الجمعه 4 شعبان 1428هـ - 17أغسطس 2007م - العدد 14298

زاوية حادة

خدعوك فقالوا..؟

د. صنهات بدر العتيبي

    جاء في دراسة اقتصادية حديثة أن هناك (11) سببا لإبقاء الريال السعودي مرتبطا بالدولار الأمريكي!! ف نويت أن اكتب (11) علامة استفهام وعلامة تعجب كل واحدة بحجم جزيرة قوانتانامو، ولكن المساحة لا تكفي!! واكتفيت بالعنوان (خدعوك فقالوا لا يمكن فك ارتباط الريال بالدولار)؟!

أولا، كل شيء ممكن على هذه البسيطة وليس هناك حل مثالي ونهائي للمشاكل والأمور الاقتصادية بما في ذلك مسألة ارتباط عملة بعملة أخرى أو سلة من العملات. الذي تعلمناه من الأمريكان أنفسهم أن القرارات الاقتصادية توضع بالأسلوب العلمي القائم على التحليل والسيناريو المتعمق والمشورة الضافية، وليس كما جاء في هذه الدراسة التي أتخمت توقعات وتوهمات وتحيزات ما أنزل الله بها من سلطان، أي إنها غير مبنية على أسلوب علمي معتمد، وإنما جاءت على شكل طرح لآراء وأفكار بعضها يلمح إلى العواقب الفظيعة فيما لو تم فك ارتباط الدولار بالريال؟! يا عمي فك ولن يحدث شيء؟!

ثانيا، الأسباب التي أوردتها الدراسة لا تمثل أسبابا حقيقية تمنع فك ارتباط الدولار بالريال بالمطلق. على سبيل المثال، تقول الدراسة في تعبير عن أحد الأسباب "أن أسعار صرف عملات معظم دول العالم في الماضي كانت بصورة أو بأخرى مرتبطة بالدولار عندما كانت أنظمة الصرف الثابتة شائعة قبل بداية السبعينيات"، طيب هل هذا يمنع تطليق الدولار من الريال بالثلاث؟ لا. أما السبب الجوهري الذي عبرت عنه الدراسة بمقولة "أن معظم دخل المملكة يأتي من إيرادات النفط ومشتقاته والغاز الطبيعي والمنتجات البتروكيماوية ويتم تبادل هذه السلع وتسعيرها بالدولار الأمريكي"، فهذا يا سيدي العزيز سبب لفك الارتباط وليس لتحريمه. صحيح انه ستكون هناك حالة قوية من التذبذب ما يصعب التوقعات بالدخل أو الإيرادات الحكومية، ولكن هل يوجد قرار اقتصادي سليم 100% بدون مضاعفات. ثم إن حالة الغموض (َِّكمءُّفىَُّ؟) في تقدير الدخل الحكومي سيكون لها مخاطر ناعمة إن صح التعبير وسينتج عنها ضغوط على المكاتب البيروقراطية لزيادة متابعة حركة الأسعار المتذبذبة، أما إبقاء ارتباط الدولار بالريال ف (له ومنه) مخاطر تضخمية حقيقية وسيعمل على تفجير جيوب الناس بالأسعار النووية الحارقة حتى أن حرارة الأسعار في الأسواق أصبحت تنافس حرارة هذا الصيف الذي لم يشهد له مثيل.

الذي يحدث الآن أن الواردات من أوروبا وآسيا (للحكومة وللقطاع الخاص) تأتي إلينا بل تقع على رؤوسنا بتكاليف مضاعفة هي في غالبها ليست حقيقية، ولكنها أتت لان الدولار في وضع مزر أمام اليورو والين، كما أن الصادرات تذهب من هنا إلى مناطق اليورو والين وتباع لهم بتراب الفلوس ليس لأنها لا تستحق ولكن لأن الدولار (فشيلة)!! ويأتي من يقول لا يمكن فك الارتباط، يا عمي فك (وتجي العافية)؟!

بالنسبة للأمريكان فإن ضعف الدولار يأتي في بعض الأحيان لصالحهم ولصالح استراتيجياتهم التسويقية التوسعية، وذلك من منطلق أن تدهور الدولار يساعد السلع الأمريكية على اختراق الأسواق الآسيوية وأسواق أوروبا ثم إن ضعف الدولار لا يمكن الصين الشرسة واليابان التقنية المخيفة من غزو السوق الأمريكي ويبني أسوارا ضد الغزاة الاقتصاديين في زمن أصبحت فيه الصراعات الاقتصادية أكثر سخونة من صراعات الردع النووي والصواريخ عابرة القارات، هل رأيتم وكما يقال (رب ضارة نافعة)؟! أما نحن فلا تعنينا هذه المنافسة من تحت الحزام في شيء، ولكن الذي يهمنا هو الوصول إلى حل اقتصادي علمي ومدروس يخفف من أزمة التضخم المستورد الذي عصف بمواد البناء ومواد اللبس ومواد التجميل ومواد ... ثم وصل أخيرا إلى الكبسة!! تكفون يالربع إلا الكبسة!!

وقد جاء في الدراسة المذكورة "أن العلاقة بين الريال السعودي والدولار الأمريكي اتسمت باستقرار نسبي خلال ال 50عاما الماضية"!! حسنا وهل تنسينا هذه العلاقة الرومانسية لمدة 50سنة أن الارتباط بالدولار اليوم يخيب الآمال الاقتصادية ويجرح المشاعر الإنسانية ويدمر الجيوب تدميرا(!!) في الاقتصاد لا تبنى القرارات على التاريخ، ولكن الواقع والواقع مرير ولا يوجد سبب منطقي واحد لما نلاحظه من تبني نوع من العناد الاقتصادي في عدم التفكير في فك ارتباط الدولار بالريال.

ومن جملة الأسباب (الجوهرية)!! الأخرى التي طرحتها الدراسة، التي يبدو أنها أعدت وفي بطنها نوع من الإيحاء المسبق نحو قرار محدد، جاءت هذه العبارة "لعل من أهم هذه الأسباب أن أسعار صرف عملات معظم دول العالم في الماضي كانت بصورة أو بأخرى مرتبطة بالدولار عندما كانت أنظمة الصرف الثابتة شائعة قبل بداية السبعينيات"!! لن أعلق ولكن التجديف في بحر التسعينيات لن ينقذنا من تسونامي الأسعار في 2007!! وهناك عدد من التبريرات التي في ظاهرها أسلوب علمي وفي باطنها تهريج مثل مقولة "حيث إن معظم التجارة العالمية مقومة بالدولار الأمريكي"!! أو الزعم بأن "ومن الدواعي الأخرى لربط أسعار صرف الريال السعودي بالدولار هو أن معظم دول العالم، عامة، تعد الدولار الأمريكي عملة العالم فهو الأوسع انتشارا والأكثر استخداما والأعظم قبولا"!! كاد المحلل الاقتصادي أن يقول خذوني!! أين الأرقام لتثبت أن أغلب دول العالم تهرب من الدولار كمثل هروب أحدكم من الأفعى ذات الأجراس؟!

ثم هنا يحق لي أن أتوقف وأترك التعبير للقراء الأعزاء فقد جاء في ثنايا الدراسة التي أجريت هذا العام (كما يقال) العبارة التالية "وقد عبر وزير الخزانة الأمريكية الأسبق دونالد ريجان في الثمانينيات عن هذا الوضع (وضع الدولار القوي) عندما وصف تقلبات أسعار الدولار في الثمانينيات بأنها مشكلة عالمية وليست أمريكية"؟! أعزائي، كم علامة استفهام وتعجب تكفي لهذه المهزلة العلمية المستحكمة!! يمكن أن نصل إلى تمثال الحرية المخروق الذي لو علمت فرنسا ما ستفعله أمريكا بالعالم البريء ما صنعته ولا قدمته هدية؟!.