
تعتبر مشروعات التوسع في بنيات التعليم العالي من جامعات وكليات ومدن جامعية واحداً من أهم ملامح المرحلة التنموية الجديدة التي تشهدها المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير سلطان بن عبدالعزيز - حفظهما الله -.
ويأتي اهتمام القيادة الرشيدة بالتعليم العالي منسجماً مع رؤية خادم الحرمين الشريفين الطموحة لمستقبل بلاده ومواطنيه، ومتوافقاً مع مبادراته النابهة لمواكبة تحديات العصر والتي يشكل التعليم المتطور ومجتمع المعرفة أحد أهم مقوماتها. فالتنمية الاقتصادية الشاملة التي انطلقت بزحم أكبر مع بداية عهد خادم الحرمين الشريفين الميمون، كان لا بد أن تواكبها قفزة حقيقية من مؤسسات التعليم الجامعي والعالي ومراكز البحث العلمي لإعداد السواعد الوطنية الشابة المؤهلة والمدربة التي يمكنها أن تدير دفة العمل والإنتاج في آلاف المشاريع الصناعية والخدمية التي اشتملت عليها خريطة مشروعات التنمية الجديدة على امتداد المملكة الشاسع.
هذه الرؤية الاستراتيجية لأهمية بناء الإنسان السعودي وتوفير أفضل فرص التعليم والتدريب للشباب السعودي من الجنسين سرعان ما وجدت طريقها إلى التنفيذ بعد أن وفرت القيادة الرشيدة موارد ضخمة للنهوض بالتعليم الجامعي في المملكة. وخلال فترة وجيزة بدأت مشروعات وزارة التعليم العالي تخرج من غرف التصاميم والرسومات الهندسية إلى بدء التنفيذ العملي لبناء (12) جامعة جديدة وعدد من الكليات في مختلف مناطق المملكة ومحافظاتها حيث تجاوزت تكلفة المرحلة الأولى من الأعمال الإنشائية ال 6مليارات ريال. علماً بأنه تم تخصيص ثمانية مليارات لانشاء الجامعات والكليات الجديدة التي ستشمل أغلب المحافظات وقد تم تخطيط وتصميم المدن الجامعية الجديدة وفق أحدث المتطلبات المعمارية والتعليمية مع الأخذ في الاعتبار انشاء مرافق متكاملة للطالبات بما يوفر بيئة تعليمية تتماشى مع أعراف وتقاليد المجتمع السعودي، وبهذه المشروعات يكون عدد الجامعات الحكومية في المملكة قد ارتفع من 8جامعات إلى 20جامعة، وهي زيادة تعادل نحو 3أضعاف وهذه قفزة حقيقية في البنى التحتية للتعليم العالي السعودي ستضاعف من أعداد الطلاب المقبولين في الجامعات الحكومية وستسهم في توطين التخصصات العلمية والتطبيقية في بلادنا، كما ستعزز من جهود البحث العلمي بكل ما يمثله من مؤشر تطور وما يوفره من مردود إيجابي لصالح العملية التنموية. لقد روعي في مشروعات التعليم العالي الجديدة أن تستجيب لمفهوم التنمية المتوازنة والمستدامة الذي أكد عليه خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد الأمين في جولاتهما التفقدية على مناطق المملكة، فمعظم الجامعات الجديدة تقام في المناطق الأقل نمواً وهي تسد حاجة ملحة للمواطنين في هذه المناطق وتربط حركة التنمية في المناطق بخطط واستراتيجيات التنمية الوطنية بما يعزز تكامل المقومات الاقتصادية ويقود إلى نهضة موازية في اقاليم المنطقة تحد من هجرة السكان وتكدسهم في المدن الرئيسية. أضف إلى ذلك أن هذه الجامعات ستشكل جزء من منظومة مؤسسات التعليم الجامعي والعالي في المملكة مما يعني نقل وتوطين خبرات علمية وأكاديمية مهمة في المناطق وإقامة مراكز إشعاع علمي ومعرفي وثقافي في حركة التطوير والنهضة الاجتماعية لكل شرائح المجتمع السعودي.
ويبقى الدور الأهم لمشروعات الجامعة والكليات الجديدة والمتمثل في زيادة فرص القبول المتاحة للطلاب السعوديين من الجنسين فمع اكتمال منشآت المدن الجامعية الجديدة حسب المراحل المختلفة ووصول هذه الجامعات إلى طاقتها الاستيعابية القصوى، سيكون في الإمكان استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب في التخصصات العلمية التي تحتاجها التنمية وسوق العمل السعودي مثل تخصصات الطب والصيدلة والعلوم والهندسة بفروعها وعلوم الحاسب الآلي والعلوم المالية والإدارية وبعض هذه الجامعات الجديدة فتحت أبوابها لقبول أعداد مقدرة من الطلاب هذا العام مما مكن الجامعات الحكومية من استيعاب 75% من خريجي الثانوية هذا العام. ومع توقعات زيادة أعداد خريجي الثانوية في الأعوام القليلة القادمة في ظل معدلات النمو السكاني الحالية، فإن مشاريع الجامعات الجديدة جاءت في وقتها لمعالجة مشكلات القبول في الجامعات والتوسع في التخصصات المطلوبة.
ولم تقتصر مشروعات تطوير التعليم العالي لإنشاء الجامعات والكليات الجديدة، بل شملت برامج لإرساء بنيات تحتية للبحث العلمي تجاوباً مع توجيهات خادم الحرمين الشريفين بضرورة الاهتمام بالبحوث العلمية وتشجيعها، وعلى هذا الصعيد أنشأت الوزارة 7مراكز للبحث العلمي في عدد من الجامعات بتكلفة تصل إلى (450) مليون ريال ووضعت خططاً للتوسع في هذه المراكز المتخصصة مستقبلاً بإضافة المزيد منها في الجامعات الجديدة. وسيتكامل دور هذه المراكز البحثية مع مبادرات أخرى تصب في ذات الاتجاه مثل إنشاء الكراسي العلمية بالتعاون مع رجال الأعمال والقطاع الخاص، وكل هذه الجهود لها مردود إيجابي كبير على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وربط الجامعات ومؤسسات التعليم العالي باحتياجات المجتمع الحقيقية وتفعيل دورها في توطين العلم والمعرفة والتكنولوجيا العالية وتدريب وتأهيل الكوادر البشرية السعودية. مشروعات التعليم العالي تشمل أيضاً العمل المنهجي الذي قامت به وزارة التعليم العالي لاستثمار مبادرة برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي بتكلفة تصل إلى 10مليارات ريال والذي وفر فرصاً هائلة لآلاف الطلاب لدراسة البكالوريوس في جامعات عالية مرموقة بالإضافة لآلاف المبعوثين لنيل درجة الماجستير والدكتوراه. ولا يخفى أهمية هذا البرنامج الطموح في توفير كوادر وهيئات التدريس الجامعي لمواكبة التوسع الكبير في أعداد الجامعات والكليات الحكومية. إن محصلة كل هذه الجهود تشير بوضوح إلى أن التعليم العالي في المملكة يقف على أعتاب مرحلة جديدة كماً ونوعاً، والسنوات القليلة القادمة ستشهد ثمرة هذه المشروعات العملاقة التي تشكل دون شك دعامة رئيسية في النهضة التنموية التي تعيشها بلادنا في ظل راعي مسيرة التطور والرخاء والازدهار خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.