تنتشر الجراثيم في كل مكان، وبكميات مهولة، وتشير دراسات أجرتها جامعة أريزونا إلى أن الهاتف المكتبي العادي يؤوي ما معدله 25127جرثومة في البوصة المربعة، وذلك في وحدة الاستقبال فقط بالسماعة. ووفقاً لدراسة أجرتها مجموعة ملتيسبونسر سيرفيز المتخصصة في أبحاث السوق، يواظب نحو 70% من الامريكيين بصفة منتظمة على استخدام ما لا يقل عن ستة منتجات للمكروبات.
بيد أن ثمة سؤال يطرح نفسه عما إذا كانت تلك الحرب الكيميائية الضروس التي نخوض غمارها ضد البكتريا ستكون في صالحنا. يقول بعض الخبراء ان مضادات البكتريا ليست سوى سلاح فعال آخر في ترسانة الاسلحة المستخدمة في حماية الصحة بينما يرى آخرون انها قاتلة بطريقة مفرطة لدرجة انها قد تكون ضارة بالصحة على المدى البعيد.
ويتخوف بعض العلماء من ان استخدام مضادات البكتريا في المنزل لفترات طويلة قد يفضي في نهاية المطاف إلى وجود "جراثيم خارقة" تصبح مقاومة ليس لمضاد البكتريا نفسه، وانما أيضاً للمضادات الحيوية المهمة. ويهتم العلماء بصفة خاصة بمادة ترايسلوسان (Triclosan)، أحد أكثر العناصر الكيميائية استخداماً في الصابون المضاد للبكتريا.
وفي هذا السياق، يتحدث الدكتور ستيوارت ليفي أستاذ الأحياء الدقيقة والمجهرية والأحياء الجزيئية والطب بكلية الطب بجامعة توفتز ومؤلف كتاب "مفارقات المضادات الحيوية (the Antibiotic Paradox) فيقول: "لقد ثبت لنا من خلال الفحص في المختبرات ان مادة ترايسلوسان يمكن أن تفضي إلى وجود بكتريا مقاومة لهذه المادة ومقاومة أيضاً للمضادات الحيوية. وبما أن هذا يحدث في المختبرات، فإنه يمكن أن يحدث أيضاً في البيئة الخارجية". ويستدرك الدكتور ستيوارت قائلاً: ان الصابون العادي لا يسبب مشكلة لأنه لا يقتل الجراثيم وانما يحللها فقط ويسمح بازالتها بالماء؛ ولكن الصابون المضاد للبكتريا، والذي يدمر الميكروبات، يمكن أن يخلف وراءه بقايا البكتريا مقاومة لذلك الصابون وللمضادات الحيوية في آن معاً. إلا أن خبراء آخرين يشيرون إلى انه لا يوجد دليل مؤكد على المنتجات المضادة للبكتريا قد تسببت في أي زيادة في المقاومة برغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استخدامها - في المستشفيات في بادئ الأمر، وفي المنازل حالياً. اما الدكتور فيليب تيرنو مدير قسم علم المناعة والأحياء الدقيقة العيادية والسريرية بالمركز الطبي لجامعة نيويورك ومؤلف كتاب "الحياة السرية للجراثيم"، فهو يدلي بدلوه في هذا الخصوص قائلاً: "يمكنك اثبات الكثير من الأشياء في انبوب الاختبار"، ويشير فيليب إلى أن هنالك أيضاً تجارب تثبت أن مبيدات الجراثيم، كمادة (ترايسلوسان - Thiclosan) على سبيل المثال، تسهم في اضعاف مقاومة المضادات الحيوية أكثر من كونها تسهم في تعقيد المشكلة لأنها فعالة جداً في قتل أو كبت نمو البكتريا المقاومة للمضادات الحيوية. ولعل الفكرة الأكثر اثارة للجدل هي تلك التي مفادها أن القليل من الأوساخ يساعد الأطفال على تعزيز أجهزة المناعة لديهم؛ وأن مضادات البكتريا قد تعرقل تلك العملية. وينشأ ما يسمى الفرضية الصحية من نتائج مؤداها أن الأطفال في المدن العصرية والمناطق الحضرية الحديثة يكونون أكثر تعرضاً للحساسيات ونوبات الربو من الأطفال الذين يعيشون في القرى والمناطق الزراعية والأرياف. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن جهاز المناعة لدى كل من أطفال المدينة يكون أقل تعرضاً للتحفيز والتنشيط مقارنة بأطفال القرية. وهذه مجرد نظرية مؤقتة يوجد العديد من العلماء الذين لا يقتنعون بها. ويؤكد الدكتور فيليب أن التخلص تماماً من الجراثيم يعد ضرباً من المحال بالغاً ما بلغت الجهود المبذولة في ذلك الصدد.
يشار إلى أنه في عام 2005م عكفت لجنة استشارية تابعة للإدارة الامريكية للدواء والغذاء على دراسة جميع وجهات النظر المتضاربة والآراء المتعارضة في هذا الصدد وتوصلت إلى انه لا يوجد دليل علمي على أن مقاومة مضادات البكتريا يمكن أن تحدث بالفعل على صعيد الواقع العملي بالمقارنة مع ما يحدث في التجارب المختبرية؛ أو أن "الفرضية الصحية" ليست سوى نظرية، لا أكثر ولا أقل، ومع ذلك فإن اللجنة افادت بأن الموضوعين يتطلبان اجراء المزيد من الأبحاث على المدى البعيد. ولا مراء في أن الاستخدام السليم للصابون المضاد للبكتريا ومنتجات النظافة يؤدي بالفعل إلى قتل الجراثيم؛ إذ تشير الابحاث إلى انها تبيد بعض أهم أنواع البكتريا المسببة للأمراض - مثل السالمونيلا (المرتبطة بالأمراض الناجمة عن الطعام) وستافيلوكوكس (التي يمكن أن تسبب عدوى الجلد والأنسجة الطرية). في عام 2004م قام باحثون بكلية الطب بجامعة كولومبيا بتوزيع منتجات نظافة مجانية ومطهرات وصابون على 238عائلة (يوجد بكل منها على الأقل طفل واحد في سن الدراسة) وذلك للاستخدام لمدة عام. وحصل نصف عدد تلك الأسر على منتجات تحتوي على مكونات مضادة للبكتريا بينما حصل النصف الآخر على منتجات لا تحتوي على تلك المكونات. لم يقف الباحثون على أي فرق في عدد من لديهم رشح أو جريان أنف أو سعال أو كحة أو التهاب حنجرة أو حمى أو تقيؤ أو اسهال لدى أفراد تلك العوائل بغض النظر عن المجموعة التي ينتمون اليها. وقد كان ذلك متوقعاً بصفة خاصة لأن معظم حالات الحمى وجريان الأنف والتهاب الحنجرة تحدث بسبب الفيروسات، لا البكتريا. ومرة اخرى، ولما كانت معظم حالات العدوى لدى العوائل هي عبارة عن حالات فيروسية، فإن الباحثين شككوا في الحاجة لتلك المنتجات ابتداءً. وبناءً على ما توصلت اليه تلك الدراسة والنتائج الاخرى، خلص اعضاء اللجنة الاستشارية إلى انه لا يوجد دليل على أن الصابون والمنتجات الاستهلاكية الاخرى التي تحتوي على مضادات البكتريا أكثر فعالية من الصابون العادي والماء في منع الاصابة بالعدوى، أما نوعية الصابون الذي ينبغي اختياره، فهي أقل أهمية عن غسل اليدين جيداً؛ إذ يقول الدكتور تيرنو: "إن 80% من جميع حالات العدوى تحدث عن طريق اللمس؛ سواء كان بطريقة مباشرة من خلال المصافحة بالأيدي على سبيل المثال أم بطريقة مباشرة من خلال لمس وكرة الباب أو لوحة المفاتيح أو نحو ذلك".
1
يمكن ولكن بشرط اصدار الامم المتحدة قرارا لاضفاء الشرعية على هذه الحرب الكيميائية
محمد الشراري - زائر
11:28 صباحاً 2007/08/11