
يحاول الروائي السوري ابراهيم الجبين ان يشعل شمعة جديدة في اخر النفق لتضيء بعض الفضاءات الملونة لرحلة امتزجت فيها التراجيديا المفعمة بالصور الحقيقية بالخيال الواقعي، الجبين في روايته "يوميات يهودي من دمشق" الصادرة مؤخرا عن دار خطوات السورية ومن خلال تجربته الشخصية المعاشة يرسم بسرد روائي سينمائي متقن محطات متماثلة في ذهنه حيث تحلق الصور الذهنية الوصفية في فضاء الشعر المتحرر من القيود، احداث وشخصيات ومواقف جمعها الجبين في يومياته الابداعية المتناثرة بلغة بصرية تقاطعت فيها الخيوط والابعاد الرمزية التجريدية، فتارة يضعك في مناخ شاعري وعاطفي وتارة اخرى ينقلك مباشرة إلى مكان آخر بعيداً عن ماهية الحدث لتكتشف في اخر الخيط الاول سحر العلاقة السردية ذات الطابع الجمالي والفني في الخيط الرابع، بطل الرواية اليهودي اخاذ "يحمل الكثير من الاسرار ويسافر مجبرا بعد ان سمح لليهود بالسفر لمن يشاء ولكن بشرط عدم التفكير بالعودة إلى سوريا، اما أخته زينب فتريد الرحيل بسرعة فهناك حبيب ينتظرها للزواج، ايضا راحيل فلا تريد مغادرة سوريا لانها تنتظر صديقها، وهنا لابد من الاعتراف بان الجبين اوجد بين هذه الشخصيات والاماكن والحارات والازقة الشامية لمسات جمالية مشفرة ربطت في ماهيتها بين الادب والواقع في عملية الرصد المسكون بكينونية السرد التراجيدي للاحداث .. - مشاهد متفرقة في حبكة روائية دراماتيكية لايستطيع الكثيرون تسجيلها، فهي خلط مشوق للصور والافكار دون نظام جمعت بين الخيال المدمى بالعشق تارة والاسى تارة اخرى، في حين نجد ان الوان الصور الصامتة التي اشرقت منها مرئيات السرد اعادت المشهد من جديد بعيدا عن معايير الترابط والتراتبية، ابطال روايته شخوص حقيقيون من حارة اليهود في دمشق ولكن باسماء مستعارة "آخاذ - راحيل - زينب - ليندا، وهذه الشخصيات تحاول ان تجد لها مقاربات عندما تختلط الاوراق والخطوط بين الديني والسياسي والاجتماعي، بينما تلتحم الانكسارات في التحول المجازي للسرد عند الشخوص الآخرين، عندما يقول على لسان احدهم" انهيت اليوم تبييض هذه القصيدة لكنها ليست عبقرية كفاية كي اعتقد انني انجز شيئا على مستوى النص الشعري المتطور وهي عبارة عن قصائد كتبت في بيت اسامة بن لادن بعد احداث
9/11مالذي تسمعه الآن؟
ومالذي تشعر انه ينهار خلف كتفك اليسرى
برج؟
تمثال بوذا؟
تل من الكومبيوترات المكومة على تراب قندهار
دم واشلاء ونار
وقافزون من الاعلى إلى الاعلى؟
مالذي تسمعه الآن؟
في هذا المكان البارد .. حيث طير اسود يدور على رؤوس الموجودين ويقف عند صورة الطفل الذي صار شيخا وعند اشيائه؟؟
في هذه الصور يحاول الجبين تجسيد رحلات بن لادن بين السودان وافغانستان وتورا بورا وبرج التجارة العالمي والاحداث التي قلبت موازين العالم، ثم يعود في رحلة إلى دهاليز واسرار البيت اليهودي لتتشابك من جديد ايمائيات الشخصيات وتنثرالكثير من المفردات، حكايات ربما تكون اوهام لكنها تقترب من مشهدية اللقطات المفردة في اختصار رسم اللوحة، الجبين الذي لم يعد يطيق التحضيرات التي اتخذها لابطال روايته تركهم يسبحون في مركز الدائرة تاركا لهم الحرية في الخيارات بعد ان تركوا حارة اليهود بدمشق تزداد هدوءاً ووحشة والبيوت القديمة تعج بالاسرار واللعنات .يوميات الرواية سجلها الجبين في دمشق وحلب وسياتل ونيويورك ويتوق في احلامه هذه الايام إلى جلسات مع اخاذ ونور وليندا والشيخ ما بعد الحداثي .. لقد استطاع الجبين ان يتفرد بالكثير من اللوحات الشاعرية المغزولة بما يشبه ماء الذهب، لقد اراد الجبين ان يقول ان دمشق هي مهد الشرائع السماوية وستبقى ملتقى التعايش لكل الاديان، ويرفض الكاتب ان توضع روايته في خانة التطبيع مع اسرائيل، ويرى بان مفاصل الرواية فيها الكثير من المحطات الانسانية الدافئة احيانا والملتهبة في اكثر الاحيان لكنها في النهاية مجرد عزف منفرد على اوتار الحياة المليئة بالاسرار ..