بدأ منذ نصف قرن ثم اختفى..
شهد الادب الحديث في السعودية نمواً واضحاً في كافة فنونه واغراضه ولقي رواجاً وازدهاراً بين المشتغلين فيه من مبدعين ودارسين وحظي بتقدير واعجاب الاوساط الثقافية العربية وترجم جزء منه الى اللغات الحية فأضحى ادبنا في مقدمة الآداب العربية.
لكن المتابع والدارس والمتأمل لحركة تطور الادب في المملكة يفاجأ بقصور واضح وبارز في انتاج الشعر المسرحي الذي أُغفل كثيراً في تجارب الشعراء على مدى تاريخنا الادبي ولم يتناوله الا نفر قليل جداً ممن اخلص لهذا الفن وفي مقدمتهم الشاعر الكبير حسين سراج في رائعته الشهيرة "غرام ولادة" الصادرة بمصر عام 1952م وبتقديم رائد القصة العربية الاديب محمد تيمور الذي اشاد واثنى على تجربته سراج في هذا الفن ثم اتبع اديبنا حسين سراج بمسرحية شعرية اخرى عنونها ب"الشوق اليك" ولا يفوتني هنا ان اوضح للقارئ الكريم ان الشاعر الحجازي الكبير فؤاد الخطيب قد حاز قصب السبق في الشعر المسرحي فأصدر مسرحية شعرية عام (1349ه - 1931م) بعنوان "فتح الاندلس" وطبعت بالأردن وخلال السنوات الماضية مارس ثلة من الشعراء الشعر المسرحي على استحياء وبنفس قصير وابرز من نظم فيه الشعراء احمد قنديل ومحمد سعيد الخنيزي وسعد البواردي وفؤاد شاكر وعبدالسلام حافظ وحسن قرشي، وفي مطلع التسعينات الميلادية من القرن العشرين يصدر الشاعر علي آل عمر عسيري مسرحية شعرية بعنوان "صابر" ويبدو لي انه آخر عمل شعري ممسرح لأديب وشاعر سعودي.
ثقافة الخميس حملت هذا التساؤل ووجهته الى نفر من المختصين ودارسي الادب السعودي فكانت هذه الاجابات:
في مستهل حديثنا عن ازمة الشعر المسرحي يحدثنا احد المختصين في هذا المجال وهو الدكتور عبدالله العطاس نائب رئيس نادي مكة الثقافي ومن ابرز المختصين في المسرح السعودي ليقول: ازعم ان الشعر الحر هو الاقرب والاجدى للشعر المسرحي وهو اداة ناجحة للمسرح فما من شك في انه اكثر صلاحية من الشعر التقليدي لسبب يسير وهو ان لغة الممثل يجب ان تكون صورة من الحياة ومانظن ان مسرحية مثل (كليوباترة) أو (قيس وليلى) لشوقي تمثل الحياة الواقعية تمثيلاً دقيقاً وهل كانت كليوباترة تلقي على عاشقها قصيدة من عدة ابيات، ثم ننتظر تعليقه عليها بكلمة او كلمتين؟
كلا اننا لا نتصور ان ذلك يحدث ولكن اذا انتقلنا الى الشعر الحر وجدنا انه من المعقول ومن المنطقي ان يخاطب الشخص صاحبه بسطر او سطرين فيرد عليه بكلمة او كلمتين وهذا هو الوضع الطبيعي في الحياة وفي الشعر الحر، ويا حبذا لو عرف شعراؤنا الأحرار هذه القاعدة لينطلقوا منها إلى كتابة الشعر المسرحي حتى يتواكب مع ما انجزه كل من صلاح عبدالصبور وعبدالوهاب البياتي وفاروق جويدة ومحمد أبو سنة لكونهم كتبوا المسرحيات بهذا الأسلوب وعرفوا ان كتابة المسرحيات لا تتناسب إلا مع الشعر الحر لانه يمكن أن يطول دوره ويقصر تبعاً لطبيعة الحوار التي قد تحتاج أحياناً إلى سطرين أو أكثر وقد يكتفي بجملة واحدة قصيرة مثلما فعل الشاعر صلاح عبدالصبور في مسرحية "الحلاج" ويذهب العطاس في رأيه ليقول: ان الحوار هو الاسلوب الطبيعي لبناء مسرحيات شعرية مستوفية لشروط المسرحية الحديثة من صراع متصاعد ينتهي بأزمة وحل، وإن كان هذا الأسلوب من الشعر الحر يتمثل الرمزية ويتوغل في أعماقها وربما كان هذا التوغل في الرمزية قيداً من القيود التي اثنت كثيراً من الكتاب عن الكتابة في هذا اللون.
وأخيراً اتمنى من كتاب الشعر الحر المقتدرين ان يسخروا قدراتهم لمنحنا لغة مسرحية داخل شعر متجدد وأصيل ومبرزاً المعاني الجديدة والناصعة.
من جهة اخرى يبحث الأستاذ الدكتور محمد بن سعد بن حسين عن اسباب غياب الشعر المسرحي ليقول: في مطلع النصف الثاني من القرن الماضي (الرابع عشر للهجرة) كان الشعر في بلادنا المملكة العربية السعودية مسايراً للشعر في مصر والشام بمفهومها الجغرافي الشامل، وكان الوهن قد دب في جسم المسرح فوهنت لغته وسمجت مقاصده، وطبيعي والحال هذه ان يضعف الادعاء الشعري فيه بل يختفي لكون عشاقه قد تضاءلوا ولأن صناعه قد تجافوا عنه لانهم تبينوا عدم جداوه لقلة رواده، وتنبهت الدولة المصرية لهذا الضعف فكونت لجنة من كبار الأدباء منهم طه حسين والعقاد وآخرون فلم يستطيعوا دفع الوهن عنه لاسباب لا داعي لذكرها.
ويواصل ابن حسين تشخيصه للحالة فيرى: انه نتيجة لذلك وهن الشعر المسرحي بعد شوقي وعزيز أباظة وامثالهما، وفي الزمن الأخير حاول عبدالرحمن الشرقاوي والدكتور أنس داود تنشيط هذا الفن اعني الشعر المسرحي فلم يجدوا لقولهم سامعاً فذهبت مجهوداتهما هباءً، وعلى تلك الحال يقاس الشعر المسرحي في بلادنا، بل ان هناك من الاسباب ما لا يمكن للشعر المسرحي في هذه البلاد أن ينهض وهي قائمة واهمها عدم وجود المسارح التي يسميها أهل اللغة (ملاعب التمثيل) إذاً ليس بالغريب ان يضعف الشعر المسرحي عند شعرائنا لكونه يصنع ليسمع لا ليقرأ وهذه طبيعة ما يقدم في الخيالة وملاعب التمثيل (السينما والمسرح).
ان المسرحية الشعرية تصنع لتمثل ولتسمع لا لتطبع وتقرأ، فاذا اختفى التمثيل والسماع كان لا بد للشعر المسرحي من أن يختفي، ولذا لم يكن عجيباً في تاريخ أدبنا في المملكة العربية السعودية ان لا ينجح الشعر المسرحي بل ان لا يبدع، ثم أن هناك سبباً آخر هو العامية التي زحفت على الخيالة وملاعب التمثيل فأفسدت اذواق الخاصة الذين كانت تعنيهم فصاحة القول بل ان الافصاح في تلك المسرحيات والافلام بات محط تهكم واستخفاف وهذا شر ما تصاب به الابداعات التي صار جلها يجنح الى العامية، بل انهم يخطؤون في العامي ايضاً فيؤنثون المذكر ويذكرون المؤنث ويأتون في لغتهم بما يضحك.
أما الكاتبة والصحفية حليمة مظفر فهي من تخصص في المسرح السعودي ونالت درجة الماجستير فيه مؤخراً وتأتي نظرتها في هذا الشأن فاحصة تنم عن متابعة ودرس فقالت من المبهج ان المسرح الشعري كان بذرة نمو هذا المنتج الثقافي في المملكة العربية السعودية، فقد كانت ولادة المسرح السعودي ولادة شعرية في بدايات التعرف على المسرح، وذلك على يد الرائد الشاعر حسين عبدالله سراج، وكتابته لأول نص مسرحي سعودي وعلى مستوى الخليج ايضاً عام 1932م، وهو نص مسرحية الظالم نفسه، ومن ثم تبعه بنص جميل بثينة عام 1942م، وهكذا تباعاً بدأ نشاط يسمى الكتابة المسرحية شعراً ونثراً لدى الرعيل الاول من الادباء السعوديين.
والسبب في رأيي، الذي ادى الى تراجع المسرح الشعري تراجعاً كبيراً الى درجة الاختفاء، هو قلة الشعراء المتمكنين من الشباب في نسج قصة درامية لها اساسيات الدراما لا مجرد ان يكون شعراً غنائياً وجدانياً، وثانياً لأن الشعر بشكل عام خلال السنوات الاخيرة تقريباً قد تراجع امام موجة الرواية تراجعاً كبيراً، فما يُصدر من دواوين شعرية لا تأتي شيئاً امام اربعين او خمسين رواية صدرت خلال السنتين الاخيرتين.
بجانب ذلك ما نلحظه من تراجع الذائقة القرائية للشعر في المجتمع، بسبب طغيان الشعر الشعبي من جهة، وضعف هذه الذائقة الاجتماعية لدى المتلقي من جهة اخرى، والتي تتصف بأنها ذائقة مدرسية لم يتم تحسينها وتوعيتها بقراءة جادة في التعليم المدرسي والجامعي الذي يعتمد الكلاسيكية اعتماداً كبيراً في منهجه.
وتعلل مظفر تأخر هذا الفن الى اسباب منها: قد يعود السبب الرئيس لعدم وجود نتاج مسرحي شعري الى ضعف ثقافة المسرح بشكل عام في المجتمع السعودي، وضعف المسرح السعودي بشكل عام، فلا معاهد متخصصة ولا دور مسرحية لعرض المسرحيات، ولا كاتب محترفاً ولا ممثل محترفاً ولا مخرج محترفاً، وانما مجموعة من المجتهدين الذين احبوا المسرح ومارسوه في ظل تحديات كبيرة لا تساعدهم على التطور في اغلب الاحيان، فكيف يمكن ان ينتج ذلك مسرحاً شعرياً في ظل تحديات تواجه الشعر حالياً من جهة وتواجه المسرح من جهة اخرى.
الدكتور محمد خضر عريف أستاذ الأدب والنقد بآداب جامعة الملك عبدالعزيز وأحد الذين ساهموا بالشعر المسرحي يطرح رؤية هامة في هذا الشأن فقال:
من الملاحظ أن الأجناس الأدبية كافة نهضت في المملكة العربية السعودية في الفترة التي صاحبت انتصارات الملك عبدالعزيز رحمه الله منذ فترة التأسيس الأولى وحتى وقتنا الحاضر، فوجدنا القصيدة بأنماطها كافة ما بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة بل وحتى قصيدة النثر. ووجدنا القصة والاقصوصة والرواية والمقالة وفنون السرد جميعاً التي برز فيها عمالقة يعرفهم القراء ليس في المملكة وحدها بل في أقطار العالم العربي كله. ويبدو ان التأليف المسرحي عموماً، والمسرح الشعري خصوصاً لم يحظ باهتمام الادباء السعوديين المبدعين.. كما اعلم من استعراضي الحالي لمئات الاعمال الادبية السعودية - ويبدو ان الرئاسة العامة لرعاية الشباب ادركت هذه الحقيقة منذ وقت بعيد، وكان أمير الشباب وقتها فيصل بن فهد بن عبدالعزيز حريصاً على حث الشباب على التأليف المسرحي فأقيمت مسابقة ضخمة على مستوى المملكة للتأليف المسرحي في مطلع الثمانينات الميلادية، شاركت فيها شخصياً وفزت فيها بالجائزة الاولى على مستوى المملكة عن مسرحيتي: "كان هنا بيتنا" التي طبعتها رعاية الشباب وقدم لها أمير الشباب شخصياً آنذاك فيصل بن فهد بن عبدالعزيز رحمه الله رحمة واسعة، عام 1404ه..
والسبب في انصراف الأدباء السعوديين عن التأليف المسرحي عموماً وعن كتابة الشعر المسرحي خصوصاً هو عدم وجود المسرح بين ظهرانينا وهو أب الفنون الحديثة كما هو معروف، ورغم محاولات كثيرة منذ عهود متقدمة لتأسيس مسرح سعودي حقيقي الا ان ذلك لم يتم. ولا يغيب عن البال ما بذله الاديب السعودي المكي الكبير احمد السباعي في هذا الخصوص رحمه الله قبل عشرات السنين، حين كان سابقاً لعصره في رؤاه وأدبه وفكره وتطلعاته وآماله.
ولكن فن المسرحية الشعرية لم يغب تماماً عن ساحتنا الادبية ورائدها بالطبع هو الاديب السعودي العملاق حسين سراج الذي ولد في الطائف البهية عام 1335ه، ونشأ في بيت علم وفقه وادب فقد كان والده رحمه الله من كبار قضاة الحجاز وهو الشيخ عبدالله سراج. ولم ينته ابوه في ذلك الزمن المتقدم جداً عن كتابة المسرحية عموماً والمسرحية الشعرية خصوصاً، ولم يجد في ذلك مانعاً شرعياً او خلقياً. ورغم ان معاصري حسين سراج لم يعرفوا هذا الجنس الادبي بالطبع الا انه نجح في المسرحية الشعرية وجوَّد فيها وانتج عديد المسرحيات الشعرية التي وصفها النقاد بالنضج والاكتمال الفنيين وكانت اشهر مسرحياته "غرام ولادة" التي طبعت للمرة الاولى عام 1952م، ثم اعيدت طباعتها حديثاً حين صدرت عن "تهامة" ضمن سلسلة "الكتاب العربي السعودي" رقم (66). وكان ذلك عام 1402ه - 1982م.
ويبدو ان حسين سراج قد استوحى كثيراً من مسرحياته الشعرية من التراث العربي. وكما استوحي مسرحيته الشهيرة "غرام ولادة" فإنها مستمدة من ادب العصر الاموي في الاندلس، وشخصيتاها الرئيستان هما الوزير الاديب ابن زيدون والشاعرة الاندلسية ولادة ابنةالخليفة المستكفي آخر حكام الاندلس من بني امية.
ولم يقتصر ابداع حسين سراج في مجال المسرح الشعري على مسرحية "غرام ولادة" بل سبقتها مسرحيات أخرى.. وان كانت هي الاشهر، فقد اصدر اول مسرحية شعرية له بعنوان "الظالم نفسه" عام 1932م في الاردن، ومن ثم مسرحية "جميل وبثينة" عام 1942م في الاردن ايضاً. ومن مسرحياته الحديثة مسرحية "الشوق اليك" التي صدرت عن تهامة عام 1402ه..
ومن عجب ان لا ينحو الادباء المعاصرون نحوه في تأليف المسرحية الشعرية في العصر الحديث الذي اصبح فيه المسرح متصدراً للفنون كلها، وفي ظل نهضة ادبية عامة تعيشها بلادنا ولله الحمد وانفتاح ثقافي وفكري غير مسبوق على فنون وآداب الأمم الأخرى ونهلنا منها بنهم دون أن يتعارض ذلك مع تعاليم ديننا ومبادئنا وأعرافنا السائدة.