هل نقرّر واقعا أم نعتذر عن الانترنت حينما نقول إن المواقع الالكترونية (بكل ما فيها) ما هي إلا مرآة لسلوك المجتمع العالمي وثقافته وعلاقته بما حوله، ووفقا لهذا الاتجاه يمكن النظر إلى مجمل المحتوى الالكتروني على أنّه انعكاس انفعالي فوري لغرائب البشر وتناقضاتهم وفضولهم. ومن هنا يبدو سؤال: كيف ستكون النهاية لا معنى لهُ، فالواضح على شبكة الانترنت اليوم هو تساوي كل القامات، وعبر مواقعها ووسائط الاتصال الالكترونية المصاحبة لها تمكّن الإنسان - كل إنسان - لأول مرة في تاريخه من الحصول على حقه في المعرفة وحقه في النشر والاتصال وقتما يشاء وفي الصورة التي يرغب دون إذن رقابي رسمي أو مجتمعي. وبهذا تحققت بشكل كبير - كما يبدو - أحلام واضعي الميثاق التأسيسي لليونسكو (سنة 1946) حين دعوا في مادته الأولى إلى "تعزيز التعارف والتفاهم بين الأمم بمساندة أجهزة إعلام الجماهير وتسهيل حرية تداول الأفكار عن طريق الكلمة والصورة".
أليست الانترنت وتقنية المعلومات الترجمان الأوضح لذلك الحلم القديم بعد أن فتحت منافذها الالكترونية فرصة التواصل والاتصال التبادلي لكل الطوائف والمعتقدات والهوايات في لحظة تاريخية نادرة من جهة الفرص المتساوية أمام الجميع لعرض ما لديهم من علوم وأفكار وفنون وجنون أيضا. على سبيل المثال (الغريب) هل كان ممكنا في السابق مثلا إنشاء رابطة خاصة باسم "ماضغي الثلوج!" كما سمح لهم بذلك منتداهم الالكتروني(icechewing.com ) الذي جمع أصحاب هذه الهواية الغريبة! ليتحاوروا ويتبادلوا القصص والوصفات الخاصة بهذه الهواية العجيبة؟.
ومن باب الطرافة هل كان ممكنا - في غير فضاء الانترنت الحر - إنشاء موقع باسم "قم بشؤوني" (domystuff.com) الذي بدأ متخصصا في جمع الكسالى (المشغولون كما يسمون أنفسهم) الذين لا يريدون انجاز أعمالهم البسيطة مثل جز عشب الحديقة، أو غسل الملابس أو حتى الطبخ ومن ثم يقوم مديرو الموقع بعرض رغبتهم لإنهاء هذه الأعمال من خلال (مزاد) يشارك فيه المحتاجون للعمل من ربات البيوت والطلاب ونحوهم؟ في الجانب الشخصي لم يكن ممكنا في غير وجود الانترنت لأحد أن يعتذر لمن يحب بمثل الطريقة العالمية التي سلكها صاحب موقع iamsorry.com الذي أنشاه فقط من اجل أن تصل عبارة "أنا آسف" إلى من يهمه أمره. وما دام الأسف بالأسف يذكر فان هذه الطريقة لإبداء الأسف الشخصي (العاطفي)- على نبلها - لا تعدل في أهميتها وحجم جمهورها أسف بعض المواطنين الأمريكيين جراء عدم قدرتهم على منع فوز الرئيس "بوش" في الانتخابات والذي ترجموه من خلال موقعهم sorryeverybody.com الذي أطلقوه - بفضل الانترنت - ليحمل رسالة اعتذار لشعوب العالم عن سياسات هذا الرئيس وحكومته عنوانها "عذرا أيها العالم ..لقد حاولنا". ومن غرائب الانترنت تظهر عجائب قصص البشر ومنهم فتاة أمريكية تدعى "كارين" وقصتها ببساطة كما ترويها بدأت عندما وجدت نفسها ذات يوم مطرودة من عملها غارقة في ديون مشتريات بطاقتها الائتمانية بما يقرب من عشرين ألف دولار وبعد تفكير توصلت إلى فكرة اللجوء إلى مجتمع الانترنت لمساعدتها فأنشأت موقعا تتصدره قصة ديونها بعنوان "أنقذوا كارين" (savekaryn.com)، وكان أن تعاطف الانترنتيون مع حكايتها فسددوا ديونها لتنطلق بعدها "كارين" من ذل الحاجة إلى "ضوء" المال والنجومية بعد أن ألفت كتابا ترجم إلى ست لغات و هي اليوم (تتفضل) عبر موقعها بتقديم مجموعة من الدروس والنصائح الغبية!! لمساعدة المديونين في تجنّب وطأة الديون وبالطبع لا تجد بين نصائح" كارين" أي تلميح أو تصريح يشجّع على التسول الالكتروني الذي عرّف العالم بها وبقضيتها وجعلها نجمة.
مسارات
قال ومضى: الحقيقة مثل (الوردة) إذا قُطِفتء (ذبُلتء) وإذا سُقِيتء زهت وتفتحت.
fayez@alriyadh.com