الرئيسية > الرأي

مداخلة

تجربة المملكة مع الإرهاب ... فكراً ومنهجاً!


د. سعود بن عبدالعزيز المريشد

أوجز سعادة الأستاذ يوسف الكويليت في كلمة الرياض العدد 14291تجربة المملكة في مكافحة الإرهاب... فأجاد في الطرح كما هي العادة، من خلال مناقشته للإطار الذي على ضوئه تعاملت مملكة الإنسانية مع الإرهاب والإرهابيين، فمع شناعة جرمهم وخروجهم المفضوح على الخطاب الديني المتزن الذي عاهدناه من علمائنا وفقهم الله، التزمت حكومتنا الرشيدة بمبادئ الشريعة الإسلامية السمحة وغلبت حسن الظن والموضوعية في التعامل مع الإرهابيين وفكرهم المنحرف. إن تجربة المملكة حكومة وشعباً مع الإرهاب فكراً ومنهجاً تجربة قاسية ومريرة بكل المقاييس وكون تلك الأعمال الإرهابية لم تأت من غريب فهي أشد وقعاً على النفس لأنها جاءت ممن تربى في كنف هذا البلد المعطاء وعاش في ظله ونهل من خيراته ثم ما لبث أن تنكر لهذا وذاك وبات يهدد أمن وطنه وأمن أبناء جلدته وأمن مكتسبات الوطن الاقتصادية التي خص الله سبحانه وتعالى وفضل بها هذا البلد عن غيره من البلاد... وهي كذلك - أي تجربة التعامل مع الإرهاب والإرهابيين - تجربة فريدة من نوعها ومضرباً للمثل بين الدول بسبب حكمة وحنكة حكومتنا الرشيدة ليس من ناحية الوقوف خلف نجاح المكافحة الأمنية فحسب، والتي أثبتت في نفس الوقت كفاءة وولاء أبناء هذا الوطن في الدفاع عن وطنهم، بل من حيث التوجيهات الكريمة للأجهزة المختصة بحسن التعامل الموضوعي مع كل من له علاقة بالإرهاب في زمن حادت من تسمي نفسها بالدول الديمقراطية عن شعارات ومبادئ ديمقراطيتها ولم تكترث في إقامة التوازن بين واجب الدولة في توفير الأمن لمواطنيها وكذلك حقها في عقاب المسيء عن إساءته وتقديمه للعدالة، وفي نفس الوقت عدم تعريض الأبرياء للظلم تحت ذريعة مكافحة الإرهاب... فلجأت بعض من تلك الدول الديمقراطية لسن قوانين آنية لتعطيل حقوق المشتبه بهم وعزلتهم عن العالم الخارجي وزجت بكل من يشكل خطراً من قريب أو بعيد في السجون من أجل غير معلوم تحت حجة الحفاظ على أمنها القومي. لم تنتهج أو تتعامل مملكة الإنسانية مع الإرهابيين بأساليب الإرهاب نفسه للاقتصاص منهم على قدر فعلهم كما يحصل في بعض الدول الأخرى، بل أحسنت الظن بهم ولم تتخل عن أبنائها مع بشاعة جرمهم... إيماناً من حكومتنا الرشيدة بأن الغالبية من تلك الفئة ما كان ليسلك ذلك الطريق المظلم لو لم يوجد من يغرر به ويستغل ضعفه، ونأت بأجهزتها المختصة في المكافحة عن التصرف دون أدنى مسؤولية وتم التعامل مع كل من أثبتت التحريات والتحقيقات تورطه بالإرهاب وفق قواعد الشريعة الإسلامية السمحة والأنظمة والتعليمات النافذة في هذا المجال... بل قبل ذلك فتح باب العفو على مصراعيه لمن خرج عن الجماعة، وبعد ذلك قدَّم لهم النصح والإرشاد للعودة إلى الطريق المستقيم، وأيضاً المساعدة ليست فقط المعنوية بل كذلك المالية لإعادة تأهيل من غُرر به ليندمج في مجتمعنا الإسلامي الذي لا يضيق بالعفو والتسامح مهما حصل. إن الإرهاب مجازاً "كالفيروس" لمرض وبائي.... ربما يقل أو يبطئ أو يتلاشى نشاطه لفترة زمنية مؤقتة نتيجة عدم القدرة على المقاومة أو الاستجابة مؤقتاً للمضادات أو المسكنات والمهدئات والتي ربما لم تقتلعه من جذوره، لكن بالمكافحة المنظمة والمتابعة الفعّالة حتماً سوف يتم القضاء على ذلك الفيروس... فالآلية الجاري التعامل بها مع تلك الفئة أثبتت فعاليتها بفضل من الله وبفضل الاهتمام والمتابعة من قبل ولاة الأمر - يحفظهم الله - حتى يتم القضاء على تلك الزمرة الفاسدة إن شاء الله، وما طلب مجلس الأمن الدولي من المملكة لتزويده بمعلومات عن برنامج المناصحة لأجل الاستفادة منها على المستوى الدولي إلا شهادة بجدوى تلك الجهود ونجاحها، واعتراف دولي بأن الفكر الضال ليس مقصوراً على ديانة أو بلد معين. فعلى هذا الأساس يبرز أهمية دور المكافحة الاستراتيجي ذي المدى الطويل كالعمل على تحصين الأجيال فكرياً... أو ما يعرف ب الأمن الفكري Ideological Security ضد وباء الإرهاب حتى يكون لديها مناعة لما قد يستجد في المستقبل من أساليب وطرق للتطرف خصوصاً في ظل الثورة التكنولوجية الهائلة والتي خلفت ملاذاً فضائياً آمناً لذلك الفكر الضال. لقد أثبتت وبرهنت لنا تجربتنا الناجحة في التصدي للهجمات الإرهابية أهمية العمل على اجتثاث الإرهاب من جذوره وكذلك بنفس القدر تحصين المجتمع ضد الفكر المنحرف، وكلاهما يستلزم جهداً استراتيجياً جماعياً ذا أهداف وخطط وآليات مدروسة ليس فقط على المستوى الرسمي بل كذلك غير الرسمي، وأن يكون هناك تنسيق وتفاعل واندماج ومصارحة بين تلك المستويات لضمان فعالية تلك المكافحة على المدى البعيد، حتى لا يتسبب أي اجتهاد غير مدروس أو خلل لذلك العمل المنظم في فشل منظومة المكافحة ومن ثم يستغل لتجنيد أعضاء جدد لا سمح الله.لقد أظهرت لنا مكاشفة الفئة الضالة مدى إفلاس منهجها وهشاشة هدفها وسطحية ثقافتها وفساد غايتها وزيف شعاراتها وضعف مبادئها، لكن الأهم من ذلك برهنت لنا من ناحية أخرى مدى تلاحم وولاء والتفاف أبناء هذا الوطن حول حكومتهم وشجبهم لكل فكر منحرف واستعدادهم لتقديم الغالي والنفيس من أجل رفعة هذا الوطن وأمنه. فتحية اعجاب وتقدير لجهود ربان سفينة المناصحة الذي أحسن النية فاستحق دعاء الجميع بالتوفيق وبذل ولم يدخر من أجل أمن وأمان الوطن والمواطن فاستحق النجاح... فقد غلب الحلم على الغضب والمجابهة على المواجهة والترغيب على الترهيب والإشفاق على القسوة.. وشهادة فخر بجهود طاقم هذه السفينة.

@ أكاديمي (معهد الإدارة العامة).

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    بيض الله وجهك يا دكتور دائماً مهمتم بالوطنية كما عهدناك.الله يوفق على هذا المقال

    ابو ناصر - زائر

    10:35 صباحاً 2007/08/26


  • 2
    مداخلة قيمة. لكن يجب ان يعي المجتمع ان له دور في المكافحة
    الله يديم علين الأمن والآمان

    خالد القحطاني - زائر

    10:49 صباحاً 2007/08/26


  • 3
    الله يجزى حكومتنا خير الجزاء على محاربة الإرهاب والتطرف والغلو ويعينها على محاربة كل فكر ضال من أي جهة سواءا الغالى أو المتطرف الآخر الجافي الذي يسب ديننا ويستهزئ بعاداتنا وأخلاقنا الإسلامية ويريد أن يجرنا إلى الهاوية وهم بالفعل منبع الإرهاب لأن الإرهاب ردة فعل من ضعاف العلم والعقل لتصرفات ضعاف الدين المتطرفين من الجهة الأخرى وهم التغريبيين.

    ناصر التميمي - زائر

    02:31 مساءً 2007/08/26



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة