الرئيسية > تقنية المعلومات

مسار

كم قناعا نرتدي لنتعايش ونعيش ؟


د.فايز بن عبد الله الشهري

على غير ما هو رائج في الأطروحات (الإعلاميّة) يرسم العلم مجموعة نظريّات تحاول تفسير السلوك وفق محددات اجتماعيّة ونفسيّة تتفاوت تأثيرا وتأثرا تبعا لشخصيّة الفرد وظروف البيئة المحيطة به. ووفقا لهذا يرى العلماء أن مثيرات السلوك غير السويّ تظهر حال تَشَوه معتقدات الفرد وتشويش فهمه لذاته وتهافت علاقاته بمحيطه. ويحدث مثل هذا غالبا في المجتمعات التي تتبنى نمط تربية اجتماعيّة (ضاغطة) يتم فيها التركيز على (قيمة) الوزن الاجتماعي على حساب التوازن (الانسجام) الشخصي للفرد. ولهذا يجد الباحث صعوبة في قياس مستوى الانضباط الفردي في (أي) مجتمع يكون الفرد فيه مضطرا إلى ارتداء العديد من (الأقنعة) طوال يومه ليضمن لنفسه قدرا من السلام والتوازن (الاجتماعي) سواء في مكتبه أو بيته وحيّه.

وتأسيساً على ما تقدم لا مفرّ من القول إننا في مسألة (جدليّة) الانترنت والسلوك قد سمعنا (وما أطعنا) مقالة من يزعم أن الشبكة العنكبوتيّة وفّرت (الأقنعة) لروادها ومنحتهم الفضاء الحر ليصولوا ويجولوا مجادلين في كل قضيّة ، فاضحين لكل مستور؟ وتعجب حين تقرأ وتسمع ضجيج هذا المنطق الجدلي المعكوس في بعض الكتب والمنشورات وشرائط "الكاسيت" التي اجتمعت فيها (قوة) النبرة الاتهاميّة (وضعف) الأسس المنهجيّة للدعوى؟

ولهذا لا مناص - في مثل هذه الأحوال- من تكرار حقيقة أن الانترنت ليست إلا (وسيطا) بريئا ناقلا لمخرجات (سلوك) أطراف العلاقة الالكترونيّة الذين مُكِّنوا من خلال منتديات ومواقع الشبكة من (دقّ) أبواب الحريّة (البيضاء) ، ووجد الفرد (المأزوم) نفسه (حرّا) في تصوير نفسه ومجتمعه (بلا أقنعة) فكان ما كان مما نرى ونسمع. أما (فاتنة العصر) الانترنت فبقيت شاهدة عصرها توثّق سلوك (فرد) مجتمعها حين انفلت (ذات حريّة) خالعا أقنعته (الاجتماعيّة) مطلقا العنان (لفرديته) ليقول كل ما لديه حد التطرف.

ولعل هذا يفسّر بعض الفروق الصارخة في مضامين الخطاب الفكري العربي (المقيد) خارج الانترنت (المنفتح) على صفحاتها لأن الفرد كما يقول العلماء حين يسلك سلوكاً في مجتمعه الطبيعي يتوقع (ردات) فعل من حوله وبالتالي يجد نفسه يحسب كثيرا لنتائج سلوكه خشية العقاب الاجتماعي للسلوك (الشاذ) الذي قد يبدأ من نظرات الدهشة وربما الازدراء وقد ينتهي به خاضعا (بقسوة) لما تفرضه مؤسسات الضبط الاجتماعي بكل عواقبها.

واليوم بعد قرابة العقدين من عمر الانترنت الجماهيريّة -التي علّمت وربّت جيلا كاملا من شباب العالم- لم يعد ممكنا النظر إلى الشبكة كوسيط الكتروني جامد نكتفي باتهامه حين نسخط أو تجاهله حين نستنفد الحيل، فالشبكة باتت اليوم اقرب إلى السلوك الاجتماعي المنظم بقيمه وتقاليده وان سارت حتى اليوم خارج منظومة المجتمع التقليدي. وبما أن السلوك يعرّف عادة على انّه النشاط الذي يصدر عن الفرد من خلال ارتباطاته بمن حوله فما هو مقلق حقا في قضيّة السلوك والانترنت -خاصة في مجتمعاتنا العربيّة- هو اختصار (عوالم) الانترنت المدهشة عند كثيرين (شاجبين أم محبين) في قوائم الممنوعات الاجتماعيّة والمحرمات الدينيّة الأمر الذي قد يشجّع المراهق - بشكل خاص- على الميل أو الاستعداد لتقبل الكثير من أنماط السلوك غير السوي بل ويمكن أن تضفي المداومة عليه قيما ايجابيّة خاصة مع تنامي عوامل الإحباط الفردي وشدّة تناقض (القول مع العمل) في مجتمع الشباب الحقيقي.

صحيح أن مستخدم الانترنت قد يتخفّى خلف قناع الاسم المستعار في حواراته ومكاشفاته مع الآخرين ولكنه في ظاهر الصورة لا يرتدي إلا قناعا واحدا في حين لو تأملنا حالنا في نشاطاتنا اليوميّة لوجدنا أننا لا نجيب على سؤال...(كم قناعا نرتدي لنتعايش ونعيش ولماذا)؟

مسارات

قال ومضى يا صاحبي: من أتى معترفا (لا تمنعه)، وان توارى خلف (كل الأقنعة).

fayez@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    قناع نفس عن الكثير وقناع خاف من الغفير.
    اتعايش مع من هم حولي لكي اطير.
    واتضح ان جنحان الطير منتوف بالشعير.

    اذا وصلت الي هذا الحد لا وألف لا يا قناعي اخشى واستدير.

    عبدالرحمن الغامدي - زائر

    10:21 صباحاً 2007/08/26


  • 2
    الله على التحليل
    تصدق حسبت الأقنعة التي نلبسها في اليوم وجد بس 6 أقنعة
    وين حتى نوصل وجه الحقيقة

    sami - زائر

    01:54 مساءً 2007/08/26


  • 3
    سيدي
    الرجل يرتدي اقنعة ليعيش ويتعايش
    ماذا عنا نحن النساء اتدري اننا نتقنع ونخفي طموحاتنا المشروعة
    للسمعة قبل الزواج
    وللأخ
    والعائلة والقبيلة
    لا تخلع المرأة قناعها الا يوم دفنها
    البنت الناجحة هي التي لديها قناع لكل مناسبة
    وهي اليت تزوج بسرعة
    سيدي
    واصل النبش وازاحة الاقنعة عسى ساعدنا على أن نعيش
    ولو يوم بدون قناع لنركف هي الحياة
    مودتي

    أمل - زائر

    03:39 مساءً 2007/08/26


  • 4
    لحظة اعتراف
    1) الصبح بدري اقف أمام المرآة حوالي ربع ساعة لأضع قناع العمل الذي يتطلب
    الصبر على زميلة حشرية تشاركني مكتبي.
    2) في الطريق اضع قناع امرأة متزمتة جادة ولا استطيع ان اوقف لأخذ قهوة من محل عام حى لا تتسسل نظرات الشباب والسائق الى المزيد من جسمي
    3) مع بوابة الادارة ابتسم بقناع خاص لمديرة القسم التي تعينت بواسطة اكبر من حجم عمارة المملكة
    4) ثم أرتدي قناع الملاطفة لمجاملة مراجعة تخصصت في زيارتنا ثلاثة ايام كل اسبوع (لأنها فاضية)
    5) لا استطيع ان أناقش زملائي الرجال في مواضيع الناس والمجتمع فاضع قناعا لايقولوا هذي لعابة
    6) اعود الى المنزل فاضع قناع (الرضا) على حالي موظفة غير متزوجة تسمع من يقول وش فيها ما أعرست وتتتجاهل نعومة صوت اخوها وهو يطلب مئة ريال ليوصلها مشوار في غياب البديل
    7) هل ازيد. لحظة لم اصل الا الى نصف يومي
    يا دكتور الخيارا المتاحة أمامنا هي :
    إما الأقنعة او الموت المعنوي في المجتمع

    د.هند - زائر

    04:10 مساءً 2007/08/26


  • 5
    الله المستعان أقول المشكلة والطامة الكبرى ان كل هذه الاقنعة
    اكبر عقبة في طريق الصحة النفسية السليمة التي تنادي الفرد بان يعيش على
    سجيته وطبيعته التي خلقه الله عليها.
    ولكن يقدر احد منكم يعيش على سجيته...

    فهد علي عزيز - زائر

    04:32 مساءً 2007/08/26


  • 6
    هناك وجوه مقنعه جامده الملامح ولكنها تنبض بالحياه
    وهناك من يلجاْ الى لبس اقنعه بارادته تخفي حقيقته
    براْي دكتور فايز الكل يرتدي قناع لكي يعيش.!
    مزيد من التاْلق د.فايز

    بدور - زائر

    08:54 مساءً 2007/08/26



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة