخرى معروضة للبيع، إلا أن الطبيب يعطي الشربة مجاناً.
وينتظر الناس بتلهف صوت المدفع الذي يعلن بداية شهر الصوم وبعد سماعه مباشرة تصبح شوارع السوق أكثر حيوية وينادي بائعا المأكولات في كل مكان عليها وهي مأكولات طيبة المذاق مفضلة في رمضان، فيشتري منها من سيصومون وجبة كاملة يتسحرون بها قبل الفجر لتعينهم على الجوع وعلى ما هو أسوأ من ذلك وهو العطش في اليوم الأول للصيام.
يمكننا أن نعطي صورة واضحة لحياة المكيين في رمضان بوصف التقاليد والعادات لأية أربع وعشرين ساعة لأي يوم من أيامه والوقوف على أية إضافة أو تعديل فيها أثناء الشهر. وسنبدأ وصفنا بما يجري قبيل غروب الشمس وهو أي الغروب - الحد الفاصل بين يومين ونبدأ بالمسجد الحرام وعن تغطية صحن المسجد بالأشرعة تجنباً لحرارة الشمس وعن الوعاظ الذين يتحلق حولهم بعض الرجال للاستمتاع إليهم وتنقل من جاءوا إلى الحرم من خارج مكة لقضاء بضعة أيام فيه. في الصحن طلباً للظل.
قبل غروب الشمس يبدأ الزمازمة في حث أنفسهم على الخروج من خلواتهم (وهي غرفة قصيرة مظلمة تحيط بأروقة المسجد في الطابق الأرضي) فسيحون الحصائر والسجاجيد ويفرشونها على كراسي زبائنهم الموضوعة فوق الحصى في صحن المسجد أو بين أروقة الحرم ويضعون أمام هذه القطع الممتدة من الحصائر والسجاجيد جراراً (دوارق) ماء زمزم التي تكفي الواحدة منها خمسة أشخاص. ويضعون أمام زبائنهم المميزين إضافة لذلك وحسب ذوق هؤلاء الزبائن (دورقاً) أو اثنين من الماء العذب أو ماء المطر أو ماء قناة العين العزيزية.
وتتدفق أمواج البشر على المسجد عبر أبوابه التسعة عشر يحمل كل واحد منهم في يده كيساً أو سلة صغيرة مملوءة بالخبز أو التمر والزيتون أو التين ويتبع العبيد المماليك سادتهم الأغنياء حاملين على رؤوسهم أطباقاً معدنية مليئة بالطعام ويأخذ الجميع أماكنهم منتظرين اللحظة التي يلوح فيها الريس (رئيس المؤذنين) بعلم وهو واقف على الطابق العلوي لمبنى بئر زمزم لجنود القلعة. عندها يضرب الجنود المدفع. وبسماع المدفع تهمهم صفوف الموجودين شكراً لله. ويتبع ذلك الشراب أولاِ ثم الطعام. وبعد دقائق قليلة يرفع الأذان من المنارات السبع وتصلى صلاة المغرب.
(يتبع)
@التراث الشعبي في أدب الرحلات