البرد قارس والجو رطب في الخارج، مصحوباً بمطرخفيف يبلل معطفك. أنا في داخل الحمام أتناول قطعة من الحلوى بانتظار أن يحين موعد دوري للتدليك.
لا شيء أفضل من هذا بعد ظهر يوم ماطر في باريس عندما يكون متحف اللوفر مكتظاً بالزوار والمطر يبلل الطرقات. باريس مليئة بالحمامات الشمال أفريقية التي لا يأتي ذكرها في الكراريس السياحية.. لسبب غير مفهوم.
والحمامات فيها غرف بخار ذات أرضية وجدران موازييك حيث تشطف جسمك بالصابون المصنوع من زيت الزيتون ثم تعرق وتغتسل قبل "التلييف" ثم التدليك. وبعد ذلك تقبع في غرفة مظلمة وتلف جسمك بثوب قطني وتحتسي الشاي مع النعناع من بوتقة فضية وتغفو وتصحو من قيلولتك.
الأصدقاء الذي يزورونني في باريس يقولون عامة ان الذهاب الى الحمام هو من أفضل ذكرياتهم عن العاصمة الفرنسية. كما انه واحد من أكثر الأنشطة التجميلية رخصاً في مدينة يكلف فيها مجرد طلاء الأظافر 35دولاراً أما أجرة الدخول الى حمام المسجد في باريس فهي 17دولاراً.
وإضافة الى الاسترخاء وتهدئة الأعصاب، للحمام طابع تقليدي للجالية الأفريقية الشمالية في باريس. فقبل الزفاف تذهب العروس الى الحمام لطلاء يديها وقدميها برسوم معقدة بالحناء. وإضافة الى هذه الطقوس الحمام هو أيضاً مكان يلتقي فيه الشبان والمسنون، وكلهم مقبولون على حد سواء.
ورغم كل الاحتكاكات بين السلطات الفرنسية والأقليات - على غرار القلاقل التي حدثت في الخريف الماضي - الحمام هو المكان الذي يذوب فيه كل توتر.. وأهلاً وسهلاً بالجميع.
ومع ذلك فإن الزائر للحمام لأول مرة قد يحس أنه غريب عن المكان ومحتار ماذا يلبس أو يحتذي.. مايوه سباحة؟ أم ثوبا عاديا.. مشاية أم قبقابا؟
إلا أنه بعد قضاء دقيقتين في جو حار جداً وبعد تفتح مسام الجسم فيما البخار يحجب عنك الرؤية وقطرات الماء الساخن تنساب على الظهر يتبخر أيضاً كل إحساس بالإحراج. ومع أن هذه هي باريس الحريصة جداً على المظاهر فهناك كل أنواع من الأجسام هنا، من الجدة العجوز إلى الطالبة الآتية من الضفة الأخرى لنهر السين.
ولعل من الضروري معرفة بعض الأشياء قبل القيام بتلك الزيارة الأولى: الحمامات تخصص أياماً منفصلة للرجال والنساء، فيما البعض تسمح بالاختلاط ولكن مع فرض ارتداء المايوهات على الجميع.. ومن هذا المنطلق تقول صديقاتي انه ليس هناك أي ابتذال، وإن الأمر أشبه بالذهاب الى حوض سباحة.
وتوفر معظم الحمامات قباقيب للاستعمال لمرة واحدة وثوباً قطنياً ومنشفة. وفي منصة الاستقبال بوسعك أن تشتري ال Savon Noir أي الصابون الغامق وليفة لتقشير الجلد وتخليصه من الشوائب.
آخر زيارة لي كانت ل "حمام المركز الطبي" شمالي باريس حيث دفعت 77دولاراً لمعالجة تضمنت تقشير الجلد بالليفة (تكييس) ومعالجة بالوحل وتدليكاً ثم الشاي مع الحلويات على طبق فضي.
وقد حملت منشفتي ونزلت الدرج الذي نثرت عليه بتلات الورد نحو قاعة دافئة يوجد في وسطها حوض ماء، وبالقرب منه غرفة بخار مظلمة فيها صهاريج لغلي الماء في احدى الزوايا.
وعندما تدفأ جلدي بما يكفي جاءت امرأة مربوعة تضع شالاً على رأسها وأخذت تليف جسمي حتى أخذ الجلد الميت يتطاير منه (وهذه حركة مريحة، ولكنها ليست لضعيفي القلب).
وبعد "التكييس" جاء دور الوحل - جاءت احدى العلامات لتطلي جسمي بوحل أخضر لزج تسرب بين خيوط شعري وأصابع قدمي.. وأفعمني برائحة الورد.
وبعد أن أنهكتني الحرارة صعدت الى الطابق العلوي مجدداً بانتظار التدليك في غرفة مليئة بالوسائد. وكانت هناك نساء أخريات ينتظرن دورهن للتدليك.
وأخيراً، حان وقت الذروة، جاءت امرأة أخرى لمسح عضلاتي بزيت تنبعث منه رائحة الياسمين في غرفة مظلمة، وأحسست بأنني تطهرت من الأدران واسترخيت تماماً.. وسررت أنني لم أذهب الى متحف اللوفر في ذلك اليوم.
@ (أ.ب)