وعلى العموم فإن توعية الجمهور بأنواع الملوثات التي يتم تداولها يومياً والتعامل معها بصورة مستمرة واستخدامها دون وعي منه بما تحدثه من أضرار على الصحة أصبح واجباً علمياً وإعلامياً، ومن تلك المواد المواد المنظفة والمطهرة والأدوية والوقود والمجال الكهربائي وكذلك أنواع الملابس والمفارش والوسائد التي يستخدم فيها الإسفنج والمواد البلاستيكية.
؟ إن من أهم ما يسعى إليه أي مجتمع من المجتمعات هو أن يوفر لأفراده غذاءً كافياً ومأوى مناسباً وبيئة صحية، وحين يتم له ذلك يتحول الاهتمام إلى البحث عن الراحة والرفاهية، ومن المعلوم أن جودة ونوعية الحياة تعتمد على ما يمكن تحقيقه من تلك المطالب والتطلعات إلا أن ذلك يحتم أن يتم اختيار بعض المسارات أو الخيارات على حساب مسارات أو خيارات أخرى، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أن لدينا رغبة في الحصول على وفرة في مجال الطاقة أو البضائع الاستهلاكية أو النقل، إلا أن ذلك يتعارض مع الحفاظ على بيئة صحية خصوصاً أن المحافظة على سلامة البيئة أصبح هاجساً رئيسياً مع تزايد عدد سكان العالم وارتفاع مستوى المعيشة وزيادة الكثافة السكانية في المدن وما يولده ذلك من نفايات ومخلفات بلدية وصناعية تلوث البيئة وتحتاج إلى حلول.
وحيث إنه من المعلوم أن مشكلة تلوث البيئة تؤثر بصورة سلبية على الصحة العامة وتحدث خللاً في التوافق البيئي في كل زمان ومكان، ومن أبرز تلك المشاكل في الماضي مشاكل الصرف الصحي التي تزامنت مع مولد المدن منذ زمن بعيد، ومشاكل تلوث الهواء بدخان النيران المستخدمة في التدفئة والطبخ، فالسناج يحتوي على كميات من المواد المسببة للسرطان مثل الهيدروكربونات الأروماتية عديدة الحلقات وغيرها من الملوثات.
وعلى الرغم من أن التلوث ليس شيئاً جديداً إلا أنه ازداد في العصر الحاضر بدرجة تنبئ بالخطر نتيجة لزيادة عدد السكان ونمو المدن وازدياد استخدام الطاقة وكثرة المخلفات الصناعية من كيميائية ونفطية ونووية وطبية وحيوية وغيرها مما لا حصر له والناتجة عن الاستعمال الآدمي أو الحوادث والكوارث وأبسط مثال على ذلك حادثة مصنع يونيون كربايد في مدينة بوبال في الهند، وسفيزو بإيطاليا وحادثة شرنوبل في الاتحاد السوفياتي سابقاً، وقبل ذلك حادثة جزيرة الأميال الثلاثة في أمريكا، وأخيراً حادثة التسرب النووي في اليابان وعدد آخر من الدول وتلك التي نسمع عن حدوثها بين فترة وأخرى، ناهيك عن تسرب البترول من ناقلات النفط وحرائق حقول البترول ومعامل التكرير بسبب الحروب أو التخريب، ناهيك عن الأمراض الناتجة عن تلوث البيئة مثل انفلونزا الطيور، وجنون البقر والتي قد تنتقل إلى الإنسان، كل ذلك ينتج عنه تلوثاً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. هذا في الجانب التنظيمي، أما الجانب الإيجابي فإنه يتمثل في أن الوعي بأهمية المحافظة على البيئة وجودتها أصبح جانباً هاماً من الحياة العامة والخاصة في جميع أنحاء العالم، وكلما زاد اهتمام الدولة بالبيئة ومفرداتها وكذلك زاد اهتمام جميع طبقات المجتمع بالبيئة، كلما دل ذلك على تقدم تلك الدولة من الناحية الفكرية والعلمية والثقافية. وقد تمثل ذلك في أن كثيراً من الدول المتقدمة تبذل مزيداً من الجهد والمال والبحث من أجل الحصول على مواد صديقة للبيئة مثل إنتاج وقود للسيارات خال من الرصاص، والتعامل المدروس مع النفايات المختلفة والاستخدام الأمثل للمبيدات الحشرية والزراعية والمضادات الحيوية وغيرها.
وعلى أية حال فإن الخطط العلمية الفعالة التي تحمي البيئة من حولنا تتطلب الإجابة على ما يلي:
1- ما هي المواد التي توجد في البيئة من حولنا أي توجد في الهواء أو الماء أو الغذاء ويحتمل أن تكون غير مرغوبة؟
2- كيف وصلت هذه المواد إلى بيئتنا ومن أين أتت؟
3- ما هي أفضل السبل للتقليل أو القضاء على تلك المشاكل البيئية؟
إن الإجابة على تلك الأسئلة موجودة لدى كثير من المختصين في العلوم وعلوم البيئة، ومنهم الكيميائيون الذين يلعبون دوراً أساسياً حيث إن الكيميائي يستطيع تحديد نوع المواد التي توجد في البيئة عن طريق التحليل الكيميائي وتطوير تقنيات تحليلية أكثر حساسية وانتقائية، كذلك يستطيع الكيميائي تعقب الملوثات ومعرفة مصدرها، ويتم ذلك بالتعاون مع خبراء الأرصاد الجوية وعلوم البحار والبراكين والمياه وعلوم الأحياء وعلوم المياه. وقد يتطلب البحث عن أصول هذه الملوثات فهماً كيميائياً مفصلاً للتفاعلات التي تحدث بين مصدر التلوث والمنتج النهائي الضار أو السام.
ومن الأمثلة على ذلك أن عدد الوفيات قد انخفض بسبب استخدام المبيد الحشري المسمى د.د.ت DDT، ولكن عيب هذا المبيد أنه يبقى ثابتاً في البيئة لفترة زمنية طويلة وينتج عن تراكمه أضرار بيئية كبيرة، لذلك وجب على الكيميائي أن يقوم بتحضير مادة تؤدي نفس الدور لإنقاذ الأرواح لكن لا تكون ضارة بالبيئة بسبب قدرتها على التحلل تلقائياً مع الزمن، وإذا كنا مضطرين حالياً إلى استخدام مصادر طاقة غير صديقة للبيئة وذلك لتلبية احتياجاتنا من الطاقة فإن على الكيميائي وغيره من العلماء أن يحضروا حفازات ويكثفوا عمليات جديدة تحسن من صداقة تلك المصادر للبيئة وبالتالي تقلل من المطر الحمضي والمواد المسرطنة الناتجة عن الحرق غير الكامل للوقود والخارج من مداخن المصانع وعوادم السيارات.
ومن الأمثلة على ذلك استخدام مادة MTBE بدلاً من الرصاص لتحسين كفاءة البنزين كوقود للسيارات، والذي تم العمل به خلال العامين الماضيين من قبل شركة أرامكو السعودية، لذلك فإن علينا أن نؤمِّن ونفعِّل كفاءة مؤسساتنا العلمية وأن ندعمها مادياً ومعنوياً وذلك إذا أردنا تحذيراً مبكراً عن ما يهدد بيئتنا من تلوث قادم ومعالجة ما هو قائم على أن تقوم التخصصات الأخرى ذات العلاقة بإسهاماتها الخاصة على أنه لا يوجد من بينها تخصص يؤدي دوراً مركزياً أكثر أهمية من الدور الذي تؤديه المختبرات الكيميائية والعلوم المساندة الأخرى. أما الحد الذي يمكن أن يوصف بأنه خطر عند التعرض لمادة ما فإنه يقع ضمن اختصاص الأطباء وعلماء السموم وعلماء الأدوية، وتواجه هذه التخصصات تحديات كبيرة تتمثل في التكاليف الهائلة التي يجب توفيرها لخفض الخطورة الناتجة عن الملوثات المختلفة، لذلك لا بد للمتخصصين في مهنة الطب من بذل مزيد من الجهد لمعرفة الأخطار المصاحبة للتعرض لمواد مثل الرصاص في الهواء والكلور في ماء الشرب أو السترانشيوم المشع في اللبن والبنزين في أماكن العمل والفومالدهيد في المنازل. وعليه فإنه لا بد أن يكون في استطاعتنا تقدير الأخطار ومدى تكلفة إزالة تلك الأخطار في مقابل الفوائد التي قد يكسبها عند الحد من استخدام تلك الأصناف والمواد بالإضافة إلى مقارنة تلك الأخطار بالأخطار الموجودة بالمعدلات الطبيعية.
وعلى العموم فإن توعية الجمهور بأنواع الملوثات التي يتم تداولها يومياً والتعامل معها بصورة مستمرة واستخدامها دون وعي منه بما تحدثه من أضرار على الصحة أصبح واجباً علمياً وإعلامياً، ومن تلك المواد المواد المنظفة والمطهرة والأدوية والوقود والمجال الكهربائي وكذلك أنواع الملابس والمفارش والوسائد التي يستخدم فيها الإسفنج والمواد البلاستيكية والمواد المتبلمرة مثل الP.V.C وغيرها مما يستعمل في صناعة أنواع الأثاث المنزلي مثل الكنب والمجالس العربية والسجاجيد وما يمكن أن تسببه من تلوث وكذلك ما تطلقه من سموم عند احتراقها لا قدر الله ناهيك عن الأصباغ والدهانات والمبيدات الحشرية والزراعية التي تستخدم بكثرة في المنازل، وكذلك فإن الكيميائيين والعلماء في التخصصات الأخرى ذات العلاقة عليهم مسؤولية إعلامية خاصة وهامة، فكل قرار أو توجّه جديد يمس البيئة يجب أن يكون مقروناً بأفضل الآراء العلمية المتاحة وأكثرها موضوعية. لذلك فإن العلماء ومنهم الكيميائيون لا بد أن يزودوا الجمهور ووسائل الإعلام والحكومة بصورة واقعية توضح الحقائق بلغة مبسطة تخلو من المصطلحات الفنية المتخصصة المتعلقة بأي قرار محدد يمس البيئة مع الإشارة إلى البدائل المطروحة وأن لا يكون ذلك مجرد نقد سلبي خال من الإيجابية، فالذي ينقد أو يستعرض سلبيات أمر ما دون طرح حلول ناضجة ومقنعة يصبح أقرب إلى المهرج منه إلى الناصح، وقديماً قال الشاعر:
وليس الذي يبني
كمن شأنه يهدم
وعلى العموم فإن من أهم مظاهر التلوث الجوي التي بدأت بوادره في الظهور في أجواء مدننا ظاهرة الدخان الضبابي المسمى smog وهذا المصطلح يطلق على السحب التي تعلو المدن وخصوصاً المدن الصناعية، وهذه الكلمة جاءت من كلمتين هما smoke وتعني دخان، وfog وتعني ضباب، وتلك السحب تحتوي على أطنان من الملوثات التي هي عبارة عن غازات وغبار صناعي وبخار ماء، وهذه المكونات تختلف من فصل إلى فصل خلال السنة الواحدة، ففي فصل الشتاء تكون الملوثات الرئيسية عبارة عن غاز ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، والدخان المتصاعد من المداخن وعوادم المصانع والسيارات وما تحتويه من مواد ملوثة مثل الهيدروكربونات المحتوية على مواد عطرية، وفي فصل الصيف فإنه بالإضافة إلى الملوثات السابقة توجد ملوثات ناتجة عن تفاعل كيميائي ضوئي تسببه حرارة الشمس وهذه التفاعلات تؤدي إلى وجود مواد ضارة مثل أول أكسيد النتروجين والشق الحر للأكسجين ومواد أخرى ولذلك فإن الخطوة الأولى أمام المختصين للحفاظ على البيئة هي تحديد وفهم عمليات التلوث وتتبع مصادرها المختلفة وتحديد نوعها ونسبة مساحة كل منها.
ومن الطرق الفيزيائية الحديثة المستخدمة لمعرفة ذلك ودراسة استخدام منظومة الليدار للاستشعار عن بعد لدراسة مساحة كبيرة جداً في فترة زمنية محدودة وقصيرة ومبدأ ذلك الجهاز يقوم على إرسال نبضة من أشعة الليزر إلى الجو أو عاكس يؤدي إلى أن يرتد جزء من تلك الأشعة إلى أجهزة الكشف ومن ثم تحديد العناصر والمركبات الملوثة. ويصل مدى استشعار بعض من تلك الليدرات إلى مسافة تقرب من 120كيلومتراً. لذلك فإن الاهتمام بتلوث الهواء واقتراح الحلول المناسبة قد أصبح ضرورياً وذلك لأن تعقيدات كيمياء البيئة قد جعل المشكلة كبيرة وتحتاج إلى حلول جذرية ناهيك عن أن التلوث قد وصل إلى طبقات الجو العليا ولا أدل على ذلك من وجود واتساع ثقب الأوزون في منطقة القطب الجنوبي بالإضافة إلى اتساع نطاق الأمطار الحمضية وظاهرة البيوت المحمية التي بدأنا نلمس تأثيرها الذي يتمثل في الزيادة التدريجية في حرارة الأرض.
وأخيراً يجب أن نفهم أن حماية البيئة هو واجب وطني نتحمله جميعاً لحماية أنفسنا وأبنائنا والأجيال القادمة ن بعدنا وقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن أسباب ارتفاع حرارة الأرض وعزوناها بصورة رئيسية إلى التلوث ومخرجاته والله المستعان.
hluhaidan@alriyadh.com