المثقف.. شيطان..
أم ملاك؟!
هل نحن شعب قارئ، منتج للثقافة والبحوث النظرية قبل العلمية، وكيف نقيس عنده المقادير لنرى بياناتها الصحيحة والمحتملة ضمن قائمة اهتماماتنا بإحصائيات دقيقة؟
أعرف أن هذه الأسئلة تداولناها كثيراً، وهناك من يقول إننا الأفضل عربياً في امتلاك الكتاب وأدوات المعرفة الأخرى بسبب الوفرة المالية والتطلع إلى حياة ثقافية أكثر تطوراً، لكن بالمقابل كم كتاباً يتم توزيعه سواء تم نشره محلياً أو خارجياً، وما هي نسبة المترجم للكتاب العربي، وما عدد رواد المكتبات من غير من يقرأون لمطالب دراساتهم الجامعية، أو ما دونها، ونسبها إلى الكتاب الثقافي والديني وما يختص بالطفل الذكر والأنثى، وهل المرأة دخلت السباق مع الرجل في تطوير معارفها وثقافتها؟..
بغياب الإحصاءات، وتعدد المكتبات العامة التي تبدأ من المدرسة الابتدائية، وإلى الدراسات العليا، وتعدد المهرجانات في عرض وبيع الكتب وتشجيع القراءة للجميع أسوة بدول أقل إمكانات منا جعلت الكتاب بمتناول كل الطبقات الاجتماعية وبأسعار رمزية، والاحتفال بأي مبدع يضاف إلى أرقام المؤلفين والمهتمين بالشأن الثقافي، فإن قياساتنا تبقى محدودة إن لم تكن ناقصة..
الإشكال في حياتنا العامة أن هناك من نظر إلى الثقافة والمثقف أنه عدو حتى يثبت العكس، والسبب أنه غالباً ما يريد الخروج عن الأعراف الاجتماعية والدينية، وأن سيطرة الثقافة الغربية تجعله مبشراً بتغييرات اجتماعية تأخذ نفس الأنماط المغايرة لمجتمعنا..
أما ممتهنو السياسة فإن المثقف، حتى لو لم يكن ينتمي لحزب أو تنظيم، فهو داعية للمعارضة وساعٍ للمطالبة بهدم الأسس السياسية وإعادة تركيبها وفق نهجه الخاص وحتى على الصعيد الاجتماعي، فإن المستقل برأيه، غالباً ما يكون أمام حملات تشكيك بمعتقداته وسلامة تفكيره، وإذا ما اعترفنا أن المثقف العربي غالباً ما أجبرته ظروفه على الصمت، أو الانجراف باتجاه مخالف لمعتقداته، وقد شهدنا حالات انحراف أكثر خطورة من انحراف الأحداث خاصة حين يوضع الوطن والمعتقد وموروثات المجتمع في مزاد يباع في سوق أجنبية، ولأهدافها ومصالحها..
وحتى نقف على الحياد من هذه الآراء والأفكار فإنه من غير الصحيح الحكم على المثقف أو المفكر بأنه صاحب مُثل عُليا، وليس شيطاناً يحتاج الرجم، فهو إنسان يصوغ مشروعه ضمن بيئته المحلية والعالمية، لكنه الأقل عدوانية من الجاهل وعديم الثقافة الذي تحركه غرائزه وتقلبات أمزجته، ولذلك حين نرى طوابير تصطف أمام المكتبات الشهيرة في عواصم العالم المتقدم لأخذ نسخ كتاب جديد، وحجم ما ينشر من مؤلفات وترجمات وعروض المسرح والسينما، فإن هذه المجتمعات أقل تقلباً في أحوالها السياسية أو خلافاتها العرقية والدينية، بمعنى أن الكتاب يُعد جزءاً من حصانة اجتماعية وتهذيباً أخلاقياً إذا ما رافقته نظم تقر بحرية الإنسان وحقوقه المشروعة..