ذكرنا في القسم الأول من هذا المقال ان الاستثمار في اسواق العالم الراشدة هو الأساس، حتى ما يتم تداوله يومياً من أسهم هائلة فإن أغلبها استثمار لا مضاربة، فهو تبديل مراكز يقوم فيه المستثمرون (وأكثرهم مؤسسات) ببيع أسهم الشركات التي تراجع اداؤها، وشراء الشركات التي تقدم أداؤها..
فالحركة اليومية في الأسواق الناضجة هي (رسالة) يومية صارمة لإدارات الشركات بأن من يحسن سوف يقال له (أحسنت) فوراً.. وان من يسيء فسوف يقال له (أسأت) فوراً.. ولهذا تحسب إدارات الشركات لسوق الأسهم ألف حساب، وتعتبره الامتحان الحقيقي لها، ومصدر الثواب والعقاب..
(المضاربة غير الصحية)
فما سبق، سواء أكان استثماراً بتبديل مراكز أو مضاربة مبنية على أساس من نتائج الشركات - أمر صحي جداً.
يقوم إدارات الشركات، ويعطي سهم كل شركة ما يستحقه تقريباً، هذا هو (النضج) في الأسواق وهو (الرشد) في التداول..
أما المضاربة في سوق (الأسهم السعودية) خلال عامين مضيا بالذات، فهي مضاربات في معظمها الساحق، غير راشدة، و غير ناضجة، بل هي في غالبها معكوسة مقلوبة الموازين مفقودة المنطق والعدل ترفع سهم الشركة الخاسرة أو ذات الأداء الضعيف والإدارة الهزيلة لمجرد أن عدد أسهمها قليل وتعزف عن الشركات الناجحة إدارياً ومالياً لمجرد أن عدد أسهمها كثير..
فمعظم المضاربين في سوق الأسهم السعودية يقولون للإدارة الفاشلة (أحسنت!!) وللإدارة الناجحة (أسأت!!) برفعهم أسهم الشركة ذات الإدارة الفاشلة وعزوفهم عن أسهم الشركة ذات الإدارة الكفء..
وقد أوضحنا في المقال السابق بعض أساليب المضاربين الذين يجتمعون ويخططون لرفع سهم معين لشركة قليلة الأسهم مهما كان وضعها المالي والإداري، مستغلين كثرة المتداولين في السوق، وعدم وعي الكثير منهم، ومستغلين رغبة الناس في تعويض خسائرهم الكبيرة بعد حدوث الفقاعة الكبرى ثم الانهيار العظيم (نزل المؤشر من فوق 20ألفاً إلى أقل من سبعة آلاف خلال سنة تقريباً وهذا أمر مروع)..!
ويستعيد هؤلاء (القروبات) بأناس يرسلون توصيات بالجوال (ويأخذون أموالاً على التوصيات مع توريط الناس في كثير من الأحيان وينبغي على هيئة سوق المال متابعة أصحاب التوصيات هذه ومعاقبتهم وكذلك مديرو المحافظ بدون ترخيص وهم يرسلون للناس رسائل مغرية ووعوداً بأرباح خيالية ولكن في الهواء!!).
(عدم الوعي)
الوعي ضعيف عند كثير من المتداولين، وشبه معدوم عند بعضهم، رغم جهود هيئة سوق المال في توعية المستثمر، وضعف الوعي هذا أوجد بيئة خصبة نشأت فيها (القروبات) وأصحاب إدارات المحافظ غير النظامية وأصحاب توصيات الجوال (مدفوعة الثمن!!).
ومما ساعد على ذلك عدم كفاءة صناديق البنوك في السابق، وكونها تدار من قبل البنوك وبعضها لا يهمه إلا التدوير لتحصيل عمولات هائلة للبنك على حساب المشتركين..
الآن وبعد وضع الصناديق تحت إشراف هيئة سوق المال ينبغي وضع شروط لمديري الصناديق أهمها الكفاءة والأمانة لكي يثق الناس في هذه الصناديق من واقع أدائها الجيد بعكس أداء صناديق البنوك الذي كان سيئاً جداً..
كما ان من يريد الاستثمار أو المضاربة في سوق الأسهم ينبغي عليه أن يؤهل نفسه ذاتياً بقراءة القوائم المالية ونشرات هيئة سوق المال في موقع توعية المستثمرين، وألا ينجرف وراء حركات المضاربين فهي كالفخ الذي يصيد العصافير..
أما توصيات الجوال (المدفوعة الثمن) فلا يشترك فيها من لديه ذرة وعي، وكذلك من يزعمون انهم يديرون المحافظ بدون ترخيص ويعدون بأرباح خيالية فالبعد عنهم غنيمة..
إن استمرار المضاربات الحمقاء في سوقنا يخسر المتداولين ويزهد الكثير في الاستثمار ويوحي ان سوقنا سوق مضاربات (حمقى) فقط..
إن المضاربة هي (ملح) السوق.. فإذا زاد الملح في الطبخة فسدت ورفعت الضغط وسدت النفس، وإن قلت صارت الطبخة خانسة لا طعم فيها..
والمضاربة التي هي ملح السوق تقوم على أسس من ربحية الشركات وكفاءة الإدارات وليست خبط عشواء أو قفزات في ليلة ظلماء كما هو حاصل في سوقنا..
(المضاربون يديرون الشركات)!!
وأدى هذا الأسلوب الأهوج من المضاربات الى دخول كثير من المضاربين لمجالس إدارات الشركات دون كفاءة إدارية في كثير من الأحيان، بل لمجرد أنهم ضاربوا على سهم الشركة وربحوا منه كثيراً ثم جمعوا فيه و(تكتلوا) في الانتخابات وفازوا دون معرفة حقيقية بالإدارة ولا خبرة بل ربما كان هدفهم معرفة أخبار الشركة من الداخل وصياغة إعلاناتها في الوقت الذي يناسبهم وتبادل اخبارها مع المضاربين المماثلين الذين دخلوا مجلس إدارة شركة أخرى ليتم تبادل المنافع واشعال نيران المضاربة على حساب كفاءة الإدارة وعلى حساب أموال المتداولين..
ولن يحل هذه المعضلة إلا الرقابة الصارمة من هيئة سوق المال على (القروبات) الذين يتفقون على رفع سهم لا يسوى، ويرسلون التوصيات للناس، ومع رقابة الهيئة لابد من وعي المتداولين وبدونه لن ينفع شيء، فوعي المتداولين وعدم انجرارهم وراء خداع المجموعات وتوصيات الجوال، بل اعتمادهم على انفسهم في تحليل السهم ومعرفة عائده ومدى كفاءة إدارته، فإن لم يحسنوا هذا فليستعينوا بمحللين مستقلين أكفاء ومستشارين من المصارف وشركات الوساطة المحترمة فبدون وعي المتداولين سوف يظل المضاربون (القروبات) يمارسون لعبتهم الخطيرة طالما وجدوا من يستجيب لهم ويسقط في حبائلهم.
1
اشكر للكاتب هذا المقال وهو كلام ينم عن دراية ومعرفة بالسوق وكل كلمة فيه تستحق ان تكتب بمداد من ذهب. ولكن هل هناك من المسؤولين عن ادارة السوق من يقرأ اويهتم بما يكتب
مرشد سالم - زائر
08:57 صباحاً 2007/08/17