في كتاب "البواكير في القصة القصيرة" الذي تناولت فيه المجموعة الأولى لبعض كتاب القصة القصيرة الذين يمثلون مسيرة القصة القصيرة في مصر في مراحلها المختلفة، قلت إن هناك من يسارعون في نشر كل ما كتبوه في مجموعتهم الأولى، الأمر الذي ينعكس سلبا في كثير من الأحيان.
بينما آخرون لا يصدرون مجموعتهم الأولى إلا بعد الكثير من النشر ثم يتقدمون إلى الحياة الأدبية بمجموعتهم الأولى منتقاة، فتكون بداياتهم قوية بحيث تضع أقدامهم على عتبات الكتابة بقوة، وتكون البداية - التي هي كارت التعارف - خير ما يتقدمون به إلى القارئ وإلى الناقد. وهدى فهد المعجل بمجموعتها "بقعة حمراء" تنتمي إلى النوع الثاني من هؤلاء الكتاب.
فقد قرأت لها بعض القصص المنشورة على النت، وحين وصلتني المجموعة لم أجد فيها من هذه القصص سوى قصة واحدة - كانت أفضلها بالفعل - فقلت خيرا فعلت. فبينما كانت تلك القصص تشير إلى كاتبة لازالت تبحث عن معنى للقصة القصيرة، وجاءت المجموعة لتشير بقوة نحو كاتبة قد تفهمت ودرست القصة القصيرة، وبدأت تدلو بدلوها وتساهم في صناعة تاريخ للقصة القصيرة في المملكة العربية السعودية. وهنا أضيف تفضيلي لكتابة تاريخ الكتابة نهاية كل قصة، حيث يساعد ذلك الدارس في تحديد تطور الكاتب - أو الكاتبة - وبالتالي دراسة الكتابة في منطقة محددة.
ولنبدأ بقصة "شرف طباعة الرواية" التي أعتبرها أفضل قصص المجموعة، علاوة على أنها تحمل الكثير من عناصر وسمات كتابات الكاتبة هدى، التي من أهمها البخل، فإذا كان البخل في الكتابة الإبداعية عامة مطلوب، فإنه في القصة القصيرة أدعى وأهم، وقصص المجموعة عامة تقع في مساحة تترواح بين الصفحتين أو الثلاث صفحات، لكنها تقول ما هو أكثر من ذلك كثيرا.
يتوقف مؤلف رواية كثيرا عند النهاية، يجف الورق، ويتعجل الناشر الرواية للنشر، فتكتب الكاتبة هذه السطور:
(لم أتمن منقذا - يختم فصول الرواية - سواه، ويسدل الستار على آخر قطرة حبر بللت ريق الورق المتجعد جفافا بفعل الحيرة، بعد أن بلغت روحه الحلقوم، فإعادتها - له - مشيئة الله شبه معاق).
الحركة أو الفوران الداخلي في الكلمات يفجر الكثير ويثير من الدوامات ما يقض ويقلق، دون أن يعطي ويمنح ما يريح، وذلك هو الأدب الحق.
لم أتمن منقذا، كم هي الحيرة والورطة التي وقع فيها - المؤلف الضمني - حتى يصبح الإنقاذ أمنية ورجاء، ثم .. (آخر قطرة حبر بللت ريق الورق المتجعد ..) فأن يصل الريق حد التجعد، وأن يحتاج الورق مجرد قطرة كي يتعلق بأمل الحياة، فإن ذلك يوحي برجل أوشك على مفارقة الحياة عطشا في صحراء مجهولة، وما هو بحاجة إلى شيء قدر احتياجه لقطرة ماء تبقي له الحياة. العبارة مكثفة مشحونة بالمعاني والإيحاءات الفلسفية الجدلية التي تعيد للذاكرة مسرحية "ست شخصيات تبحث عن مؤلف" للكاتب الإيطالي الأشهر لويجي بيراندللو. فالرؤية هنا - كما ذكرنا - رؤية فلسفية وجودية تبحث عن نهاية الإنسان، ذلك الذي خلقه مؤلفه (شبه معاق)، وقد تخيرتها الكاتبة (شبه) ولم تقل أنه معاق، إذ لو كان معاقا لما استطاع فعل شيء، أما أنه شبه معاق، فهو يحتمل الفعل واللافعل، وكأننا أما السؤال الفلسفي الأبدي: هل الإنسان مسير أم مخير؟ هل هو قادر على الفعل أم غير قادر؟ وكأن الكاتبة تضعنا مباشرة في مواجهة وجودنا، خاصة أنها تخرج ببطل الرواية من الورق ليحاسب المؤلف الضمني:
(لم أنت مُقعد؟
أنت من فعل بي ذلك
ولكني تركتك معتليا الجبل تريد الانتحار
نعم.. وعندما مزقتَ الورقة، وألقيتها، هويت على ركبتي فتمزقت الأربطة..).
فعلى الرغم من إرادة البطل الإنسان بوضع نهاية لحياته - بالانتحار - فإنه لم يستطع، فما ذلك من شأنه ولا بيده، بل بيد المؤلف.
وقد نجحت الكاتبة كثيرا في خلق الحركة من السكون، فعلى الرغم من كون البطل مجرد كلمات وحبر على ورق، إلا أن خروجه من الورق وإثارة الجدل مع المؤلف خلق نوعا من الحركية المشحونة الضاجة، بلغت ذروتها عندما يمزق المؤلف الوريقات الأخيرة للنهاية غير المرضي عنها، يهوي البطل على ركبتيه فتتمزق الأربطة، يعود البطل إلى ما كان عليه قبل هذه النهاية، وكأن العلاقة فورية مباشرة، وكأن القارئ يعيش في الفعل المضارع مع المؤلف والبطل والكاتبة في نفس الآن.
ثم تأتي النهاية العبثية الوجودية الساخرة - التي تعطي الرؤية الأشمل للكاتبة من خلال مجموعتها - حيث لم تجد القطة فرصة للتبرز، فتسحب أوراق الرواية، بفصولها، لتتغوط عليها، والناشر في الانتظار، ولتنتهي الرواية والقصة والحياة بهذه السخرية التي توحي بلا جدوى الحياة، ولا جدوى أي شيء.
ونرجع قليلا إلى الوراء لنقرأ القصة الأولى في المجموعة "الرولزرايس" حيث الرؤية الأقل اتساعا، رؤية التحولات البشرية، خاصة العاطفية، حيث تنصب شباكها حوله وهو لم يزل بالمرحلة الثانوية، وبدافع التركيز على الهدف في الحصول على الثانوية العامة، ومن ثم الحصول على السيارة التي وُعد بها، يقاومها، غير أن طبيعته الشابة، وطبيعته الرجولية، لا يلبث أن يتحول إلى البحث عنها، وبدلا من كونه - في السابق - يتهرب منها أصبح هو الذي يسعى ويجد في البحث عنها، إلى أن يجدها في عربتها الرولزرايس أمام بيته في صحبة شقيقته. وهنا تتركنا الكاتبة نتخبط ونتساءل، وماذا تم، لكنها النهاية المفتوحة التي تدخلنا في دوامة السؤال دون أن تريحنا بالإجابة، وتكتفي بدورها المشير إلى التحول البشري من جانب، وإلى إشكالية العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، ورؤية كل منهما للآخر، في المجتمع الشرقي عامة، والمجتمع السعودي خاصة، وهي الرؤية التي تتناولها الكاتبة في أكثر من عمل من أعمال المجموعة، "غداً يأتي الله لنا بخير"، "صديقتها الأثيرة".
ففي الأولى "غداً يأتي الله لنا بخير" تعكس رؤية المرأة للرجل وكيف أنه استغل أموال زوجته، وجهدها وتعبها في زيجة أخرى خفية لا يُكتشف أمرها إلا بعد سنين طويلة. وهنا تستخدم الكاتبة - أيضا - النهاية المفتوحة المنفتحة، التي تعني فهمها الصحيح والجيد للإبداع الذي يسأل أكثر مما يجيب، فعندما تكتشف الابنة الطبيبة التي عانت أمها كثيرا أن المريضة المتقدمة إليها، هي أختها، تركتها الكاتبة وتركتنا نواجه المصير الجديد باحتمالاته المختلفة.
وفي "صديقتها الأثيرة" تقدم الكاتبة أيضا تلك الرؤية لذلك العالم الذكوري، الذي ترك للولد أن يفعل ما يشين، تركه يشرب الخمر، ويعود مترنحا في نهايات الليالي ، لكنها تضيف أن الرجل عندما ينحرف، فإن امرأة تشاركه الانحراف، ومن تكون هذه المرأة في حالتنا؟ إنها صديقة أخته الأثيرة. يضاف إلى ذلك دور المرأة المنعزل عن الرجل المنشغل، إما بالموت، وإما بالزواج، فإذا كان الأب قد انشغل بالزواج في "غداً يأتي الله لنا بخير"، ورأينا معاناة الأم في طمع الأبناء، فإنه قد رحل عن الدنيا، وتركها (الأم) تعاني تربية الأبناء، التي تبين أنها غير قادرة عليها في "مسحوق الزجاج" حيث انحرف الابن وأدمن حتى قضى الإدمان عليه، وهذا النموذج وغيره مما قدمته الكاتبة أيضا في "المصعد" نماذج مما قدمته رجاء الصانع في "بنات الرياض" واعتبره البعض تجاوزا، وما اعتبره ثورة على دفن الرأس في الرمال، حيث تتفق المجموعة والرواية في الثورة على المجتمع الرجالي الذي أتاح للرجل أن يفعل ما يشاء، وعامل المرأة كسلعة.
ففي قصة "لحظة الارتطام" تتوق الراوية لتحطيم القيود المفروضة، شغفا بالحرية والانطلاق، غير أنها تدمي قدمها وتتحطم هي أمام القيود الحديدية القوية التي لن تتغير بسهولة.
وفي قصة "المصعد" تقول الراوية:
(... وددت لو أني بمنأى عن أعين الناس، لحطمت الجهاز، وهربت.. لا يهم إن قال مكتشف فعلتي "أنثى مسترجلة" فماذا كسبنا من النعومة والرقة والتكسر والغنج سوى سيلان لعاب الرجال ..).
ثم:
(.. المرأة منا لا تجرؤ على الاستغناء عن الكبسة في وجبة الغداء ولو فعلت ذلك لكان مصيرها منزل والديها، تتبعها ورقتها.. والعزاء لمن قطعت من شجرة.. أو لا عزاء لها سيان ..).
فكم هو هش وضع المرأة في هذا المجتمع الذي تتوقف حياتها الزوجية فيه على وجبة (كبسة)، وويل كل الويل لمن تضطرها ظروف وتكون (مقطوعة من شجرة) لتتحمل ما هو فوق طاقتها.
وأيضا في قصة "كهل متصاب"، يكون من حقه الزواج بأكثر من واحدة، رغم علته وضعفه وعدم قدرته، بينما عليها أن تساق (هي) إليه كشيء، كجماد ليس له أحاسيس أو مشاعر:
(.. جاء بي إلى هنا عنوة، فرضخت للأمر الواقع ولم أجادل..!! ثم ما فائدة المجادلة مع ديكتاتور مثله لا يقيم للأنثى وزناً ؟؟!!).
فإذا ما أتينا إلى إهداء الكاتبة في صدر مجموعتها إلى جانب هذا حيث تهدي عملها لوالدتها (وليس لأحد سواك..) في إصرار وتحد، وجدنا أن الانتصار للأم خاصة وللمرأة عامة، هو السمة الغالبة على مضامين العمل عامة. وربما كان للقدرية التي تكتنفها دور في صيرورتها، فوجود المرأة في مثل هذا المجتمع لم يكن اختياريا، وإنما كان قدريا مثلما لقي ذلك الفتي حتفه يوم تحقيق أمنيته في "ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، ومثلما وقعت الأسرة بكاملها فريسة حادث قدري (.. اختلطت فيه دماء المتوفين وقد شكلت مع بقايا وقود السيارة "بقعة حمراء" كبيرة ..).
وعلى ذكر "بقعة حمراء" التي منحت المجموعة اسمها، تأتي الملاحظة. بقعة حمراء هو مجرد اسم لإحدى قصصها، لكنها لا تعطي الرؤية الكلية للعمل، حيث وجد التجانس الكلي الذي يغلف قصص المجموعة مما كان يتيح أن يكون للمجموعة عنواناً شاملاً يغلفها، حتى لو لم يكن عنوان إحدى قصصها، مثلما فعل الكاتب المصري خيري عبد الجواد في مجموعته الجميلة "قرن غزال".
ونستطيع القول بصفة عامة، أن ثورة نسائية قد انتزع فتيلها في ممالكتنا العربية، وأنها لابد يوما ستؤتي ثمارها، إلا أننا لا نريد أن يشوبها أي بقعة حمراء، حتى لو أرادتها الكاتبة المبدعة الواعدة هدى فهد المعجل.
الهوامش:
(1) بقعة حمراء - إصدارات النادي الأدبي بمنطقة حائل - ص
15(2) نفسه - ص
16(3) ص
37(4) ص
38شوقي عبد الحميد يحيي
1
الاستاذ الكريم شوقي يحيى..
قراءة ً ولا أجمل، رغم مابها من بعض قسوة أحيانا ً، إلا ّ أنني أجد أنه أحد مبادئ الحيادية في النقد الأدبي العام.. استمعت بها شخصيا ً ! لكن حبذا إرسال بعضا ً من تلك الأعمال لي أو غيرها من أعمال ترون أنها ترتقي بالذوق العام..
وتقبل أطيب الود..
Shajan96@hotmail.com
02:16 مساءً 2007/08/20
2
وفق الله الجميع للأعمال التي تفيد البلاد
وتنفع العباد في الدنيا والآخرة
وتثقل ميزان حسناتهم
يوم لا ينفع مال ولا بنون
اللهم ارزقنا اتباع الحق واجتناب الباطل.
Njwa2007@gmail.com
06:20 مساءً 2007/08/20
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له