لو سألتني عن أكثر الاختراعات تأثيرا في حياة البشر لأجبتك بلا تردد "التلفزيون" .. وهذا التأثير متنوع ومتشعب لدرجة يصعب جمعها أو حصرها في كتاب فضلا عن هذا المقال ..
ففي الماضي مثلا (أيام جدي وجدك) كان الناس بالكاد ينتظرون صلاة العشاء كي يغطوا في نوم عميق ، أما اليوم فأصبح من المعتاد تجاوز هذا الوقت والبقاء أمام التلفزيون حتى صلاة الفجر ..
وفي الماضي كان الناس وأفراد العائلة يتحدثون ويتواصلون بنسبة أكبر لتوفر مساحة كبيرة من الوقت ، أما اليوم فاحتكر التلفزيون أوقات الفراغ وأصبحت العائلات تجتمع أمامه "وكأن على رؤوسها الطير" ..
وفي الماضي كان الناس أكثر صحة ورشاقة لأنهم يتحركون بنسبة أكبر ويتوقفون عن الأكل بعد صلاة العشاء مباشرة واليوم أجبرهم التلفزيون على الخمول والسهر وتناول عدة وجبات قبل صلاة الفجر ...
أيضا في الماضي كان الأطفال يتلقون تربيتهم وأخلاقياتهم بل وحتى لغتهم الصحيحة من الوالدين والأقرباء المباشرين ، أما اليوم فتحولوا إلى "أنترناشيونال" تصوغ مبادئهم المحطات الفضائية والقنوات "المهضومة" ...
ولأنني شخصيا (مدمن تلفزيون) لا أرغب بالظهور بمظهر الناصح أو المتحسر على "أيام زمان" .. كل ما أريده فقط هو إيضاح القوة الجبارة لهذا الجهاز العجيب وكيف عجزت كافة الثقافات العالمية عن الوقوف في وجهه أو الحد من تأثيره .. فحتى وقت قريب مثلا (وتحديدا قبل انتشار البث الفضائي) كانت إيسلندا والأرجواري من البلدان القليلة التي توقف بثها التلفزيوني "مرة في الأسبوع" لترك فرصة للقاءات العائلية الحميمة .. وحتى وقت قريب كان التلفزيون السعودي يغلق أبوابه في الثانية عشرة ليلا ولا "يفتح" قبل الثانية عشرة ظهرا .. أما الصين وروسيا وبولندا فكانت تملك قوانين صارمة تمنع مشاهدة التلفزيونات الأجنبية خوفا من تأثيرها الإيدلوجي على شعوبها القانعة ...
وبالطبع أصبح هذا كله في عداد الماضي بفضل الانفتاح الإعلامي والانتشار الكبيرة لمحطات البث الفضائي .. فروسيا والصين مثلا بعد أن كانتا لا تملكان غير محطة حكومية واحدة تتقدمان العالم اليوم في عدد المحطات التلفزيونية ( 7306محطات لروسيا ، و 3240محطة للصين) .. وفي حين كان الفقر يجبر الصينيين والهنود على التجمع بالمئات أمام شاشة تلفزيون واحدة هاهم اليوم يتقدمون العالم بعدد التلفزيونات المتاحة للجميع (أكثر من 187مليون تلفزيون في الصين ، وأكثر من 84مليون في الهند) .. أما في أمريكا وتركيا وإيطاليا فتحولت مشاهدة التلفزيون إلى إدمان حقيقي يقتطع (على التوالي) مابين خمس الى ثماني ساعات في اليوم !!
.. كل هذا يثبت أن التلفزيون يقود العالم باتجاه واحد يصهر الحضارات ويمسخ الثقافات ويصقل الأجيال الجديدة ضمن هوية عالمية موحدة .. ولأنه يستمد قوته من ميزة التواصل والاطلاع والانفتاح على الشعوب والثقافات الأخرى (بدون أن نحرك عضلة) يصعب الوقوف في وجهه أو الحد من تأثيره مهما بلغت الحجج والمبررات .. ولأنني شخصيا أعي هذه الحقيقة لا أطمع بأكثر من (يوم عالمي واحد) تطفأ فيه التلفزيونات وتتعرف فيه العائلات على متعة الحديث الهادئ مع بعضها البعض ... !!
.. وياليت تجرّب الفكرة في بيتك مرة بالإسبوع !!