- شو عمتي؟؟
- قالها البائع المرافق مستطلعاً لعائلة كانت تتجول في معرض الأثاث المكون من ثلاثة طوابق في شهر انهمرت فيه عروض المحلات الموسمية وكان كلما جذبتهم قطعة أثاث كان يتطوع بشرح ما يلزم . لفت نظر الأم طاولة انتريه معينة لم يكن عليها السعر فسألته..كم سعر هذة الطاولة؟؟
- فداعبتها الابنة مبتسمة.. هذى ببلاش ما عليها سعر..
- تضاحكت العائلة بهدوء بينما بقي البائع في حالة تخمين.. شو بيحكوا هلأ؟
- ثم قفز حماسه فوجه حديثه للأم.... شو عمتي؟؟
- ازدادت وصلة الضحك وبدا وكأنه غوار يقف في خط تلاقح الحضارات يقلّب الكلام كي يتفاعل غير ان تجربته كانت حديثة على ما يبدو رغم التقاطه أسلوب المخاطبة المهذب وبقي التعبير يداعب العائلة كلما بحثوا عن دليل عولمة كلامي حديث.
- في تجربتي أذكر الآن كيف كانت إحدى بناتي في المستوى المتوسط تأتينا كل يوم من المدرسة وهي تقلد إحدى معلماتها العربيات بمرح وتنهر عاملة منزلنا كلما تكلمت وقت الغذاء "اسكتي..ما تفتحيش بقك!".
- طبعاً العاملة كانت معتادة على اللهجة السعودية أو الخليجية ولكن المصرية كانت خارج قاموس فهمها رغم خفة دم وجمال اللغة وتنوع تعابيرها.
- ثم جاءت المرأة الآسيوية المزينة التي تزور بيتنا في المناسبات على البال فقد هاتفتني ذات مرة بعد ان كنا نبحث عنها وقالت ببساطة متناهية مدام؟.. انتي سويت لي ميس كول missed call وهي التي بالكاد نتفاهم معها بالعربي أو حتى بالإنجليزي ولكنه تأثير عولمة التخاطب على كل حال وغزو التقنية بالطبع. غير ان الحقيقة الظاهرة بدت متواجدة في حياتنا قبل 25عاما على الأقل حيث كنا نحاول ذات ظهيرة ان نشرح لعاملة المنزل الافريقية وهي الفئة التي كانت منتشرة وقتها بأن تذهب للبقالة المجاورة وتأتي لنا بالجزر..نبي نسوي عصير..وعجزنا ونحن نحاول افهامها ما هو الجزر..
- "ماآرف..ماآرف"..كانت تردد..
- وعندما وصلنا إلى طريق مسدود اتينا في محاولة أخيرة بمجلة بها صور خضار مشكل آشرنا علي صورة الجزر كي تراه فهتفت اخيرا مدركة "آه..كاروت؟؟" قالتها بلكنة اجنبية واضحة !
- لماذا لم نذكر لها اسم الجزر بلغة أجنبية من قبل حتي تفهمها؟
- بصراحة...لم يفكر أحد أن تكون ملمة بأي لغة غير لغتها الأم وهو واقع نعتمد عليه الآن فالجميع يعرف مفردات وتعابير الآخرين المختلفة من الاعلام الفضائي وتقارب بل قل التزاق االحضارات حتى أننا أصبحنا نستعين تلقائيا بلهجات مختلفة في حياتنا اليومية في سبيل المداعبة او اظهار الالفة مع اخرين نتودد باستخدام تعابيرهم او حتي ان كنا نتخاطب على مستوى بيئي محلي بيننا وبين اقاربنا فنأخذ اجمل ما في كلام الاخرين من عادات تفاعل فكروا في اناقة اللهجة اللبنانية وذوقها ونضمه إلى اعتياد خطابنا الحياتي. أما المختلفون من أمثالي المساكين ولظروف حياتية متنوعة أمزج الآن دون قصد اللهجات النجدية والخليجية والحجازية وأحيانا المصرية والشامية والإنجليزية ولم أعد أتوقف كي أتبين من أين يأتي لحن الكلمات إلا إذا كنت في وضع حديث جاد.
- وعدا طرافة عولمة الكلام وما ينتج عنها من مواقف مسلية أو مضحكة تبقى إيجابية جميلة من هذا التلاقح أو التأثير بين الاجناس والثقافات وهي فهمنا للآخر أكثر واقتراب الناس من قراءة المختلف والغريب والتعاطي معه دون خوف أو توجس وربما بعد مزيد من الوقت نصل إلى مرحلة وعي واستيعاب مثل فطرة البدو الطبيعية في قراءة وفهم الآخرين إحساسا من قبل أن يتحدثوا.