
استقر في ذهن الروائية العربية، وبخاصة في السنوات الأخيرة أن أقرب المسالك إلى قلب القارئ هو ضخ أكبر كمية ممكنة من المشاهد الجنسية في الرواية. فكلما أمعنت الروائية في مطاردة تلك اللحظات الحميمية الساخنة بين الرجل والمرأة، أو على الأصح بين الذكر والأنثى، نجحت الرواية، بل سجلت أعلى نسبة من النجاح يمكن أن يصل إليها كاتب. فهل هناك ما هو أحبّ إلى الكاتب من أن يقال إن الطبعة الأولى من عمله الأدبي قد نفدت، وأن المطبعة بدأت تدور اليوم لطبع الطبعة الثانية أو الطبعة الثانية عشرة؟
من بيروت يستطيع الناقد أن يرصد بوضوح التغيّر في تعريف الرواية أولاً، ثم التسيّب في كتابتها. فالرواية لم تعد عبارة عن رحلة في الذات الإنسانية، خلالها يروي الكاتب علاقة هذه الذات بسواها وبمجتمعها على الخصوص، وفيها ما يثري مخيلة القارئ ويُغني عقله ومشاعره، وإنما بات أفق هذه الرواية محدوداً محصوراً، إما بغرفة النوم أو بما هو في حكمها. فلا لزوم للروائية أن تضيع وقتها حتى في وصف طريق بطليها، أو أبطالها، إلى هذه الغرفة، وإنما تشرع فوراً في تصويب كاميرتها إلى أمكنة محددة في هذه الغرفة، ثم معالجة ما كان بأسلوب فوتوغرافي لا مكان فيه أحياناً حتى الظلال والإيماءات. فالذي كانت تكتبه ليلى بعلبكي، أو غادة السّمان، قبل ثلث قرن أو يزيد من اليوم، والذي كان الناس، أو بعض الناس، يُدخلونه في باب الفجور، أو الخروج على الآداب والنظام العام، بات شيئاً بسيطاً إزاء ما تنشره الروائيات المعاصرات أو العصريات. فالمعاصرة أو العصرية لم تعد تعني سوى الدخول إلى الأشياء من أبوابها، وسوى تسمية الأشياء بأسمائها الصريحة حتى ولو مجها الذوق العام، وحتى لو انتزعت هذه الأسماء من قاموس السوقة والعوام، وحتى لو كان كل ذلك لا يأتلف مع ما شُرع الأدب من أجله. فالأدب والرواية طرأ على تعريفهما، أو على مفهومهما، ما نأى به نأياً تاماً عمّا كان لدى الناس إلى ما قبل ربع قرن، أو أقل.
ومن بيروت، وبالنظر إلى أنها إما منبع هذه الروايات النسائية وإما مصبها، يستطيع الناقد أن يلحظ منافسة شديدة بين الروائيات حول من منهن الأكثر جرأة في التعبير عن جحيم الشهوات الجسدية. فحتى الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي التي اشتهرت بعناوين وبمضمون روايات تتحدث عن هذا الجحيم، قد تكون تخلفت إزاء روائيات أُخريات، جزائريات أو غير جزائريات، دخلن الساحة بقوة في الفترة الأخيرة وأثبتن جدارتهن لنيل لقب الروائية لا الأكثر تمثيلاً لعصرها أو لمجتمعها، وإنما لقب الأكثر بوحاً وكشفاً وتعرية. من هؤلاء الروائيات العربيات روائية صدر لها مؤخراً روايتان لا أعتقد أن مدينة مشهورة بالبوح والكشف، مثل باريس أو لندن، شهدت أو قرأت كتابات جريئة مثل كتابها حول موضوعات لا تُعالج أو تُقال عادة إلا بين صديقين، أو صديقتين، يحرص الذي باح أو كشف على أن يقول لصاحبه في خاتمة الجلسة أن المجالس بالأمانات مثلاً.. ولكن ما تعارف الناس على أن هذا الشيء الذي يدخل في باب أمانات المجالس لا يُذاع ولا يُكشف انطلاقاً من رقابة الضمير، أُذيع وكُشف وكتب واستقر فيما بعد، لا في باب الكتابة السويّة والأدب الرفيع، وإنما في باب أردأ أنواع الكتابة والأدب، لقد انصب جهد هؤلاء الروائيات على معالجة ما لا يدخل إلا في باب النزوات العابرة أو المغامرات المبتذلة. فما كَتبءنه لم يكن من الحب والشغف والهيام وضنى الروح وسقمها وأقاليم شقائها، وإنما عن لحظات سريعة فقيرة إلى السعادة الحقيقية، ولأن الروائية حرصت على وصف هذه اللحظات وكتبت رواية كاملة عنها، فإن من حق القارئ أن يجنح إلى الاعتقاد بأن ما وصفته الكاتبة في روايتها هو نوع من سيرة ذاتية. أي أنها روت لا مما تناهى إليها. فإذا صح ذلك، فإن من حق القارئ، أو الناقد، أن يستنتج أن النادي الذي تنسب اليه كاتبة هذه الرواية، وهي كاتبة ضعيفة انتجت رواية ضعيفة، إن صح أنها رواية، ليس النادي الأدبي فهذا النادي ليس من شيمته التحلّل أو الاستهتار على هذا النحو.
تفككت عُرى النادي الأدبي العربي في السنوات الأخيرة. لم يعد لدخول هذا النادي شروط كما كان عليه الأمر في السابق. وحتى لو كان هذا النادي في سالف أيامه متفلتاً من الشروط والضوابط، فقد كان المجتمع أو الجمهور يفرق أو يميز بين أديب وآخر، فيُعلي من مكانة هذا ويُخفض من مكانة ذاك. فعلى الرغم من كل لهفتنا، ونحن في مقتبل العمر، لقراءة الفصل الجديد من رواية إحسان عبدالقدوس (لا أنام أو أنف وثلاثة عيون وسواهما) في العدد الجديد من "روزاليوسف" وانتظارنا بفارغ الصبر الفصل الأخير منها، فإن إحسان عبدالقدوس لا يُصنَّف اليوم في عداد الروائيين الكبار في مصر. فهو يوضع في باب الروائيين الاستهلاكيين لا غير. وفي هذا الباب يضع الفرنسيون أيضاً روائية اشتهرت كثيراً عندهم، وعندنا، هي فرنسواز ساغان صاحبة "مرحباً أيها الحزن" وسواها من الروايات التي أقبل عليها القارئ في حينه اقبالاً كبيراً ثم انصرف عنها بعد ذلك انصرافاً كبيراً أيضاً وكأنه خُدع بها أصلاً. هذا مع الإشارة إلى أن إحسان عبدالقدوس، ومعه فرنسواز ساغان، هما كاتبان رصينان وجادان إذا ما قورنا بكتّاب وكاتبات الرواية العربية الجديدة ذات الطابع الجنسي الصارخ. فالواقع أن هؤلاء الكُتَّاب، وخصوصاً هؤلاء الكاتبات، تفوقوا على كل من سبقهم. بل إنهم يمهدون اليوم لنشوء أدب مختلف عن كل ما سبق، إن صح أن يدعى ما يكتبونه أدباً. فبعد ظهور رواياتهم التي نتحدث عنها، علينا ألاّ ندهش إذا ما ظهرت في السوق روايات، أو مطبوعات، كتبها أُناس من العامة حظُّهن من العلم واللغة محدود إلى أقصى حد. فإذا كان القارئ يهمه فعلاً أن يطلع وبصورة فوتوغرافية على قصص الإباحية والتفلت، فإن لدى العوام قصص وحكايات تفوق ما اعتادت الروائيات الجديدات بثه في رواياتهن.
على الغلاف الأخير لإحدى الروايات "الجريئة" التي صدرت في بيروت، قبل أيام، ينقل الناشر، أو تضع الروائية، نصاً مستلاً من داخل الرواية. في هذا النص ما لا يجرؤ المرء على التلفظ ببعض ما ورد فيه إلا إذا تلفت حوله ووجد أن أحدا لا يسمع ما سيقوله الآخر. وحول هذه الرواية ذكرت المؤلفة في حوار معها في إحدى المجلات أن والدها لو اطلع عليه لقتلها أولقاطعها إلى الأبد. وطالما أن الأمر يخدش كل ما هو مركوز في الضمير والأخلاق والآداب، من آدم إلى اليوم، فلماذا نلح إذن على هذا الجانب؟
لم يهتم دستوفيسكي ولا تشيكوف ولا تولستوي ولا مارسيل بروست ولا سواهم من عمالقة الرواية في العالم بضخ مثل هذه الكتل النارية في رواياتهم. لم يلتفت هؤلاء الروائيون إلى شباك التذاكر، أو الى "فن تدبير" الرواية الذي يتأسس وينمو اليوم على يد هؤلاء الروائيات الجريئات. ولكن ما لهم يبقون وتنتقل أعمالهم من جيل إلى آخر، ومن نصر إلى نصر، في حين تموت نصوص هؤلاء الروائيات الجريئات لحظة ولادتها، إن صح أنها ولدت أصلاً؟
1
كلام سليم اخي جهاد
جزاك الله خيرا.
ربى - زائر
06:59 صباحاً 2007/09/03