الرئيسية > ثقافة الخميس

ماهي العلمانية؟



قراءة: عبدالله المطيري

العنوان: ماهي العلمانية؟

المؤلف: هنري بينا-رويث

المترجمة: د.ريم منصور الأطرش.

الناشر: المؤسسة العربية للتحديث الفكري والأهالي للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق.

سنة النشر:

2005عدد الصفحات: 262

؟ سؤال بهذه الجذرية جدير بالطرح والتفكير والمتابعة. خصوصا حين يوجه إلى أحد أهم المفاهيم في الساحة الفكرية اليوم، ليس في العالم العربي فقط بل وحتى في العالم كله، وأحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل والنقاش في أطراف كثيرة من العالم (فرنسا نموذجا) كما يثير هذا المفهوم العداوة والتكفير والاقتتال في الساحة الإسلامية خصوصا. مفهوم العلمانية، كغيره من المفاهيم، يفقد دلالته ومعناه الأصلي حين يتم إدراجه ضمن شعارات الصراعات الأيديولوجية المحتدمة. فهو يصبح حينئذ أداة سياسية يتم استغلالها لتحقيق مصالح الذات والوقوف بها في وجه الآخر. في هذه الأجواء تتم التضحية بالمفهوم العلمي والدلالة المستمدة من تفكير يحترم العقل من أجل استغلال مصلحي مؤقت. وهذا ما جرى بالتحديد في الساحة الإسلامية حيث لم يطرح سؤال: ماهي العلمانية؟ كثيرا. الكثير كان يحاول تحويل هذا المفهوم إلى شيطان يتم رجمه يوميا. دون أن يتساءل أحد بجدية، عن ماهيته وكنهه. ليست هذه مقدمة لتقديم العلمانية كحمل وديع مظلوم تم تشويهه بينما هو بريء من كل التهم ولا يتعارض مع معتقداتنا السائدة الآن وهنا. هذه المحاولة ستضر بمفهوم العلمانية قبل أي شيء آخر وستفقده معناه الذي تشكل وفق صيرورة تاريخية محددة. العلمانية جاءت نتيجة صراع طويل مع قوى مختلفة لاهوتية وسلطوية و دون الوعي بهذا الصراع وضرورته فإنه لا يمكن التأسيس الفكري لمفهوم العلمانية. هذا التأسيس الذي لم يتحقق حتى الآن في الساحة العربية ولعل هذا الكتاب يساهم في إعادة التفكير في هذا المفهوم. أيضا من المهم الإشارة إلى أن دخول العلمانية في الصراع الأيديولوجي كان من البداية وسيستمر ولكن دور التفكير الفلسفي هو الخروج عن هذه الدائرة نسبيا إلى مساحة التفكير الأكثر هدوءا واتزانا وموضوعية. أي الخروج من مساحة الدعاية إلى مساحة التفكير.

من المهم هنا ونحن نتحدث عن كتاب "ماهي العلمانية؟" لهنري بينا-رويث أن نشير إلى عدد قليل من الكتب الجادة التي تناولت العلمانية في دائرة التفكير لا الدعاية من مثل: كتاب الأسس الفلسفية للعلمانية لعادل ضاهر و كتاب محمد أركون عن العلمانية. وكتابات جورج طرابيشي العديدة والجادة كما نذكر كتابات تعترض على هذا المفهوم ككتابات الجابري الذي يرى استبعاد مصطلح العلمانية وإدراج العقلانية بدلا منه.

هنري بينا-رويث، كما ورد في مقدمة الكتاب، هو أستاذ الفلسفة في دور المعلمين والمعلمات في مدرسة فينيلون بباريس. وأستاذ محاضر في معهد الدراسات السياسية في باريس. وهو مؤلف كتاب "الله وماريان: فلسفة العلمانية"، وكتاب "شاعر في مجال السياسة: معارك فيكتور هوغو"، وكتاب "حكاية العالم: خرافات فلسفية". وبحسب علمي فإن هذا هو أول تقديم لهذا الفيلسوف الفرنسي للقارئ العربي. وهو تقديم مشجع ودافع لمتابعة كل كتاباته. استطاعت المترجمة القديرة د. ريم منصور الأطرش ترجمة هذا الكتاب في لغة عربية سلسة وقابلة للقراءة وهذا مالا يتوفر كثيرا ولعل هذا ما حدا بالروائي علاء الأسواني إلى ترشيح هذا الكتاب للقارئ العربي فهو كما يعبّر "أن هذا الكتاب، يناقش فكرة العلمانية بشكل واضح وبدون تعقيدات".

الكتاب:

يتكون الكتاب من مقدمة وقسمين، كل قسم يحتوي على ستة فصول، وخاتمة وملاحق أدرج فيها الكاتب عددا من النصوص القانونية المتعلقة بالعلمانية خصوصا من قانون 1905في فرنسا. ينطلق الكاتب في المقدمة من تحديد بديهية أولى لمبدأ العلمانية هذه البديهية كالتالي: في العالم أربعة توجهات تجاه الإيمان فهناك المؤمنون بإله واحد وهناك المؤمنون بتعدد الآلهة وهناك الملحدون وهناك اللاأدريون أي الذين ليس لديهم إجابة في هذا الموضوع. هؤلاء يعيشون في مكان واحد وعليهم أن ينظّموا حياتهم على مبدأ المساواة. يكمن الحل في حرية المعتقد والمساواة في الحقوق على السواء. إحدى أهم ركائز إعلان حقوق الإنسان. إذن السلطة العامة ستكون محايدة على الصعيد الديني بوصفها سلطة مشتركة بين الجميع. وأي تبنٍ منها لتوجه ضد الآخر ينفي عنها صفة المساواة الضرورية للسلطة لتكون عادلة وشرعية. لتحقيق هذا المبدأ شرطان أساسيان أولا أن على السلطة أن تبرز كل ما يوحّد الناس جميعا وتبتعد عن كل ما يفرقهم. أي أن تتبنى المشترك وتتعالى عن الخصوصيات. ثانيا: يجب أن يتعلم كل فرد كيف يحيا قناعاته الخاصة والمهمة محافظا على مسافة كافية عنها تخوّله إقصاء التعصب الأعمى وعدم التسامح. تبدو العلمانية هنا شرطا لوجود عالم مشترك لكل الناس.

من هو الفرد العلماني؟

هذا سؤال مهم كونه يُبرز الصياغة القانونية العلمانية للفرد كما السلوك العملي الذي يتسق مع هذه الصياغة. الفرد العلماني عند رويث هو: الفرد الواحد من الشعب الذي لا تميّزه أي حقوق ممتازة عن الآخرين ولا ترفعه إلى مرتبة أعلى منهم. فلا دور له معترفاً به كمسؤول عن الضمير ولا سلطة له ليفرض على الناس ما يؤمنوا به. من هنا يمكن أن يكون الفرد العلماني مؤمنا أو ملحدا أو لا أدريا. من هنا تتضح العلمانية أنها لا تتبنى توجها يمنع التدين أو الإيمان إنما ترفض أي سلطة تنبع من هذا التدين على الآخرين. إذن قضية العلمانية هي مع السلطة لا مع المعتقد الخاص. من حق كل فرد أن يتبنى معتقدا أو لا بشرط أن يبقيه في محيطه الخاص ولا يمارس أي سلطة على الآخرين.

المساواة والحرية وضرورة العلمانية:

هل يمكن تحقيق المساواة والحرية في مجتمع ما دون تحقيق العلمانية؟ إن أي نظام غير علماني حقيقي يقوم على تمييز يتنافى مع المساواة والحرية. يضرب رويث مثالا بالإتحاد السوفييتي السابق الذي تبنت السلطة الرسمية فيه الإلحاد ودعت له. في هذه الحالة فإنه لا يمكن أن يتساوى الملحد مع المؤمن كون السلطة تتخذ موقفا منحازا لتوجه دون الآخر. ومن هنا فإن المجتمع العلماني هو المجتمع السياسي الذي يستطيع الجميع فيه أن يعترفوا ببعضهم بعضا، والذي يبقى الخيار الروحي فيه شأنا خاصا. يضيف رويث: يتضمن المثل الأعلى العلماني فكرتين أساسيتين: أولا: الفصل بين ما هو مشترك للجميع، وبين ما يتعلق بالحرية الفردية والمحيط الخاص. يستهدف هذا التقاسم الإجراء العادل في حق التشريع، ويستثنى من ذلك النشاط الفكري الذي لا تطاله أي رقابة، والقناعات الفردية المكتسبة من حرية المعتقد وكذلك أخلاقية الحياة المستقلة في حدود الحق العام الذي يضمن تعايش الحريات كلها. الفكرة الثانية: فكرة سيادة الإرادة التي هي أساس قواعد الحياة المشتركة وقواعد الضمير والعقل الذي ينيره على حد سواء.

هل العلمانية وليدة المسيحية؟

هناك أطروحة تجعل من العلمانية وحقوق الإنسان نتاجا مباشرا للدين المسيحي انطلاقا من مقولة "ما لله لله وما لقيصر لقيصر". لا يوافق رويث على هذه الأطروحة بل ويناقضها. ففكرة المساواة لم تكن اختراعا مسيحيا، بل كانت موضوعا أساسيا في الفلسفة السياسية اليونانية فنجدها عند أفلاطون وأرسطو، وكذلك عند الرواقيين عندما يتعلقون بتدقيق ما يعرّف الإنسانية بشكل أساسي. إذن من أنتج العلمانية؟ يجيب رويث إن الفضل في إقامة النموذج السياسي والقانوني للمساواة وحقوق الإنسان يعود إلى المثل الأعلى لعصر التنوير. يشمل هذا الفضل الاعتراف الكامل والتام بحرية المعتقد وضرورة الاستقلالية العقلانية في المحاكمة التي تكسبها كل معناها. ولدعم هذه الأطروحة يقدم رويث في أكثر من موضع عرضا لموقف الكنيسة الحقيقي من الحرية والمساواة والمجازر التي ارتكبت لإيقاف مسيرة التحرر كما يورد نصا مهما لفيكتور هيجو سنة 1850وهو يخاطب الحزب الإكليريكي المتدين يقول هيجو "ها قد مرّ زمن طويل على تمرد الوعي الإنساني عليكم وهو يسألكم ماذا تريدون مني؟ ها قد مرّ زمن طويل وأنتم تحاولون خنق الفكر الإنساني، ومع ذلك تريدون أن تكونوا سادة التعليم! فأنتم ترفضون كل ما كُتب وكل ما وُجد وكل ما حُلم به، وكل ما استُنتج وكل ما وُضّح، وكل ما تخيله العقل، وكل ما اخترعه العباقرة، وكنز الحضارة وإرث الأجيال عبر الزمن، والتركة المشتركة للمتنورين. ولو كان مخ الإنسانية أمام أعينكم وتحت تصرفكم، مفتوحا كصفحة من كتاب، فإنكم ستحدثون فيه بعض الشطب".

العلمانية والمدرسة:

تثير قضية التعليم العام في الدولة العلمانية الكثير من النقاش. فالمطلوب من التعليم العام أن يكون محايدا تجاه العقائد والسياسات والأيديولوجيات. وهذا أمر صعب التحقيق لكنه يفترض أن يكون مراقبا باستمرار كي لا تتحول المدرسة إلى مساحة للدعاية الخاصة. يقول رويث "إن المدرسة العلمانية هي اليوم أحد الأماكن النادرة، أو ربما الوحيدة التي لا يخضع الناس فيها لمشروع متعدد الأشكال في شروطه، لا دعائي ولا ديني ولا سياسي. تتجلى العلمانية بحد ذاتها كاحترام ورهان على الاستقلالية والذكاء، والاهتمام بترك الولد يصبح طالبا ويصل تدريجيا إلى امتلاك أفكاره كي يتمكن من الاختيار بنفسه الخيار الروحي إن كان خيارا إنسانويا إلحاديا أو خيارا لرؤية دينية للعالم أو خيارا لا أدريا حصيفا". كانط يرى أن المعلم ملزم ببذل الجهد ليعلّم ما هو مقرر حسب القانون العام المشترك وليس حسبما يعتقد أو يفكر شخصيا، في ممارسته لوظائفه أمام جمهور السامعين الذي في عهدته. وماكس فيبر يحذر كل أستاذ يغتصب الكرسي العام المكلف به، من خلال استغلال منصبه لتمرير رسالته الخاصة: ليس الأستاذ نبيا وليس له أن يكون كذلك.

مبادئ العلمانية:

يؤكد رويث في أكثر من موقع في الكتاب على أن العلمانية تقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة هي: حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين أيا كانت خياراتهم الروحية وحياد المحيط العام غير الطائفي. ومن هنا يوفر هذا الجو العام فرصة التعايش السلمي بين الأفراد المختلفين بالضرورة. هذه الوصفة هي التي جعلت من العيش في الدول العلمانية في الغرب أمراً مطلوباً من أغلب الأفراد في العالم سواء كان عيشا مؤقتا أو دائما. فالفرد القادم هناك لا يواجه في المحيط العام تمييزا يذكر سواء ما يتعلق بإجراءاته القانونية المحايدة، أي غير المبنية على دين أو عرق أو توجه سياسي أو فكري معين. يتمتع بهذه الأجواء زعماء الأصوليات الإسلامية في الغرب كما يتمتع بها الملحدون واللاأدريون المهم أن لا يحاول أحد منهم فرض رأيه على الآخرين وأن لا تتبنى الدولة موقفا تجاه الآخر، عليها أن تقف دائما مع قيم المساواة والحرية والعدالة.

تتوفر في هذا الكتاب شروط تجعله يستحق القراءة: جديّته في التفكير وعمق ووضوح الأفكار والبعد عن الدعاية المجّانية وأنه من قلب الحدث ولكنه يصل إلى نقاش قضايا الأطراف ومنها قضايا تشغل المهتمين في العالم الإسلامي.

abdullah407@hotmail.com

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة