على صعيد العلاقات الخليجية الإيرانية، يمكن التأكيد على حقيقة أن هذه العلاقات تبدو اليوم أمام تحد متعدد المنابع. إذ يمكن القول إن العراق يمثل اليوم عامل ضغط كبيرا في مناخ هذه العلاقات، يضاف إلى ذلك عامل التسلح الإيراني، وبدرجة أقل الوضع في لبنان
* سبعة عشر عاماً مضت على الاجتياح العراقي للكويت.أين يقف الخليج اليوم؟. ما هي ملامح بيئته الأمنية وما هي تحدياتها؟
لقد مثل الغزو العراقي للكويت سابقة خطيرة في العلاقات العربية - العربية، لأنه قفز عاليا على مواثيق الجامعة العربية والشرعية الدولية، وكذلك حقوق الجيرة والأخوة بين العرب. ولم ترتكز دعاوى العراق التاريخية في الكويت إلى أي سند أو دليل ذي قيمة، وإن مزاعمه لم تكن سوى شعارا أخفى بين طياته نزعة قطرية ضيقة لا تقيم وزنا لمصالح العرب وقضاياهم المصيرية. وأن نظام بغداد تاجر بآلام الجماهير العربية، ودغدغ أحاسيسها بشعارات هو في الأصل بعيد عنها.
وتالياً، أفضت حرب الخليج الثانية إلى إعادة رسم واسعة لخارطة العلاقات العربية - العربية.وفي إعادة الرسم هذه تضررت دول بصورة لم تكن متوقعة.وكان بعض العرب قد هدف من مقاربته الخاصة لهذه الحرب إلى مجاراة الشارع المحلي، بيد أن المحصلة النهائية للحسابات لم تكن في مصلحة هذا الشارع نفسه.كذلك، فان جامعة الدول العربية بقيت بعد حرب الخليج الثانية مشلولة لسنين عديدة، مما عطل آليات العمل العربي المشترك وضاعف من هامشيته.بيد أن الأخطر في الأمر هو ما آل إليه الشارع العربي نفسه من حدة استقطاب سياسي وأيديولوجي، وهو استقطاب بقيت مفاعيله السالبة مرتسمة في الوجدان والذاكرة العربية.
وقد كان انهيار التوازن الاستراتيجي في النظام الإقليمي الخليجي التداعي الأكثر مركزية لحرب الخليج الثانية. وكان انتعاش الاستقطاب الإقليمي، وانتشاره أفقياً ضمن مستويات غير معهودة، التداعي الآخر لها. وتجلى التداعي الثالث للحرب في عودة الموازن الخارجي كخيار متداول على صعيد مقاربة أمن الخليج، وذلك للمرة الأولى منذ انسحاب بريطانيا من شرقي السويس.أما التداعي الرابع للحرب، فقد تجلى في ارتفاع وتيرة الإنفاق العسكري، وهو الأمر الذي عكس تنامي الهواجس الأمنية وتضخمها. وضمن تداعيات الحرب أيضاً، جاء ميلاد "إعلان دمشق" وجاءت المشاركة الخليجية في مؤتمر مدريد للسلام، هذا فضلا عن الفاتورة المالية الباهظة للحرب، التي رمت بظلالها على مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
وبعد سبعة عشر عاماً على اجتياح الكويت، يمكننا تشخيص ثمانية متغيرات أساسية في بيئة أمن الخليج تتمثل في: انهيار التوازن الاستراتيجي داخل النظام الإقليمي الخليجي، وسقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، وتبلور وجود عسكري أميركي غير مسبوق في شمال الخليج، وبروز البرنامج النووي الإيراني، وسعي حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمد أدواره إلى منطقة الخليج، وهناك متغير سادس يتمثل في البيئة الراهنة للعلاقات الأميركية الهندية وانعكاساتها الإقليمية، في حين يبدو أمن الطاقة الصيني متغيرًا سابعاً ذو صلة بأمن الخليج، أما المتغير الثامن فقد تجلى في زيادة وتيرة العنف المسلح على الصعيد الإقليمي.
وفي السياق الأكثر مركزية، يمكن القول إن طبيعة التشكل الجيوسياسي المتنازع عليه للخليج، وعمق الموروث التاريخي الصراعي فيه، والصراع الدولي على نفطه، وغياب الحد الأدنى للتوازن بين وحداته، وانعدام الآليات المؤسسية لحل النزاعات فيه، وضعف مؤسسات المجتمع المدني في داخله، قد جعلت من أمن الخليج قضية إشكالية بالغة التعقيد.
وعلى صعيد نسق التفاعلات داخل النظام الإقليمي الخليجي، شهد هذا النظام ما يمكن تعريفه بحذر على أنه شكل من أشكال توازن القوى غير المستقر، الذي غابت فيه المفاهيم الواضحة للردع، رغم سباق التسلح الذي اتصف به.وكان من نتاج ذلك أن انزلقت المنطقة إلى حربين مدمرتين في غضون عقد من الزمن، كما وجد الغزو الأميركي للعراق إحدى خلفياته المبكرة في حرب الخليج الثانية ذاتها.
وكما يبدو جلياً، هناك اختلال كبير في التوزيع النسبي للقوة بين دول الإقليم، وهو الأمر الذي يفضي بالضرورة إلى توازن غير حقيقي أو غير مستقر.وثمة بعدان أساسيان لهذه المقولة:البعد الأول مادي، يرتبط بطبيعة المقومات الجغرافية والبشرية والمالية.والبعد الثاني معنوي، يتعلق بمستوى القدرات الحضارية، خاصة الخبرة القتالية، والتصنيع العسكري، والبحوث الأمنية والعلوم العسكرية عامة.ويمكننا إضافة بعد ثالث، سوف نعبر عنه بالبعد السياسي، ونعرفه بأنه ذلك المقوم الذي يتجلى في منظومة التحالفات الخارجية التي ترتكز عليها الدولة، أو مجموعة مؤتلفة من الدول، بحيث تسخر هذه التحالفات (التي ليس بالضرورة أن تتضمن بعدا دفاعيا) في تعزيز ثقلها النسبي ضمن بيئتها الإقليمية.
ودون الدخول في التفاصيل، التي هي معروفة للجميع، فإن ما يمكن قوله هو أن توازن القوى في النظام الإقليمي الخليجي هو توازن غير الحقيقي، أو غير المستقر، نتيجة التفاوت الهائل فيما تمتلكه القوى المعنية من مقدرات القوة، ويكون التوازن حقيقياً ومستقراً فقط إذا غاب عنه ذلك التفاوت، وكان الردع فيه فعالاً.
وبالعودة إلى المتغير العراقي، فإن ما يمكن قوله هو أن سقوط حكومة الرئيس العراقي صدام حسين قد يكون علامة فاصلة بمعايير السياسة والتاريخ، لكنه ليس كذلك بمعايير التوازن الاستراتيجي؛ ذلك أن العراق قد عزل استراتيجيا وحُيّدت قوته منذ حرب الخليج الثانية. أي أن هذه البيئة لم تدخل طور التعريف الاستراتيجي الجديد.
وعلى صعيد التفاعلات الخليجية العراقية التالية لسقوط هذا النظام، يصعب الوقوف حتى اليوم على تصور واضح، أو لنقل قراءة واضحة، لهذه التفاعلات، فالمشهد العراقي لم يدخل بعد مرحلة التبلور، وهو لا زال في حالة شديدة من السيولة السياسية والأمنية.وعلى الرغم من ذلك، فإنّ مستقبل العلاقات العراقية الخليجية يجب أن يرتكز بقوة إلى عِبر الماضي ودروسه.والحذر من استسهال التحديات الهيكلية، التي فرضتها على هذه العلاقات معطيات الجغرافيا والتاريخ وأخطاء البشر.وإنّ تحليل التاريخ، وليس وضعه خلف ظهورنا، هو ما يجب علينا القيام به.ولا بد أن يكون هذا التحليل دقيقاً، وصادراً عن خبراء متمرسين.
على صعيد العلاقات الخليجية الإيرانية، يمكن التأكيد على حقيقة أن هذه العلاقات تبدو اليوم أمام تحد متعدد المنابع. إذ يمكن القول إن العراق يمثل اليوم عامل ضغط كبيرا في مناخ هذه العلاقات، يضاف إلى ذلك عامل التسلح الإيراني، وبدرجة أقل الوضع في لبنان.
إن عوامل الضغط في مناخ العلاقات الإيرانية الخليجية ليست نتاجا حصريا للتوترات القائمة بين واشنطن وطهران.وفي التجربة التاريخية، يمكن أن نلحظ أن التقارب الخليجي الإيراني، الذي تزايد الاهتمام به خلال العقد السابع من القرن العشرين، قد أتى مشبعاً بالشكوك والهواجس المتبادلة، فقد كانت الخيارات الدولية لكل من إيران ودول الخليج متماثلة على مستوى المخرجات، لكنها متباينة على مستوى منظور الطرف الآخر إليها، وتحديداً الولايات المتحدة. لقد كانت طبيعة الوظيفة الجيوبوليتيكية للأطراف الإقليمية متباعدة إلى حد كبير في المدرك الاستراتيجي الأميركي، الأمر الذي خلق تخلخلاً بيّناً في الاقتراب الخليجي الإيراني، بل وسطح هذا الاقتراب.
هذا بالأمس، أما اليوم، فإن مزيدا من التوتر في العلاقة بين واشنطن وطهران ربما يدفع هذه الأخيرة للسعي نحو مزيد من الاقتراب من دول الخليج، على النحو الذي حدث بعيد الحرب الأميركية على العراق. إلا أننا هنا أمام معادلة ذات حدين متقابلين. وبصورة محددة، فإن توترا محسوبا في العلاقات الأميركية الإيرانية سيكون عامل دفع لطهران للتوجه نحو دول الخليج، إلا أن توترا غير محسوب سيكون له على الأرجح مردود عكسي على مسار هذه العلاقات.
أما فيما يرتبط بالدور الإيراني الراهن في العراق، فقد أثار هذا الدور هواجس الخليجيين على أكثر من صعيد.و قد شهدت المنطقة أخيراً تنسيقاً أميركياً إيرانياً حول الملف الإيراني، ترجم بسلسلة اجتماعات أمنية عقدت بين الطرفين في بغداد. بيد أن المطلوب ليس فقط تفاهم أو "تعايش" أميركي إيراني في العراق ضمن قوانين لعبة واضحة، بل كذلك وصول الخليجيين إلى قناعة بأن ما يجري داخل العراق ليس على حسابهم، أو لنقل لا يشكل تهديدا لأدوارهم الإقليمية.إن المخاوف الخليجية واضحة ومعلنة، والولايات المتحدة معنية بالدفع باتجاه تفاهم إقليمي بشأن العراق، وهذا في مصلحتها بطبيعة الحال، كما أنه في مصلحة التعايش بين الطوائف العراقية. ودول الخليج يمكنها أن تساهم بطرق مختلفة في تحقيق الاستقرار في العراق.
وبالانتقال إلى قضية أخرى في الملف الخليجي الراهن، وهي قضية التسلح، فقد كثر الحديث عن هذا الأمر بعد إعلان الولايات المتحدة هذا الشهر نيتها إبرام عقود تسليح مع بعض الدول الخليجية.والحقيقة أن ليس ثمة جديد في الأمر، والضجة الإعلامية التي شهدناها قد أتت على خلفية رغبة البعض في استثمار الحدث لأغراض سياسية، داخلية وإقليمية.ويمكن القول على نحو مجمل، ان الفترة اللاحقة لحرب الخليج الثانية قد شهدت نموا في سياسات الإنفاق العسكري في كافة دول النظام الإقليمي الخليجي، وقد تجسد هذا الإنفاق بصفة أساسية في شكل صفقات تسلح متعددة الأغراض، كما شهدت إيران إنتاج وتطوير عدد من الأسلحة، أبرزها الصاروخ شهاب - 4، وأخيراً الطائرة المقاتلة "برق"، المماثلة للمقاتلة الأميركية إف - 5، كما قالت طهران أنها طورت طائرة حربية باسم "صاعق" (الرعد) على نموذج المقاتلة "إف 18".
وقد بدا العراق استثناءً في معادلة الإنفاق والتسلح الصاعدة إقليميا، وذلك بسبب العقوبات الهيكلية التي فرضت عليه بعد حرب الخليج الثانية، وكذلك ظروف ما بعد الغزو الأميركي له. وعلى الأرجح، فان العراق ستبقى دولة مقيدة القوة، وذلك بفعل قرارات وقف إطلاق النار التي أنهت حرب الخليج الثانية.
وما يمكن قوله، بالنسبة لنا نحن في دول مجلس التعاون الخليجي، هو ضرورة الدخول في إعادة رسم وتحديد لطبيعة الأخطار والتحديات الاستراتيجية الطابع، وسلمها التراتبي، واستتباعا إعادة رسم هيكل التسلح واتجاهات الإنفاق الدفاعي.وفي السياق الأكثر مرجعية، تتبدى الحاجة لبناء مفاهيمي جديد لقضية التوازن الاستراتيجي في إقليم الخليج العربي، بناء لا يرتكز على ذات المفاهيم التي سقطت مع حرب الخليج الثانية، وبات إعادة إنتاجها مستحيلا بعد الحرب الأميركية على العراق.