لاشك أن نشر ثقافة الشفافية ومكافحة الفساد أصبح مطلبا عالميا مشتركا بين دول العالم وذلك لأن الفساد أصبح وباء يهدد معظم الدول والمجتمعات والشعوب، فللفساد وسائل متعددة وكثيرة ومنها الرشوة والمحسوبية والمحاباة وتعطيل الأنظمة والقرارات والبيروقراطية والمركزية في الإدارة والاستفراد باتخاذ القرارات والانتقائية في تطبيق الأنظمة والغموض والضبابية وانعدام الشفافية وكل ما يتعلق بسوء استغلال السلطة أو المنصب أو سوء الإدارة في أي قطاع أو مجال عمل حكومي أو خاص من أجل تحقيق مصالح خاصة أو الإضرار بمصالح المؤسسة أو المجتمع بطرق غير مشروعة.
إن انعدام الشفافية وتفشي الفساد يمثل تحديا كبيرا أمام المجتمعات والدول وخصوصا النامية منها مما يؤدي إلى القضاء على جميع خطط التنمية ويعطل البرامج الإصلاحية ويهدد الاقتصاد الوطني والأداء الحكومي ويشل حركته.
ولقد تنبهت القيادة السياسية الحكيمة في المملكة لمثل هذه الظاهرة الخطيرة وهذا السرطان المدمر، فبادرت بالإعلان عن إنشاء "الهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد" في جلسة مجلس الوزراء الموقر المنعقدة بتاريخ 19فبراير 2007وذلك من أجل أن تعمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد التي سبق أن انفردت جريدة "الرياض" بنشر صيغتها الكاملة بتاريخ 9مارس 2007والتي تهدف كما ورد في صيغتها إلى حماية النزاهة ومكافحة الفساد بشتى صوره ومظاهره وتحصين المجتمع السعودي ضد الفساد بالقيم الدينية، والأخلاقية، والتربوية، وتوجيه المواطن والمقيم نحو التحلي بالسلوك السليم واحترام النصوص الشرعية والنظامية.
ولاشك أن إنشاء مثل هذه الهيئة بهذه الأهداف الوطنية النبيلة يعد إنجازا وطنيا كبيرا ومطلبا ملحا وضروريا في هذا الوقت ونجاحها يعتمد على آليات عملها ومدى تمتعها بالصلاحيات المخولة لها لتنفيذ أهدافها.
وهذه الهيئة الوليدة وحسب الإستراتيجية الوطنية المنشورة تمثل الذراع الحكومي تجاه قضايا الفساد في مؤسسات الدولة وتعكس الرغبة الصادقة والجادة للقيادة السياسية لكبح جماح المفسدين وتعزيز النزاهة والحفاظ على المال العام وتحقيق العدالة بين المواطنين وتقوية الأداء الحكومي وتعزيز النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد هو دور تكاملي تقوم به جميع الأطراف بدون استثناء متمثلا بالهيئة الجديدة بالتعاون مع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ومجلس الشورى ومجالس المناطق والقطاع الخاص، مع أهمية الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام كسلطة رابعة لا تجامل المسئولين وتقف دائما في خدمة مصالح الوطن والمواطن قبل كل شيء
بالإضافة للدور المركزي والمهم لمؤسسات المجتمع المدني والأهلي والمؤسسات التعليمية والدينية، فهو جهد متكامل لن يكتب له النجاح بدون تعاون جميع الأطراف دون استثناء، والاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد تؤكد في كثير من موادها على أهمية الدور الذي تلعبه جميع الأطراف ولكنها ( أي الإستراتيجية) تعول كثيرا على الدور المهم لمؤسسات المجتمع المدني في مكافحة الفساد وتعزيز النزاهة، وهذه المؤسسات تعتبر حجز الزاوية لنجاح الاستراتيجية الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد، فالمادة الرابعة من نظام الإستراتيجية تنص على مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في حماية النزاهة ومكافحة الفساد عن طريق مايلي:
أ - إشراك بعض منسوبي هذه المؤسسات في اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد المقترحة.
ب - إشراك هذه المؤسسات "حسب اختصاصها" في دراسة ظاهرة الفساد وإبداء مالديها من مرئيات ومقترحات تمكن من الحد منه.
ج - حث الهيئات المهنية والأكاديمية كالأطباء والمحامين والمهندسين والمحاسبين على إبداء مرئياتهم حول الأنظمة (الرقابية والمالية والإدارية) وتقديم مقترحاتهم حيال تطويرها وتحديثها.
د - حث الغرف التجارية والصناعية على إعداد خطط وبرامج لتوعية رجال الأعمال والتجار بمخاطر الفساد وأسبابه وآثاره، وإيضاح مرئياتهم حيال الأنظمة المالية والتجارية بل أن منظمة الشفافية العالمية ومقرها برلين وتضم في عضويتها خمساً وتسعين دولة ومئات المنظمات المدنية تؤكد دائما على الدور المركزي لمؤسسات المجتمع المدني في تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد وتعتبرها خط الدفاع الأول ضد الفساد بجميع أنواعه.
ولكي تقوم مؤسسات المجتمع المدني بدورها المهم في مكافحة الفساد فلابد من إيجاد آلية أو وسيلة فعالة للعمل المشترك مع الهيئة الوطنية لتحقيق تلك الأهداف، وهذه الآلية في رأيي المتواضع تتمثل بضرورة إنشاء جمعية سعودية تسمى "جمعية الشفافية السعودية" لكي تمثل الذراع المدني لمكافحة الفساد وذلك من أجل العمل بشكل متوازٍ مع الذراع الحكومي المتمثل بالهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد.
إن وجود هيئة حكومية مع جمعية أهلية تعملان لتحقيق أهداف وطنية مشتركة من خلال آليات ووسائل وصلاحيات مختلفة هو مطلب ديني ووطني وحضاري واجتماعي نحن في أمس الحاجة إليه، فلا تعارض بين الهيئة الوليدة والجمعية المقترحة فالهيئة الحكومية تملك صلاحية الرقابة والمساءلة لأي مسئول والمحاسبة والتحقيق والإيقاف وتلقي شكاوي المواطنين وإحالة المتورطين للقضاء ولها صلاحيات واسعة في الاطلاع على ما تراه يخدم المصلحة العامة ويساهم في الكشف عن المفسدين، أما جمعية الشفافية السعودية التي نأمل كثيرا بوجودها على ارض الواقع قريبا سوف تقوم بدور المراقب للمؤسسات الحكومية والخاصة وسوف تساهم في نشر قيم النزاهة والأخلاق المهنية والإخلاص في العمل والوضوح والصدق وبث ثقافة الشفافية والتوعية لدى أفراد المجتمع وتقوية روح المواطنة وحب الوطن في نفوس المواطنين، وسوف تعمل على مكافحة جميع الوسائل التي تؤدي إلى سوء استغلال الوظيفة وعمل البحوث والدراسات عن أسباب الفساد وطرق تشخيصه وعلاجه، وتقديم الاقتراحات والتوصيات والاستشارات للجهات المعنية، والقضاء على الممارسات والمخالفات الخارجة عن البرامج التنموية، وعقد الندوات والمحاضرات وورش العمل والبرامج التدريبية وإصدار النشرات التوعوية والحملات الإعلامية.
وجود مثل هذه الجمعية سوف يساهم بتعميق مفاهيم النزاهة والشفافية في المجتمع فالشفافية هي العصب المركزي لمكافحة الفساد وجميع الدلالات والتقارير والدراسات والبحوث التي تجرى في كثير من دول العالم تؤكد أن الشفافية والفساد ضدان لا يجتمعان ولا يمكن لهما العيش في بيئة واحدة ولا التنفس من رئة مشتركة، فالعلاقة بين الشفافية والفساد علاقة عكسية فكلما زادت الشفافية قل الفساد وكلما غابت الشفافية ظهر الفساد، فالشفافية هي العدو الحقيقي للمفسدين فبتعزيزها تنكشف جميع أساليبهم غير الأخلاقية وتنتشر قيم العدل والحق بين الناس، حيث إن الشفافية تمثل أسمى المعاني الأخلاقية المتمثلة بالنزاهة والمصداقية وحق الجمهور في الاطلاع على المعلومات وحرية تداولها والابتعاد عن أساليب العمل السرية والاستفراد باتخاذ القرار.
إن العلاقة بين الهيئة الحكومية للنزاهة ومكافحة الفساد وجمعية الشفافية السعودية هي علاقة تعاون وليست علاقة تداخل في الصلاحيات ولنا مثال ناجح على ارض الواقع متمثلا بالعلاقة بين هيئة حقوق الإنسان الحكومية والجمعية الوطنية لحقوق الإنسان غير الحكومية فالهيئة والجمعية تعملان لهدف نبيل واحد وهو ضمان الالتزام بحقوق الإنسان ولكن من خلال صلاحيات وآليات مختلفة وليس ذلك تناقضا أو تداخلا بالصلاحيات بل يعد تكاملا وتعاونا عبر طريقين متوازيين غير متقاطعين ولكنهما يصلان في النهاية لهدف واحد مشترك، وهو يعكس بطبيعة الحال ظاهرة حضارية ونموذجا للعمل المؤسسي التكاملي.
إن الأمل بالله سبحانه وتعالى كبير بأن تتحول جمعية الشفافية السعودية من مجرد فكرة على الورق إلى واقع حقيقي على الأرض وأن تترجم أهدافها النبيلة إلى مشروع وطني مدني يمثل مختلف شرائح المجتمع من أبناء الوطن المخلصين الداعمين لمثل هذا التوجه وليس لدي أدنى شك بأن مجتمعنا الكريم يحتوي على الكثير من الأشخاص المخلصين والمتعطشين لخدمة بلدهم ولديهم الاستعداد لتبني مثل هذا المشروع الوطني وإيصاله إلى صاحب القرار والعمل على تأسيس مثل هذه الجمعية وتفعيلها، فهل ترى النور قريبا؟
@ كاتب سعودي