د. فهد عبدالله اللحيدان
"نعم تجلب الثروة السعادة ولكنها قد تكون لحظية، وقد تجلب الثروة التعاسة ولكنها قد تكون أبدية".
كانت هذه العبارات هي خلاصة محادثة اليكترونية مطولة بيني وبين صديقي " عبدالله" الذي التقيت به صدفة على الإنترنت قبل عدة أشهر، وكنت قد زاملته في سني الدراسة الثانوية، سافر بعدها وتغرب في الولايات المتحدة الأمريكية ودرس وعمل هناك وكسب ثروة جيدة من عمله وتجارته.
كنت خلال الشهور الماضية أراه بين الحين والآخر على الشبكة وكنا نتحدث بإيجار عن شئون الحياة وكان يبدو لي أنه مرتاح في إقامته وعمله هناك، وان كان يظهر عليه الجدية والدقة في أمور حياته وعمله.
ففي المحادثة الأخيرة أبلغني بأنه صفى أعماله وباع الشركة التي أسسها وعمل بها، وانه سيعود وعائلته قريباً إلى أرض الوطن.
وبالرغم من غبطتي وفرحي بقرار رجوعه وعودته إلى أهله وأحبائه، إلا أن الفضول تملكني لكي أعرف السبب المفاجئ لهذا القرار:
فقال: الثروة هي ليست كل شيء كما قلت سابقاً، قد تعطيك الثروة أشياء حلوة في الحياة ولكنها ستسلب منك أخرى أجمل منها!.
فإن أعطتك الثروة الوجاهة الاجتماعية فهي ستسلبك البساطة والعيش الهادئ، وان يسرت لك المشاريع الكبيرة، فهي ستسلبك الراحة وهدوء البال!.
قلت له: هذا ما خلصنا إليه من الحديث والنقاش، ولكن لم توضح السبب؟
قال : يا أخي في سني الشباب كان الحلم الذي يراودني هو امتلاك شركة وموظفين وقدرة على الاستثمار والتوسع والنمو، وهذه الأحلام كانت تحجب عني أمور لم أفطن لها ومنها الإحساس بقيمة الانتماء العائلي، ولم افطن لصعوبة تربية الأبناء والبنات في الغرب.
وحينما ازدهرت لي الدنيا ووصلت إلى المرحلة التي كنت احلم بها وأكثر، فأعمالي التجارية مزدهرة والفرص الاستثمارية كبيرة وكثيرة، وصداقات عمل قوية.
وحين اكتمل البناء وفي لحظات صفاء ومراجعة مع النفس عميقة وجدت أن بناتي كبرن وأصبحن في سن المراهقة والتأثيرات التي تحيط بهن كبيرة.
وكان ابني قد تخرج لتوه من الجامعة وقد عانيت من متابعته أثناء الدراسة.
ولذلك وبعد تفكير عميق، قررت العودة والاستقرار في بلادي، وأنا الآن أقوم بتصفية أعمالي المتبقية هنا وإنهاء علاقاتي التجارية.
ونحن جميعا - أنا وأفراد عائلتي - نتطلع إلى العودة والشوق والحنين يملأ كياننا.
أخي : هناك في الحياة أشياء لا تقدر بثمن والهدوء النفسي والراحة العقلية التي شعرت بها وأنا أقرر العودة كانتا رائعتين.
نعم كنت سعيداً مما أنجزت في غربتي ولكن كانت هناك منغصات، وخفت من أن الاستمرار في الوضع الحالي قد يتحول إلى تعاسة دائمة، وقد لا أستطيع أن أتراجع عنها.
فقد عرفت عائلات لم تستدرك أمرها مبكراً، وكبرا أبنائهم وبناتهم في هذه البلاد، ولم يستطيعوا الرجوع وندموا على ذلك.كان صديقي "عبدالله" يكتب بسرعة وتلقائية، فتركته على راحته ولم أشأ مقاطعته، ثم اختتم محادثته بالعبارة التالية "آه ما أحلى الرجوع إلى أحضان الوطن"!!.